اختبارات حربية
ضرب شيزر بالمنجنيق
ومن عجيب الآجال لما نزل الروم إلى شيزر سنة اثنتين وثلاثين وخمس مائة نصبوا عليها مجانيق هائلة جاءت معهم من بلادهم ترمي الثقل، وتبلغ حجرها ما لا تبلغه النشابة، وترمي الحجر عشرين وخمسة وعشرين رطلاً ولقد رموا مرة دار صاحب لي يقال له يوسف بن أبي الغريب رحمه الله بقلب فوق فهدمت علوها وسفلها بحجر واحد. وكان على برج في دار الأمير قنطارية فيها راية منصوبة، وطريق الناس في الحصن من تحتها، فضرب القنطارية حجر المنجنيق كسرها من نصفها، وانقلب كسرها الذي فيه السنان تنكس ووقع في الطريق، ورجل من أصحابنا عابر، فوقع السنان من تلك العلو وكان فيه نصف القنطارية في تروقته خرج إلى الأرض وقتله. وحدثني خطلخ مملوك لوالدي رحمه الله قال كنا في حصار الروم جلوساً في دهليز الحصن بعددنا وسيفنا فجاءنا شيخ يعدوا وقال يا مسلمون الحريم، دخل الروم معنا، فأخذنا سيوفنا وخرجنا وجدناهم قد طلعوا من ثغرة في السور ثغرتها المجانيق فضربناهم بالسيوف حتى أخرجناهم، وخرجنا خلفهم حتى أوصلناهم إلى أصحابهم وعدنا فتفرقنا، وبقيت أنا وذلك الشيخ الذي إستفزعنا فوقف وأدار وجهه إلى الحائط يريق الماء فأعرضت عنه فسمعت وجبة فالتفت وإذا الشيخ قد ضربت رأسه حجر المنجنيق كسرته وألصقته بالحائط ومخه قد سال على الحائط فحملته وصلينا عليه ودفناه في مكانه رحمه الله. وضربت حجر المنجنيق رجلاً من أصحابنا رجله فحملوه بين يدي عمي وهو جالس في دهليز الحصن، فقال هاتوا المجبر وكان بشيزر رجل صانع يقال له يحيى صانع في التجبير، فحضر وجلس يجبر رجله وهو في سترة خارج باب الحصن، فضربت الرجل المكسور حجر في رأسه طيرته، فدخل المجبر إلى الدهليز فقال عميما أسرع ما جبرته! قال يا مولاي جاءته حجر ثانية اغنته عن التجبير.
قصد الفرنج دمشق
ومن نفاذ المشيئة في الآجال والأعمار ان الإفرنج خذلهم الله، اجمع رأيهم على ان يقصدوا دمشق ويأخذوها، فاجتمع منهم خلق كثير وسار إليهم صاحب الرها وتل باشر وصاحب إنطاكية، فنزل صاحب إنطاكية على شيزر في طريقه إلى دمشق، وقد تبايعوا بينهم دور دمشق وحماماتها وقياسيرها واشتراها البرجاسية ووزنوا لهم أثمانها، وما عندهم شك في فتحها وملكها. وكفر طاب إذ ذاك لصاحب إنطاكية، فجرد من عسكره مائة فارس انتخبهم وأمره بالمقام بكفر طاب مقابلنا ومقابل حماة فلما سار إلى دمشق اجتمع من بالشام من المسلمين لقصد كفرطاب وانفذوا رجلاً من أصحابنا يقال له قنيب بن مالك فجس لهم كفرطاب في الليل فوصلوها دارها وعاد وقالابشروا بالغنيمة والسلامة. فسار المسلمون عليهم فالتقوا على مثكير، فنصر الله سبحانه الإسلام وقتلوا الإفرنج جميعهم. وكان قنيب الذي جس لهم كفرطاب قد رأى في خندقها دواب كثيرة. فلما ظفروا في الإفرنج وقتلوهم طمع في أخذ تلك الدواب التي في الخندق ورجا ان يأخذ الغنيمة وحده، فمضى يركض إلى الخندق فرمى عليه رجل من الإفرنج حجراً فقتله. وكانت له عندنا والدة عجوز كبيرة تندب في مأتمنا ثم تندب ولدها. فكانت إذا ندبت على ابنها قنيب تتدفق ثدياها بالبن حتى تغرق ثيابها، وإذا فرغت من الندب عليه وسكنت لوعتها عادات ثديها كالجلدتين ما فيهما قطرة لبن، من أشرب القلوب الحنة على الأولاد. ولما قيل لصاحب إنطاكية وهو على دمشققد قتل المسلمون أصحابك قالما هو صحيح، قد تركت بكفرطاب مائة فارس تلتقي المسلمين كلهم. وقضى الله سبحانه ان المسلمين بدمشق نصروا على الإفرنج وقتلوا منهم مقتله عظيمة وأخذوا جميع دوابهم فرحلوا عن دمشق أسوأ رحيل وأذله - والحمد لله رب العالمين.
