هل الإنسان مسير أم مخير في العمل ونوعه؟



إن من ينظر نظرة تأمل وتمحيص في هذا الكون الواسع العظيم من صغيره إلى كبيره يجده على غاية من الإتقان والإبداع، كل ما فيه مسخَّر خادم لمخلوق واحد في جوف هذا العالم اللا متناهي بالنسبة له، ألا وهو الإنسان، فالإنسان كما نراه هو السيد المتصرِّف، يكشف أسرار الطبيعة ويسبر أغوارها ليستطيع إلى حد ما تسخيرها لرغباته وأغراضه كما أننا نلاحظ أن المخلوق الوحيد المتطور هو الذي يحمل فكراً جباراً يحلِّل ويركِّب فيعود بنتائج شتى.

فلا مخلوق سواه يستطيع الاستقراء والاستنتاج والتطور، بل على العكس نرى جميع ما حولنا من مخلوقات تقوم بوظائفها التي خلقت لأجلها وتتقيد بتصرفات ضمن غرائز فطرية أزلية طبعت على صفحات نفوسها، فمثلاً لا نجد مطلقاً ثعلباً ينحو منحاً إنسانياً في معاملته للدجاج، وليس ثمة هرة تربطها بالفأر علاقات الود والصداقة، فالغريزة تسيطر على الهرة لافتراس الفأر دون أي تأخر أو تراجع أو نظرة صغيرة في هذا الموضوع.

كما أننا لا نرى ذئباً يرعى قطيعاً من الخرفان، بل يستحيل حصول ذلك إلاَّ عند كلب وفي، فجميع هذه المسالك لتلك الحيوانات لا تتبدل ولا تتحول ولا تتطور خلال الزمن مهما طال، فلم نرَ على سبيل المثال دجاجة تسبح في بركة ماء، بل هذا عمل البط منذ كان نقفاً لتوه قد خرج من بيضته، تراه يسبح بمهارة وإتقان عجيب.

بالمقابل ترى البط عاجزاً عن القيام بما تقوم به الحيوانات الأخرى كالافتراس مثلاً والصيد أو الحراسة. كما أن هذه الحيوانات التي تقوم بهذه الأعمال عاجزة على أن تعمل ما تعمله النحلة من هندسة خليتها وجمع العسل من الأزهار...

نعم إن كل مخلوق مسير لما خلق له وضمن نظام غريزي يعمل ولا مجال للإبداع أو الابتكار، بل روتين وتكرار يقوم به طوال حياته دون تعديل أو تغيير.

إنها الإلهامات الإلهية التي سخرت جميع ما في الكون لخدمة مخلوق مكرم على جميع المخلوقات وهو الإنسان، فالشمس تشرق وتغيب بوقت معين في كل سنة ولا تحيد عن مسارها قيد أنملة، كذلك تسعى جاهدة لخدمة هذا الإنسان.

مما سبق من تأملات نجد أن الكون على غاية من الدقة والنظام يسير ضمن قوانين ثابتة لا تتغير ولا تتبدل، حركة هادفة، خيرة، متعاونة، ومتكاملة تسعى ضمن مسارات دائرية تقريباً، تبدأ من حيث تنتهي، فالنبات والشمس والقمر وغيرها تعود من حيث بدأت، ويبقى المصير لغزاً لكنه ليس مبهماً ولا مكتّماً، بل يُضّل به كثيراً، ويهدي به كثيراً.

ولعلَّك تقول: ما المراد من كلمة: {..يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً...}

هذه النقطة الهامة كانت موضع أخذ ورد في قرون مضت، وقد ضلَّ بسبب عدم فهمها أناس كثيرون، وتزندق آخرون.

