عشق ننثره في المكتبات.
الذيننحبهم, نهديهم مخطوطا لا كتابا, حريقا لا رمادا. نهديهم ما لا يساويهم عندنابأحد.

بلزاك في أواخر عمره , وهو عائد من روسيا, بعد زواجه من السيدةهانكسا, المرأة الأرستقراطية التي تراسل معها ثماني عشرة سنة ومات بعد زواجه منهابستة أشهر, كان يقول لها والخيول تجر كهولته في عربة تمضي به من ثلوج روسيا الىباريس:
"
في كل مدينة نتوقف فيها, سأشتري لك مصاغا أو ثوبا. وعندما سيتعذر عليذلك, سأقص عليك أحدوثة لن أنشرها".
ولأنه أنفق ماله للوصول اليها, ولأن طريقالرجعة كان طويلا, قد يكون قص عليها قصصا كثيرة.
حتما, أجمل روايات بلزاك هي تلكالتي لم يقرأها أحد, وابتكرها من أجل امرأة ما عادت موجودة هنالتحكيها.

ربما لهذا, أكتب هذا الكتاب من أجل الشخص الوحيد الذي لم يعدبامكانه اليوم أن يقرأه, ذلك الذي ما بقي منه الا ساعة أنا معصمها, وقصة أناقلمها.
ساعته التي لم أكن قد تنبهت لها يوما كانت له, والتي مذ أصبحت لي, كأنيلم أعد أرى سواها. فمنه تعلمت أن أشلاء الأشياء أكثر ايلاما من جثث أصحابها.
هوالذي أجاد الحب , وكان عليه أن يتعلم كيف يجيد موته. قال " لا أحب مضاجعة الموت فيسرير, فقد قصدت السرير دوما لمنازلة الحب, تمجيدا مني للحياة". لكنه مات على السريراياه. وترك لي كغيره شبهة حب, وأشياء لا أدري ماذا أفعل بها.

ساعته أماميعلى الطاولة التي أكتب عليها. وأنا منذ أيام منهمك في مقايضة عمري بها. أهديه عمراافتراضيا. وقتا اضافيا يكفي لكتاية كتاب. تائها في تقاطع أقدارنا, لا أملك الابوصلة صوته, لأفهم بأية مصادفة أوصلنا الحب معا الى تلك المرأة.
أستمع دون تعبالى حواراتنا المحفوظة الى الأبد في تلك الأشرطة, الى تهكمه الصامت بين الجمل, الىذلك البياض الذي كان بيننا, حتى عندما كنا نلوذ بالكلام. صوته! يا اله الكائنات, كيف أخذته وتركت صوته؟ حتى لكأن شيئا منه لم يمت. ضحكته تلك!
كيف ترد عنك أذىالقدر عندما تتزامن فاجعتان ؟ وهل تستطيع أن تقول انك شفيت من عشق تماما من دون أنتضحك, أو من دون أن تبكي!

ليس البكاء شأنا نسائيا.
لا بد للرجال أنيستعيدوا حقهم في البكاء, أو على الحزن إذن أن يستعيد حقه في التهكم.
وعليك أنتحسم خيارك: أتبكي بحرقة الرجولة, أم ككاتب كبير تكتب نصا بقدر كبير من الاستخفافوالسخرية! فالموت كما الحب أكثر عبثية من أن تأخذه مأخذ الجد.
لقد أصبح , لألفتهوحميميته, غريب الأطوار. وحدث لفرط تواتره, أن أفقدك في فترات ما التسلسل الزمنيلفجائعك, فأصبحت تستند الى روزنامته لتستدل على منعطفات عمرك, أو على حادث ما , معتمدا على التراتب الزمني لموت أصدقائك. وعليك الآن أن تردع نزعتك للحزن, كما لجمتمع العمر نزعتك الى الغضب,أن تكتسب عادة التهكم والضحك في زمن كنت تبكي فيه بسببامرأة, أو بسبب قضية, أو خيانة صديق.
مرة أخرى,الموت يحوم حولك إيغالا بالفتكبك, كلؤم لغم لا ينفجر فيك, وإنما دوما بجوارك. يخطئك, ليصيبك حيث لا ترى, حين لاتتوقع. يلعب معك لعبة نيرون, الذي كان يضحك, ويقول انه كان يمزح كلما انقض على أحدأصحابه ليطعنه بخنجره فأخطأه.
اضحك يا رجل, فالموت يمازحك ما دام يخطئك كل مرةليصيب غيرك!