كردي يتأبط رأس أخيه
ومن عجائب ما جرى في تلك الواقعة بالإفرنج انه كان في عسكر حماة أخوان كرديان اسم الواحد بدر وأسم الأخر عناز. وكان هذا عناز ضعيف النظر. فلما كسر الإفرنج قطعوا رأسهم وشدوهم في سموط خيلهم، وقطع عناز رأساً في سموطه، فرآه قوم من عسكر حماة فقالوا لهيا عناز أي شيء هذا الرأس معك؟ قال سبحان الله لما يجري بيني وبينه حتى قتلته. قالوا له يا رجل هذا رأس أخيك بدر فنظر وتأمله، فإذا هو رأس أخيه فأستحيى من الناس وخرج من حماة، فما ندري اين قصد ولا عدنا نسمع له خبراً وكان أخوه قتل في تلك المعركة قتله الإفرنج، خذلهم الله تعالى.
ضربة سيف تشق رأس إسماعيلي
اذكرني ضربة حجر المنجنيق رأس ذلك الشيخ رحمه الله ضرب السيف الماضية. فمن ذلك ان رجلاً من أصحابنا يقال له همام الحاج التقى هو ورجل من الإسماعيلية، لما عملوا على حصن شيزر بالرواق في دار عمي رحمه الله، في يد الإسماعيلي سكين والحاج في يده سيف، فهجم عليه الباطني بالسكين فضربه همام بالسيف فقطع قحف مخه على الأرض فأنبسط عليها وتطاير، فوضع همام السيف من يده وتقيأ ما في بطنه لما لحقه من نظر ذلك المخ من الغثيان، ولقيني في ذلك اليوم واحد منهم في يده سيخ وفي يدي سيف لي، فهجم علي بالسيخ فضربته في وسط ساعده والسيخ بيده قبضته ونصله لاسق بساعده فقطع قدر أربع أصابع من نصل السيخ وقطع الساعد من نصفه فأبانه، وبقي أثر فم السيخ في حد السيف، فرآه صانع عندنا فقالأنا أخرج هذا الثلم منه. قلتدعه كما هو فهو أحسن ما فيه، وهو إلى الآن إذا رآه إنسان علم انه أثر سكين. ولهذا السيف خبر أنا ذاكره.
تقطع وأخرى نعلاً ومرفقاً
كان للوالد ركابي يقال له جامع فأغار الفرنج علينا، فلبس الوالد كزاغنده وخرج من داره ليركب، فما وجد حصانه فوقف ساعة ينتظره، فوصل جامع الكابي بالحصان وقد أبطأ، فضربه الوالد بهذا السيف وهو في غمده متقلد به، فقطع الجهاز والنعل الفضة وبشتا كان على الركابي وصوفية وعظم مرفقه فرميت يده، فكان رحمه الله يقوم به بأولاده بعد تلك الضربة، وكان السيف يسمى الجامعي بأسم الركابي.
ضربتان تقتل رجلين
ومن ضربتا السيف المذكورة ان أربعة اخوة من أنساب الأمير افتخار الدولة أبي الفتوح بن عمرون صاحب حصن أبو قبيس صعدوا إليه إلى الحصن وهو نائم وأوثقوه بالجراح، وما معه بالحصن غير ابنه، ثم خرجوا وهم يظنون أنهم قتلوه يريدون ابنه، وكان هذا افتخار أعطاه الله من القوة أمراً عظيماً، فقام من فراشه عرياناً وسيفه معلق في بيته معه فأخذه وخرج إليهم فلقيه واحد منهم وهو مقدمهم وشجاعهم، فضربه افتخار الدولة في السيف وقفز من مقابله خوفاً من أن يصله بسكين كانت في يده، ثم التفت إليه فوجده ملقى فقد قتله بتلك الضربه، وصار إلى الأخر ضربه قتله، وانهزم الاثنين الباقيان فرميا أنفسهما من الحصن فمات أحدهما ونجا الأخر.
