








الطريق.
أين ذلك المقهى لأحتسي فيه هذا الصباح فنجان قهوة نخب ذكراه؟
كيف أعثر على مقهى لم يكن كبيراً سوى بأسماء رواده؟ كيف أجده.. في هذا الزمن الذي كبرت فيه المقاهي وكثرت، لتسع بؤس المدينة. وإذا بها متشابهة وحزينة كوجوه الناس؟
لم يعد يميزها شيء. حتى تلك الهيبة التي كانت سمة أهل قسنطينة، وذلك الشاش والبرنس المتألق بياضاً، أصبح نادراًً وباهتاً اليوم.
ربما كان أول ما لفت نظري ذلك الصباح، ذلك الزيّ الموحّد لتلك المدينة التي تستيقظ كما تنام بحزن غامض. ذلك اللون القاتم المتدرج والمشترك بين الجنسين.
النساء ملفوفات بملاءاتهن السوداء التي لا يبدو منها شيء سوى عيونهن.
والرجال في بدلاتهم الرمادية أو البنية التي لا تختلف عن لون بشرتهم.. ولا لون شعرهم. والتي يبدون وكأنهم اشتروها جميعاً عند خياط واحد.
وقلما كان يبدو من بين الحشود نقطة ضوء، أو لون زاهٍ لفستانٍ أو لبدلةٍ صيفية.
تراني كنت أنظر ذلك الصباح إلى تلك المدينة، بعيون رسام لا تلفت نظره سوى الألوان، ويكاد لا يرى سواها في كل شيء. أم تراني كنت أراها فقط بعيون الماضي وخيبة الحاضر؟
رميت بنفسي وسط أمواج الرجال الضائعين مثلي في تلك المدينة. شعرت لأول مرة أنني بدأت أشبههم.
مثلهم أملك وقتاً ورجولة لا أدري ماذا أفعل بها. فلا أملك إلا أن أمشي ساعات في الشوارع كما يمشون.. محملاً ببؤسي الحضاري.. وبؤسي الجنسي الآخر.
ها نحن نتشابه فجأة في كل شيء. في لون شعرنا ولون بدلتنا وجرّ أحذيتنا وخطانا الضائعة على الأرصفة.
نتشابه في كل شيء، وأنفرد وحدي بك. ولكن هل يغير ذلك شيئاً؟
حبك الذي استدرجني حتى هذه المدينة، أعادني إلى تخلّفي دون علمي. رمى بي وسط هذه الجموع الرجالية، التي تسير ببطء تحت الشمس الصيفية، دون وجهة محددة، ودون أن تدري ماذا تفعل بتلك الأشعة التي تختزنها الأجساد المحمومة في النهار، وتنفقها الأيدي البائسة سرّاً في الليل.. في الملذات الفردية.
تتوقف فجأة خطواتي أمام جدران بيت لا يشبه بيوتاً أخرى.
هنا كانت أكبر "دار مغلقة" يرتادها الرجال. وكان لها ثلاثة أبواب تؤدي إلى شوارع وأسواق مختلفة.
لقد كانت في الواقع داراً مغلقة مشرعة، مدروسة ليتسلل إليها الرجال من أية جهة، ويخرجوا منها من أية جهة أخرى.
كان الرجال يؤمونها من كل صوب، هرباً من المدن والقرى المجاورة، التي لا ملّذات فيها ولا نساء.
وكانت النساء الجميلات والبائسات، يأتين أيضاً من كل المدن المجاورة ليختفين خلف هذه الجدران المصفرة، التي لا يخرجن منها إلا عجائز لينفقن ثروتهن في الصدقات والحسنات، وتطهير الأيتام في موسم توبتهن الأخيرة.
هنا أنفق أبي ثروته ورجولته..!
أحاول ألا أتوقف عند ذلك البيت الاستثنائي، الذي كان لعدة سنوات سبب حزن أمي السري، وربما موتها قهراً.
وكان لعدة سنوات أيضاً سرّ نشوتي السرية، وأحلامي المكبوتة أيام صباي، يوم كنت أحلم به ولا أجرؤ على دخوله، ربما خوفاً من أن ألتقي بأبي هناك، وربما أيضاً لأنني كنت مكتفياً بمغامراتي العابرة المسروقة فوق السطح تارة، أو في غرف المؤونة التي قلما يفتحها أحد..
اليوم لم يعد أبي هناك ليمنعني احتمال وجوده في هذا "البيت" من الدخول.
لقد رحل بعدما ترك تاريخه بامتياز خلف هذه الجدران، تماماً كما يفعل أيّ فلسطيني ثري ومحترم على أيامه.
ألم تكن جدتي تقول وقتها لتعلم أمي الصبر، وتعودها على تقبّل تلك الخيانة بفخر: "إن ما يفعله الرجال.. طرّز على أكتافهم!".
وكان أبي يطرّز مغامراته جرحاً ووشماً على جسد (أمّا) دون أن يدري.
ماذا أصبح هذا "البيت" لست أدري..
يُقال إنهم أغلقوه وربما ظل له باب واحد فقط.. بعدما أغلقت أبوابه الأخرى، في إطار سياسة تقليص الملذات في هذه المدينة، أو احتراماً لعشرات المساجد التي نبتت على صدر هذه الصخرة، والتي يرتفع صوتها مجتمعة مرات في اليوم، ليذكّر الناس بمزايا الإيمان والتوبة..