الفصل الثاني


في مارس 1942 , سجن جان جنيهلسرقته نسخة نادرة لأحد دواوين بول فرلين, بعد أن تعذر عليه, وهو الفقير المشرد, شراءها.
وعندما سئل أثناء التحقيق:"أتعرف ثمن هذه النسخة التي سرقتها؟" أجابجنيه الذي لم يكن قد أصبح بعد أحد مشاهير الأدب الفرنسي المعاصر:"لا... بل أعرفقيمتها".
تذكرت هذه الحادثة, عندما بلغني أنني حصلت على جائزة العام, لأحسن صورةصحفية في مسابقة"فيزا الصورة" في فرنسا. ربما لأنني عندما سرقت تلك الصورة من فكالموت, لم أكن أعرف كم سيكون سعرها في سوق المآسي المصورة. ولكنني حتما كنت أعرفقيمتها, وأعرف كم يمكن لصورة أن تكون مكلفة, وقد كلفتني قبل عشر سنوات, عطبا فيذراعي اليسرى.

في صور الحروب التي أصبحت حرب صور, ثمة من يثرى بصورة, وثمةمن يدفع ثمنا لها.
وحدها صورة الحاكم الذي لا يمل من صورته, تمنحك راحة البال, إن كان لك شرف مطاردته يوميا في تنقلاته لالتقاطها. لكنك متورط في المأساة, وفيتاريخ كان ينادى فيه للمصور كما في اليمن السعيد في الخمسينات, ليلتقط لحظات إعدامالثوار وتخليد مشهد رؤوسهم المتطايرة بضربات السيوف في الساحات. أيامها, كان قطعالرؤوس أهم إنجاز, وعلى المصور الأول والأوحد في البلاد أن يبدأ بهمهنته.

ذات يوم, تنزل عليك صاعقة الصورة, تصبح مصورا في زمن الموتالعبثي.
كل مصور حرب, مشروع قتيل يبحث عن صورته وسط الدمار. ثمة مخاطرة في أنتكون مصورا للموت البشع. كأنه دمارك الداخلي. ولن يرمم خرابك عندذاك, حتى فرحةحصولك على جائزة.
المشاهير من مصوري الحروب الذين سبقوك إلى هذا المجد الدامي, يؤكدون:" أنت لن تخرج سالما ولا معافى من هذه المهنة". لكنك تقع على اكتشاف آخر: لايمكنك أن تكون محايدا , وأنت تتعامل مع الرؤوس المقطوعة, واقفا وسط برك الدم لتضبطعدستك.
أنت متورط في تغذية عالم نهم للجثث, مولع بالضحايا, وكل أنواع الموتالغريب في بشاعته.
دكتاتورية الفرجة تفرض عليك مزيدا من الجثث المشوهة.
إنهميريدون صورا بدم ساخن, مما يجعلك دائم الخوف على صورك أن تبرد, أن يتخثر دمها ويجمدقبل أن ترسلها , هناك حيث من حنفية المآسي, تتدفق صور الإفناء البشري علىالوكالات.
أثناء ذلك, بإمكان الموتى أن يذهبوا إلى المقابر, أو أن ينتظروا فيالبرادات. لقد توقف بهم الموت, وجمدت صورتهم إلى الأبد على عدستك. ولن تدري أخلدتهمبذلك, أم أ،ك تعيد قتلهم ثانية.
لا يخفف من ذنبك إلا أنك خلف الكاميرا, لا تصورسوى احتمال موتك.
لكن هذا لا يرد الشكوك عنك. الجميع يشتبه في أمرك: " لصالح منأنت تعمل؟". أأنت هنا , لتمجيد إنجازات القتلة ومنحهم زهوا إعلاميا, أم بنقلك بشاعةجرائمهم تمنح الآخرين صك البراءة, وحق البقاء في الحكم؟ إلى أي حزب من أحزاب القتلىتنتمي؟ ولصالح من من القتلة ترسل صورك.. إلى الأعداء‍ !
وستقضي وقتك في الاعتذارعن ذنوب لم تقترفها, عن جائزة لم تسع إليها, عن بيت محترم تعيش فيه, ولا بيت لغيركمن الصحافيين, عن صديقك الذي قتل, والآخر الذي ذات 13 حزيران قتل امرأته وانتحر.. بعد أن عجز عن أن يكون من سماسرة الصورة.

كنت دائم الاعتقاد أن الصورة, كماالحب, تعثر عليها حيث لا تتوقعها. إنها ككل الأشياء