قال متضرعاً :
- يا رب !... أنا أعلم أن رؤية رسولك الكريم في الحلم شرف لا استحقه أنا العبد العاصـي ... ولكنك رب غفور ... ألا تغفر لي وتنيلني هذا الشرف ؟
كان الرجل منذ عدة أشهر يدعو بهذا الدعاء ، وكان يفتش أحياناً عن سبل لتحقيق هذه الرؤيا في كتب تفسير الأحلام وفي كتب الفقه . كان أقرباؤه قد أحسوا شيئاً غريباً فيه وغير اعتيادي في الآونة الأخيرة ، وقال بعضهم انه بدأ يخرف ... كانوا يقولون عندما يتحدثون عنه :
- لقد أصبح غريب الأطوار بعد وفاة زوجته ، فهو يتجول حتى الصباح دون ان يذوق طعم النوم.


صحيح ان الرجل كان قليل النوم ، ولكن ألم يكن هذا ضرورياً وهو يرعي أمور طفليه الصغيرين لكي لا يشعروا بفراق والدتهما ؟
كان الرجل بعد ان ينام الطفلان في الغرفة المجاورة يحس أكثر بلذعة اللوعة في قلبه ، لذا كان كثيراً ما يتفقد الطفلين في أثناء الليل. ولأن الموسم كان شتاء كان عليه أن يبذل عناية إضافية لذا لم يكن يطفئ موقد الغاز في غرفتهما، اذ كان يردد في نفسه :
- ماذا أفعل لو أصابهما البرد ومرضا ؟ ... ماذا لـو ... احدهما ! لم يكن يستطيع ان يقول : ماذا لو مات احدهما ... لم يكن لسانه يطاوعه للتلفظ بهذه الكلمة. لذا كان كثيراً ما يدعو من الله – في صلاته في الليل – وان يحفظهما...
في عباداته الليلية هذه كانت رؤية النبي صلى الله عليه وسلم قد أصبحت غايته وهدفه ... كان يقول متضرعاً :
- يا رب ! ... لو أستطيع فقط رؤيته مرة واحدة اذن لرضيت ان يؤخذ من عمري – لو كان فيه بقية – عشرة أعوام.


في تلك الليلة تمدد بعد صلاة الفجر ونام حالاً ، فقد قضى يوماً متعباً في عمله ، كما قام بغسل عدة قمصان بعد رجوعه إلى البيت .. كان ينهض كل يوم على دق بائع الحليب الباب عليه.
ولكن الرجل هب من نومه فجأة بعد نصف ساعة فقط من نومه ... ومع انه كان لا يزال تحت تأثير النعاس إلا انه كان يكرر ودون توقف :
- على العين والرأس ... على العين والرأس.
كان قد أُمر في منامه ان يذهب حالاً إلى غرفة الطفلين ... وكان هذا الأمر صادراً من الذي كان يكرر الدعاء لرؤيته .. أي منه صلى الله عليه وسلم .


عندما هرول الرجل إلى الغرفة امتثالاً للأمر ملأت رئتيه رائحة دخان كثيف ... كانت رائحة القميص الذي نشره بعد الغسيل فوق المدفأة ليجف ... كان القميص قد وقع على المدفأة وبدأ يحترق. أسرع إلى الطفلين واحتضنهما وأسرع بهما إلى الشرفة ... حمداً لله كانا سليمين لم يصبهما أذى.
وعندما قال لنفسه :
- ماذا كان يحصل لو أنني تأخرت قليلاً؟!!.
خطر بباله الرؤيا التي رآها في منامه ... ارتجف جسده كله ، من شعره حتى أخمص قدميه .. لقد أدرك من الذي أنقذهما ... احتضن ولديه بقوة وهو يحس بالدموع – التي ضبطها حتى الآن بعد وفاة زوجته – وهي تسيل من عينيه وتبلل خديه.




من سأل الله شيئا بصدق واخلاص نيه بلغه الله ماسأل
فهل نعجز الدعاء
هذا السلاح الفتاك
الذي لايعجز ابدا
فقد قال جل جلاله
((ادعوني استجب لكم))
((وإذا سألك عبادي عني فإني قريب اجيب دعوه الداع اّذا دعان))