يمر على الإنسان لحظات يشعر فيها بالسعادة وأخري يشعر فيها بالحزن والاكتئاب، فها هي الدنيا كما يقولون " يوم حلو ويوم مر"، ولكن لماذا يتذكر الإنسان الأمور السيئة التي مرت طيلة حياته أكثر من الأمور السعيدة، وفي هذا الصدد تأتي هذه الدراسة لتثبت أن الذاكرة تختزن بدقة أكبر تفاصيل الأحداث السيئة التي قد يصادفها الإنسان في حياته أكثر من الممتعة أو السارة.

فعندما يشم الإنسان رائحة معينة فإن هذا يجلب الذكريات السعيدة أو المؤلمة، حيث يوجد جزء واحد من الدماغ مسؤول عن الذكريات وعن الروائح التي يشمها الإنسان. وأشار الباحث ستيفن شيا إلى أن هناك ارتباطاً بين الذكريات والروائح، قائلاً : "إننا نتذكر مثلاً دخول غرفة وشم شيء معين يستحضر ذكريات عاطفية حية أو نابضة حول عضو في عائلتنا ترجع إلى سنوات أو حتى عقود من الزمن".

وأجرى الباحث اختبارات علمية على مجموعة فئران لمعرفة الكيفية التي تتكون بها الذكريات وقوتها بعد تخديرها ومراقبة ردّات فعلها بعد عودتها إلى وعيها، ووجدت الدراسة تراجعاً قدره 40% في النشاط العصبي لمجموعة الفئران بعد إطلاق الخلايا العصبية لمادة "نورادرينالين" لديها مما يعني أن تذكرها لرائحة معينة كان قد بدأ في التكون، كما تبين أنه بعد يوم من عودة وعيها إليها تبدلت تصرفاتها تماماً.

كما اكتشف علماء الأعصاب السر وراء ظاهرة تذكر أحداث معينة مثل ذكريات الطفولة أو الشباب من روائح خاصة. فقد وجد العلماء أن للدماغ البشري منطقة محددة تسجل الروائح وتخزنها ، مشيرين إلى أن هذه الظاهرة تسمى"بروستيان" نسبة للكاتب الفرنسي"مارسيل بروست"، الذي نشر إحدى رواياته العظيمة عن تذكر الماضي، ويعتقد العلماء أن هذا الأمر يحدث بسبب وجود جزء منفصل في دماغ الانسان يخزن الروائح ويعالجها.‏

ووجد العلماء أن الذكريات التي تنشطها الروائح قد تكون أقوى وأكثر عاطفية وتفصيلاً وإشراقاً من الذكريات المصاحبة للحواس الأخرى.‏ وفسر علماء الأعصاب الأمر بأن حاسة الشم تؤثر في مناطق دماغية مثل القشرة الشمية ، المسؤولة عن معالجة الروائح، مشيرين إلى أن هذه الاكتشافات تساعد الأشخاص على تذكر ماضيهم، ومعالجة الأمراض والاضطرابات المرتبطة بالنسيان والذاكرة.‏

تحديد المنطقة المسؤولة عن الذكريات

كشفت دراسة أمريكية حديثة عن وجود منطقة بالدماغ البشرية تتيح للإنسان أن يمحو بإرادته الذكريات، مما يفتح المجال لابتكار وسائل علاج جديدة لمرضى الاكتئاب والقلق المرضي. قال برندن ديبيو المشارك في وضع هذا البحث الذي نشرته مجلة ساينس الأمريكية: "أظهرنا في هذه الدراسة أن لدى الأفراد القدرة على تعلم محو احداث مؤلمة معينة من ذاكرتهم".

وأضاف: "نعتقد أننا حددنا الآليات العصبية لهذه الظاهرة ونأمل أن يتيح هذا الاكتشاف وما سيعقبه من أبحاث في المستقبل التوصل إلى وسائل علاج وأدوية جديدة لعلاج مجموعة من الاضطرابات الانفعالية".

وخلال فترة تدريب اضطر المشاركون إلى تخزين 40 صورة مرادفة في الذاكرة تتضمن وجه شخص محايد عاطفيا مرفقة بمشهد مزعج مثل جندي جريح أو حادث طريق، وعلى الآثر خضع هؤلاء الاشخاص لتجربة لتحديد ما اذا كان باستطاعتهم لدى رؤية الصورة المحايدة أن يتذكروا أو ينسوا عمدا الصورة المؤلمة المرفقة.

وقد جرى تصوير دماغ هؤلاء بأشعة الرنين المغناطيسي التي تتيح تصوير العضو وهو يؤدي عمله الوظيفي. وأشار ديبيو المتخصص في علم الأعصاب في جامعة كولورادو، إلى أن عملية إلغاء الذاكرة تقع في قشرة الدماغ الامامية الواقعة خلف الجبين التي تعتبر موقع التحكم في الأفكار.

واكتشف العلماء أن منطقتين في قشرة الدماغ هذه تعملان ترادفيا لتحييد نشاط مناطق أخرى محددة في الدماغ مثل منطقة الاعصاب البصرية ومنطقة تلافيف المخ واللوزتين التي تقوم بدور كبير في الذاكرة البصرية والعاطفية.

واضافوا أن هذا البحث اظهر ان الاشخاص تمكنوا من التحكم في ذاكرتهم الشعورية من خلال وقف عمل بعض اجزاء الدماغ لمنع تذكر الاحداث المزعجة، مشيرين إلى أن هذه القدرة على النسيان كانت عاملا إيجابيا في التطور البشري.

بروتينات في الدماغ تحمي الذكريات

كثير منا ينسى بعض الأحداث اليومية التي قد تكون هامة أو لا، ولكن لا نسأل لماذا لا ننسى الذكريات!، وتكون الإجابة هنا على هذا الاستفسار في وجود بروتينات بالدماغ تحمي الذكريات.

وأشار بول برسلوف الباحث والبروفيسور في جامعة يوتا، إلى أن نقاط الاشتباك العصبية يمكن أن تشكل مكاناً لاختزان الذكريات ومنع دخولها في دائرة النسيان، لأن هناك ما يشبه "المرساة" التي تمنع الذكريات من الانزلاق والنسيان بفضل البروتينات الموجودة في الدماغ. وأوضح أن هذه البروتينات تساعد على معرفة مدى الصلابة أو القوة التي ستكون عليها نقاط الاشتباك العصبية والمسؤولة على تكون الذكريات والحفاظ عليها.

محو الذكريات المؤلمة .. ممكن


وفي نفس السياق، أكد علماء إيطاليون أن الأبحاث التى أجروها مؤخراً يمكن أن تساعد على التخلص من الذكريات المؤلمة التى لا يرغب البعض الاحتفاظ بها فى أدمغتهم.

وقد أثبتت التجارب التى أجراها علماء فى جامعة تورينو على الفئران أنه بالإمكان تعديل الأصوات المخزنة فى الدماغ بواسطة الصدمات الكهربائية.

وأشار قائد فريق الباحثين إلى أن الذكريات مثل أشياء سهلة العطب، تخزن فى أجزاء معينة من الدماغ، وهى مثل متاهات الموزييك، مشيراً إلى أن الأمر قد يتطلب أياماً لخزن الأشياء الصغيرة، وساعات قليلة لإعادة ترتيبها، مضيفاً أن أسوأ أنواع الذكريات هى التى يكون مصدرها المخيخ، وإذا تمكنا من إقفال ذلك الجزء يمكن عندها إجراء تعديل على الذاكرة.