في عام 1895، أي قبل حوالي 113 سنة، قرر شاب دمشقي يدعى محمد حمدي بكداش، كان يعمل في بيع عصير الليمون البارد، أن يغامر ويجرب في تصنيع مادة غذائية متطورة عن
العصائر من خلال إضافة نبات ينمو بشكل بري في الجبال المرتفعة بشمال سورية المتاخمة للحدود التركية تدعى «السحلبة» وهو نبات معروف يمكن إضافته للحليب لتتشكل منه مادة
البوظة العربية أو «الإيما». وقرر بكداش أن يفتح محلاً في وسط سوق الحميدية الشهير وتحديداً في الجزء الثاني منه المتجه للجامع الأموي. وبعد أن أطلع الحكومة العثمانية على فكرته
ومغامرته فقررت الأخيرة دعمه بإرسال وفد حكومي رفيع المستوى عند افتتاح محله، وبالفعل حقق بكداش ما كان يحلم به وافتتح المحل الذي أخذ شهرة واسعة ليس فقط في سورية بل
في البلاد العربية والغربية. وورث ولداه (موفق وهشام) العمل في المحل حيث ما زالا مستمرين في تحضير وبيع البوظة العربية (المسماة إيما: وهي كلمة تركية تعني البوظة والآيس كريم)
وما زال المحل كما أسسه والدهما بديكوراته حتى أصبح معلماً من معالم سوق الحميدية ودمشق القديمة، وأصبحت بوظة بكداش ضمن نسيج دمشق الفلكلوري والتراثي. "ملاحظة نحنا منقولا ايمع مو؟؟؟"





وفي محل بوظة بكداش تحدث موفق بكداش (أبو سمير) لـ«الشرق الأوسط» عن سر انتشار بوظتهم ومستلزماتها وتاريخها قائلاً «تمكن والدي من تصنيع أول بوظة والتي يطلق عليها حالياً
«الآيس كريم» فهو أول من ابتكرها سنة ،1895 ولذلك أصبحت فلكلوراً وتراثاً نعتز به، وانتشرت في ما بعد من محلنا إلى دول العالم حيث أرسل والدي بعض العمال إلى إيطاليا بعد أن تذوق
البوظة في محله تجار من ايطاليا كانوا يزورون دمشق وطلبوا منه تعليم الإيطاليين تحضيرها، وبالفعل أرسل عماله سنة 1898 حيث انتشرت في ايطاليا. كما قام عمالنا بتعليم الإيطاليين
الإضافات التي يمكن أن تضاف إلى البوظة كالفاكهة ونبات السحلبة وماء الزهر وغيرها. ولتنتقل منها فيما بعد إلى فرنسا و ألمانيا ومن ثم روسيا. وكانت تستخدم الطريقة اليدوية حتى
دخلت الكهرباء إلى ايطاليا سنة 1910 فاستخدموها في تحضير البوظة بينما بقينا نحن نعمل بشكل يدوي حتى وصول الكهرباء إلى دمشق سنة 1930 فاستعان والدي بخبراء فرنسيين
حيث تم تصنيع أول براد وحافظ للثلج في سورية لدينا في المحل، وما زالت موجودة حتى الآن كما قمن بتوريد هذه الآلات إلى المدن السورية. أما سر البوظة لدينا ونكهتها المميزة فهو وجود
نبات السحلية واستخدام المواد الطازجة حيث الحليب نحضره طازجاً صباحاً ومساء،




ولذلك تلاحظ الازدحام الشديد على محلنا لتناول البوظة لدينا لأن الناس يعرفون أنها طبيعية تماماً ولا تدخل فيها أي مواد صناعية، إضافة إلى أنها ذات فوائد طبية وصحية للإنسان وتقي من
حرقة القرحة بسبب وجود نبات السحلبة المعروف في طب الأعشاب بمعالجته لقرحة المعدة. ونحن نأتي بهذا النبات من الجبال العالية في شمال سورية وهو نبات بري يسحب من الأرض
ويجفف ومن ثم يطحن كالقمح بحيث يتحول إلى بودرة وبعدها نضيفه مع السكر والحليب المغلي والمبرد في ما بعد فيمسك الحليب ويجعله «لزجاً» بعد أن يكون مائعاً». ويضيف هشام
«يقوم العمال بدقها بسواعدهم وأيديهم من خلال أدوات خشبية وأمام الزبائن





وحالياً لا يوجد غيرنا في دمشق وسورية والعالم العربي من يصنع البوظة اليدوية. حتى من علمناهم وذهبوا ليفتتحوا محلات لبيع البوظة اليدوية كما هي عندنا غيروا تفكيرهم وتحولوا إلى
منطق الربح والتجارة واستخدموا المواد المصنعة، بحيث باتوا يستخدمون آلات «اللوكي كريم» بإضافة حليب مجفف وماء وسكر فتنتج بوظة افرنجية، وهذه أربح وأسهل بالعمل ولا تحتاج لأي
جهد.. الآلة هنا تعطي البوظة، ولذلك للأسف لم يحافظ العمال الذين دربناهم على المصلحة وغيروا لتحقيق ربح أكبر». ويتذكر موفق بكداش أن والده حدثه كيف افتتح محله في سوق
الحميدية وكيف كان الافتتاح احتفالياً حيث جاء مندوب السلطان العثماني (السلطان عبد الحميد) لحضور حفل الافتتاح، «وحضر الافتتاح أكثر من 30 مسؤولاً رفيعاً من السلطة العثمانية..
وأصبحت كل حفلات الدولة العثمانية الراقية والأعراس تعتمد في تقديم الضيافة على بوظة بكداش حيث ترسل إلى استانبول والآستانة، كما صدّرها والدي في ما بعد ونحن أيضاً ما زلنا
نرسلها إلى المغرب العربي والأردن ومصر ودول الخليج، ولها شعبية كبيرة في هذه الدول».


ويفتخر موفق أن محله استقبل الكثير من الزعماء العرب والأجانب الذين كانوا يتناولون البوظة (الإيما) في محله عندما يزورون دمشق والجامع الأموي وسوق الحميدية، «وهناك شخصيات
سياسية وفنية كثيرة زارت محل بكداش وتناولت البوظة فيه ومنها السلطان عبد الحميد الذي حضر بعد حفل الافتتاح إلى المحل.. وملك المغرب محمد السادس، وملك الأردن عبد الله
الثاني، وملك ماليزيا، ورئيس وزراء ماليزيا، ورئيس مجلس الوزراء الأردني، ورئيس البرلمان في الأردن، والمرحوم رفيق الحريري رئيس وزراء لبنان السابق حيث كان في كل زيارة لدمشق يحضر
إلى محل بكداش لتناول البوظة وكان في كثير من الأحيان يرسل أشخاصاً ليأخذوا البوظة إلى قصره في بيروت ليقدمها في الحفلات والمناسبات لضيوفه وليتناولها معهم. كذلك من الفنانين
الذين تناولوا البوظة في محل بكداش هناك أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب وبشارة واكيم ويوسف وهبي وآخرون». ويقول أبو سمير إنه كما حافظ على هذه المهنة التي ورثها عن والده كمهنة
فلكلورية تراثية دمشقية فهو واثق من أن أولاده سيحافظون عليها حيث يعمل معه حالياً ابنه الكبير سمير، وسيحافظون على محلهم في سوق الحميدية كما حافظ عليه هو، وكما أسسه
والده حمدي بكداش



يا سلام شي ناهي اديه رقموووو

توته توته خلصت الحتوتة