وكنت في تلك اللحظة، كمعظم رجال هذه المدينة، أقف في الحد الفاصل بين شهوة الجسد وعفة الروح. يتجاذبني إلى أسفل النداء السري لتلك الغرف المظلمة الشبقية.. حيث تحلو الخطايا.. ويسمو بي إلى أعلى ذلك النداء الآخر، لتلك المآذن التي افتقدت طويلاً تكبيرها، ورهبة آذانها الذي كان يدعو إلى الصلاة، فيخترق بقوته دهاليز نفسي، ويهزني لأول مرة منذ سنوات.
لقد أصبحت في بضعة أيام رجلاً مزدوجاً كهذه المدينة، وبدأت أعي أن ليس في هذا العالم المسكون بالأضداد من مدن بريئة. ومدن فاجرة.
هنالك مدن منافقة.. وأخرى أقل نفاقاً فقط..
وليس هناك من مدن بوجه واحد.. وحرفة واحدة. وقسنطينة أكثر المدن وجوهاً.. وتناقضاً.
ها هي مدينة تستدرجك إلى الخطيئة. ثم تردعك بالقوة نفسها التي تستدرجك بها.
كل شيء هنا دعوة مكشوفة للجنس.. شيء ما في هذه المدينة يغري بالحب المسروق: قيلولاتها التي لا تنتهي.. صباحاتها الدافئة الكسلى.. وليليها الموحش المفاجئ. طرقاتها المعلّقة بين الصخور.. أنفاقها السرية الموبوءة الرطوبة.. منظر جبل الوحش وما حوله من ممرات متشعّبة.. غابات الغار والبلّوط.. وكل تلك المغارات والأنفاق المختبئة.
ولكن.. عليك أن تكتفي بالتفرج على عادات النفاق المتوارثة هنا من أجيال، وتتحاشى النظر إلى هذه المدينة في عينيها حتى لا تربكها.. وترتبك!
فالجميع هنا يعرفون أن خلف شوارعها الواسعة تختبئ الأزقّة الضيقة الملتوية، وقصص الحب غير الشرعية، واللذة التي تسرق على عجل خلف باب.. وتحت ملاءتها السوداء الوقور، تنام الرغبة المكبوتة من قرون. الرغبة التي تعطي نساءها تلك المشية القسنطينية المنفردة، وتمنح عيونهن تحت (العجار)، ذلك البريق النادر.
تعوّدت النساء هنا منذ قرون، على حمل رغبتهنّ كقنبلة موقوتة، مدفونة في اللاوعي. لا تنطلق من كبتها إلا في الأعراس، عندما تستسلم النساء لوقع البندير، فيبدأن الرقص وكأنهن يستسلمن للحب، بخجل ودلال في البداية. يحركن المحارم يمنة ويسرة على وقع "الزندالي".. فتستيقظ أنوثتهن المخنوقة تحت ثقل ثيابهن وصيغتهن.
يصبحن أجمل في إغرائهن المتوارث.
تهتز الصدور وتتمايل الأرداف، ويدفأ فجأة الجسد الفارغ من الحب.
تشبّ فيه فجأة الحمى التي لم يطفئها رجل. ويتواطأ البندير الذي تسخنه النساء مسبقاً مع الجسد المحموم، فتزيد الضربات فجأة قوة وسرعة. وتنفك ضفائر النساء، وتتطاير خصلات شعرهن، وينطلقن في حلبات الرقص كمخلوقات بدائية تتلوى وجعاً ولذة في حفلة جذب وتهويل، يفقدن خلالها كل علاقة بما حولهن، وكأنهن خرجن فجأة من أجسادهن، من ذاكرتهن وأعمارهن، ولم يعد يمكن أحدا أن يعيدهن إلى هدوئهن السابق.
وكما في طقوس اللذة.. وطقوس العذاب، يدري الجميع أنه لا يجب وقف ضربات البندير، ولا قطع وقعها المتزايد، قبل أن تصل النساء إلى ذروة لا شعورهن ولذتهن، ويقعن على الأرض مغمى عليهن، تمسكهن نساء من خصورهن، وترشهن أخريات بالريحة والعطر الجاهز لهذه المناسبات.. حتى يعدن تدريجياً إلى وعيهن.
هكذا تمارس النساء الحب.. وَهْماً في قسنطينة!
قسنطينة التي أغرتني.. بليلة حب وهمية، وقبلت صفقتها السرية، مقابل شيء من النسيان.
فأين النسيان قسنطينة.. وفي كل منعطف يتربص بي جرح؟
هل الحنين وعكة صحية؟
مريض أنا بك قسنطينة.
كان موعدنا وصفة جرّبتها للشفاء، فقتلتني الوصفة.
تراني تجاوزت معك جرعة الشوق المسموح بها في هذه الحالات؟
لم أشتركِ في صيدلية جاهزة في طريق، لأرفع دعوى على بائع الأقدار الذي وضعك في طريقي.
لقد صنعتك أنا بنفسي، وقست كل تفاصيلك على
█║S│█│Y║▌║R│║█
الذين يشاهدون الموضوع الآن: 2 (0 من الأعضاء و 2 زائر)
مواقع النشر (المفضلة)