واتانا الخبر إلى شيزر فأنفذنا من هنأه بالسلامة، وطلعنا بعد ثلاثة أيا إلى حصن أبو قبيس لعيادته، فإن أخته كانت عند عمي عز الدين وله منها أولاد. فحدثنا حديثه وكيف كان أمره. ُم قال متن كتفي يحكني وما أصل إليه. ودعا غلاماً له ليبصر ذلك الموضع أي شيء قرصه فيه. فنظر فإذا هو جرح وفيه رأس دشن قد انكسر بظهره، وما معه به علم ولا أحس به، فلما قاح أحكه. وكان من قوة هذا الرجل انه كان يمسك رسغ رجل البغل ويضرب البغل فلا يقدر يخلص رجله من يده، ويأخذ مسمار البيطاري بين أصابعه وينفذ في دق خشب البلوط، وكان أكله مثل قوته بل أعظم.
بطولة النساء
قد ذكرت شيئاً من أفعل الرجال وسأذكر شيئاً من أفعال النساء بعد بساط اقدامه.
بالدون يعقب روجر في إنطاكية
وذلك أن إنطاكية كانت لشيطان من الإفرنج يقال له روجار، فمضى يحج إلى بيت المقدس، وصاحب البيت المقدس بغدوين البرونس وهو رجل شيخ، وروجار شاب فقال لبغدوينإجعل بيني وبينك شرطاً إن مت قبلك كانت إنطاكية لك وإن مت قبلي كان بيت المقدس لي. فتاعقدا وتواثقا على ذلك. وقدر الله تعالى أن نجم الدين إيلغازي بن أرتق رحمه الله، لقي روجار بدانيث يوم الخميس الخامس من جمادى الأولى سنة ثلاثة عشر وخمسمائة فقتله وقتل جميع عسكره، ولم يدخل إنطاكية منهم دون العشرين رجلاً وسار بغدوين إلى إنطاكية فتسلمها. وضرب مع نجم الدين مصافاً بعد أربعين يوماً. وكان إلغازي إذا شرب النبيذ يخمر عشرين يوماً، فشرب بعد كسر الفرنج وقتلهم دخل في الخمار فما أفاق حتى وصل الملك بغدوين البرنس إلى إنطاكية بعسكره.
طغدكين يقطع رأس روبرت
فكان المصاف الثاني بينهما على السواءكسر بعض الفرنج بعض المسلمين وكسر بعض المسلمين بعض الفرنج، وقتل من هؤلاء وهؤلاء جماعة. واسر المسلمين روبرت صاحب صهيون وبلاطنس وتلك الناحية، وكان صديقاً لأتابك طغدكين صاحب دمشق ذلك الوقت، وكان مع نجم الدين إيلغازي لما أجتمع بالإفرنج في افاميا عندما وصل عساكر الشرق مع برسق بن برسق فقال هذا روبرت الأبرص لأتابك طغدكينما أدري بأي شيء أضيفك، ولكن قد أبحتك بلادي، أنفذ خيلك تغير عليها وتأخذ كلما وجدوه، بلى لا يسبوا ولا يقتلوا، الدواب والمال والغة لهم يأخذون ذلك مباحاً لهم. فلما أسر روبرت وأتابك طغدكين حاضر المصاف في معونة إيلغازي، قطع روبرت على نفسه عشرة آلاف دينار، فقال إيلغازيأمضوا به إلى أتابك لعله يفزعه فيزيدنا بالقطيعة. فمضوا به وأتابك في خيمته يشرب. فلما رآه مقابلاً قام شمر أذبال قبائه في البند وأخذ سيفه وخرج إليه وضرب رقبته، فنفذ إليه إيلغازي يعتب عليه وقالنحن محتاجون لدينار واحد للتركمان، وهذا كان قد قطع على نفسه عشرة آلاف دينار نفذته إليك تفزعه لعله يزيدنا في القطيعة قتلته! قالأنا ما أحسن افزع إلا كذا.