فأما (الجبريـة) فقد ادَّعوا: أن الله تعالى قدَّر على الإنسان الوقوع في الأعمال الخيِّرة والشريرة وأن العبد مجبور في أفعاله لا قدرة له ولا إرادة ولا اختيار والثواب والعقاب جبر. وما مثل الإنسان في كونه مجبوراً على الكفر والمعصية إلا كمثل الريح تهب على العشب (الحشيش) فتقلِّبه يميناً وشمالاً، أو كالورقة تذهب بها الرياح حيث تشاء. قالوا ذلك ليتوصلوا من هذا الطريق إلى تبرير أعمالهم المنحطة والانغماس في شهواتهم الدنيئة وادَّعوا أن لا ذنب لهم ما دام الله تعالى هو خالق الأعمال واستندوا إلى آيات كثيرة ضلُّوا عن فهمها الصحيح فاستشهدوا بها خطأ وفسَّروها تفسيراً باطلاً.

وأما الآخرون وهم (المعتزلـة)فقالوا: إن الله لا يحب الشر والفساد، وقد أرادوا أن ينزِّهوا الله تعالى عن الظلم فزعموا أن الإنسان هو خالق أعماله، والرب منزَّه عن أن يضاف إليه شر أو ظلم وفعل وذلك هو كفر ومعصية. فالعبد عندهم مستطيع باستطاعة نفسه، وأفعاله مخلوقة من جهته لا يحتاج إلى الاستطاعة من الله وقد وضع الله تعالى فيه القوة وهو مطلق في استعمالها وهو والحالة هذه مستحق على ما يفعله ثواباً وعقاباً.
وأنت ترى من خلال هذين الرأيين ضلال كل من الفريقين:

فالجبرية وقعوا في الضلال، إذ زعموا أن العبد مُجبر على الوقوع في الشر، وأنه لا حيلة له والأقدار جارية عليه فهو مكره على تنفيذ هذه الأقدار وليس له في رد ذلك قدرة ولا استطاعة ولا اختيار.

وردّاً على الجبريـة نقول:

لقد نفى تعالى ذلك نفياً قاطعاً بقوله الكريم {..لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ..}سورة البقرة (256). فلم يُكره أحداً على الطاعة كما لم يُكره أحداً على المعصية، وقولهم هذا محض افتراء لا أساس له من الصحة.

وإذا كان الإنسان كما يقول هؤلاء مجبراً على المعصية، ومستحقاً بالتالي على العذاب والعقاب، فلا ريب أن ذلك من الله تعالى محض الظلم والجور، والله تعالى منزَّه عن الظلم والجور، والاعتقاد بمثل تلك الاعتقادات الفاسدة كفر وضلال لأن الذي يسيء الظن بالله وينسب الظلم إلى الله كافر وهو لا يختلف عن إبليس في شيء، إذ قال:


{...رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ...}سورة الحجر (39).

فقد اعترف إبليس بربِّه ولكنه نسب الظلم إلى الله وظنَّ أن الله تعالى هو الذي أغواه، كما لا يختلف معتقد هذه الاعتقادات الباطلة عن المشركين في شيء.{...سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ}.

فردَّ عليهم تعالى بقوله الكريم: {..كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ تَخْرُصُونَ}.سورة الأنعام (148).

وكذلك (فالمعتزلـة) ليسوا على شيء من الصواب فيما زعموا، إذ قالوا: أن العبد بما وضع الله تعالى فيه من القوة قادر وخالق لأفعاله ولا يحتاج إلى الاستطاعة والقوة من الله.

ورداً على المعتزلة نقول:

إذا كان الله تعالى قد وضع في العبد القوة وجعله قادراً على خلْق أعماله فمعنى ذلك أن الله تعالى ترك القوي يعتدي على الضعيف، ثم إن الله تعالى كيف جعل في الناس قوياً وضعيفاً وبهذا جعل الناس يتسلَّطون على بعضهم بعضاً، أليس في هذا الاعتقاد أيضاً ما فيه من نسبة الظلم إلى الله، وكذلك فقد جعل هؤلاء المعتزلة للإنسان حولاً وقوة ولم يجعلوا مع الله إلهاً آخر فقط، بل جعلوا كل مخلوق قادراً وخالقاً. ولو أنهم أدركوا معنى لا إله إلا الله وأنه ليس لأحد في هذا الكون فعل وقوة إلا بالله لما وقعوا في هذا الشرك والضلال البعيد، ومع أنه لا حول ولا قوة إلا بالله وهم يزعمون أنهم أهل العدل والتوحيد.

والآن وبعد أن بيَّنا طرفاً من اعتقادات أهل الضلال والانحراف الذين زاغت قلوبهم عن الحق بسبب عدم معرفتها بالله وانحرافها عن الطريق التي أرشدنا الله تعالى إليها في الوصول إلى الإيمان نستطيع أن نورد اعتقادات أهل السنة والجماعة وأن نفصِّل في تلك النواحي التي أشاروا إليها تفصيلاً يجعل الإنسان يفهم ما ورد في كتاب الله تعالى بما يتوافق مع العدل الإلهي والتوحيد الصحيح قولهم:

أن العبد مخيَّر يستطيع أن يختار ما يشاء ولهذا المعنى يستحق العقوبة أو الثواب، فمتى وُجِدَ من العبد العزم والقصد والاكتساب يحصل له من الله تعالى القوة والاستطاعة على الأعمال.

وهكذا فأنت ترى من خلال هذا الرأي الصحيح أن العبد مطلق في اختياره غير مجبر على الوقوع في فعل من الأفعال. أما الاستطاعة والقدرة فإنما هي بيد الله تعالى وحده وأنه لا حول ولا قوة إلا بالله.

ولعمري ذلك هو التوحيد الصحيح الذي تفيده حقيقة (لا إله إلا الله).

وقد فصَّل أهل السنة في هذه الناحية فقالوا أن للعبد جزءاً اختيارياً، والحقيقة أن للعبد الحريّة كلها والإطلاق في الاختيار ولكن على المستحق، ونفصِّل لك نحن هذا المعنى فنقول:

إذا وقع اختيار العبد المؤمن على القيام بعمل من أعمال البر والإحسان فلا ريب أن اختياره هذا يُنفِّذه الله تعالى له، ولكن العدالة الإلهية تقضي بأن يكون التنفيذ على شخص استحق هذا البر والإحسان. ولذلك يسوق الله تعالى المحسن للمحسن والطيِّب للطيِّب وينال كل امرئ بمقدار ما يستحق من العطاء.

وإذا وقع اختيار المعرض على القيام بعمل من أعمال الأذى والعدوان فلا ريب أن هذه الشهوة الخبيثة التي استقرَّت في نفسه بسبب إعراضه عن الله ودفعته إلى هذا الاختيار لا يكون تنفيذها إلاَّ على شخص استحق بسابق ما اكتسبت يده أن يقع عليه هذا الأذى والعدوان، فيُساق الظالم لنفسه للظالم لنفسه أيضاً:{...وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضَاً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} سورة الأنعام (129).

والخبيث للخبيث ولا ينكح الزاني إلاَّ زانية أو مشركة، والزانية لا ينكحها إلاَّ زان أو مشرك: {الزَّانِي لاَ يَنكِحُ إلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً والزَّانِيَةُ لاَ يَنكِحُها إلاَّ زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ}سورة النور (3).
ويولِّي الله الظالمين لأنفسهم بعضهم بعضاً وكلٌّ ينال أيضاً بمقدار ما يستحق وينفّذ لكلِّ امرئٍ ما اختار على حسب ما تقرُّه تلك الإرادة الإلهية العليا المسيطرة في حكمها فوق الخلائق جميعاً فلا تنفِّذ إلا على حسب ما تقتضيه العدالة فتسوق المحسن للمحسن وتولِّي الظالم على الظالم والله يحكم لا معقِّب لحكمه وهو سريع الحساب.