ألقوا إليه على مسافة قرنين بتهمتها.
جميعها دفعتها في اتجاهالمصب.
أنا أثق في براءة الأنهار, ولا أشك سوى في النوايا الطيبة للجسور. شكي فيالشعارات الكبيرة للثورات. فعندما أعطت الثورة الفرنسية اسم أحد خطبائها لجسر, كانفي الأمر خدعة ما.
ميرابو الذي وقف في البرلمان الفرنسي ليقول جملته الشهيرة " نحن هنا بإرادة الشعب ولن نغادر إلا على أسنة الرماح". أكان يدري أنه بعد قرنينسيكون شاهداً على حرب ضد إرادة شعب آخر؟
أغلقت النافذة, غير دار أين أمضي بقاطرةعمري المزدحمة بأحزان الآخرين. حيث أحل تطل شرفتي على فاجعة. وإذ بي حتى هنا فيباريس, كمن لفرط جوعه لا يعرف الجلوس إلى مائدة الحياة العامرة. أصنع تعاستي منذاكرة الفقدان حيناً,. وحيناً من ذاكرة الحرمان.
أخذت حماماً, ونزلت أكتشف الحيالذي أقام فيه خالد لسنوات. ذلك أنني مذ دخلت بيته استعاد زيان اسمه الأول, كأبطالبول إستر الذين يلتقطون دائماً شيئاً من الطرقات, كنت أتسقط أخباره, أتعقب آثاره. أجمع غباره في الشوارع, متقصياً, سائلاً كل مكان قد يكون عنى له شيئاً, مستعيناًبتلك الرواية, كما لو كانت دليلاً سياحياً لمعالم سبقني إلى زيارتها.
كنت أختبرالافتتان ببطل رواية, وأسطو على سحره متماهياً معه حيث أمر.
أكنت أتعقب آثاررجل.. أم أتشمم رائحة حب؟

كانت المسافات تبدو واهية بيني وبينه. أحياناً كنتأعيش المواقف, كما لو كنت هو. مقتفياً أثره في الأسرة والشوارع والمعارض والمقاهي. كنت أضاجع نساءه في سرير كان سريره. أعطي مواعيد في المقهى الذي كان يرتاده. أتأملجسر ميرابو من شرفة بيته, أحتسي قهوة أعددتها في مطبخه, أجالس أنثاه الرخاميةالمفضلة, وفي المساء أخلد إلى النوم على سرير ترك عليه بعض رائحته.. وكثيراً منأرقي. أفكر طويلاً في تلك المرأة نفسها التي منعته منذ سنوات من النوم. أليس الأمرغريباً حقاً؟
لأسباب أجهلها, ما زلت على لهفة الانتظار ويأس اللقاء.
تلكالمرأة التي بذريعة تعقب غيرها ما كنت أقتفي أثر سواها, سأضع اليوم يدي على مكمنسرها. فقد أهدتني مصادفات الحياة الموجعة موعداً مع رجل ينام في سرير بمستشفى(Ville juive ) ادعت أنه لا يوجد سوى في كتابها.
ذلك أن أبطال الروايات غالباً مايمرضون.. بسبب مؤلفيهم!

كنت أعي أن موعدي مع زيان, أياً كان نوعية العلاقةالتي ستتم بعده, والنتائج التي ستنجم عنه, هو حدث في حياتي. وعلي أن أستعد له بذلكالقدر من الحيطة العاطفية, حتى لا أفسده بعد أن أخذ مني الأمر شهراً في مطاردةفرانسواز لإقناعها بضرورة أن أتعرف عليه.. ولو على سرير المرض.



الفصل الخامس


اشتريت باقة وردوقصدته.
تحاشيت اللون الأبيض. إنه لا يليق برسام كرس حياته لإلغاء هذا اللون. تفاديت أيضاً أناقة تجعلني أبدو أقل لياقة في حضرة مرضه, وتوقظ غيرة عاشق أدركهالحب في سن الشك.
ولم أنس أن أحضر له معي بعض مقالاتي. حتى يصدق ذريعتي لزيارته, خاصة أن توقيعها يحمل اسم خالد بن طوبال.
بدون أن تكون غرفته تحمل الرقم 8 , كانفيها شيء يذكرك بآخر ديوان لأمل دنقل, فكل غرف المرضى رقم في مملكة البياض.
"
كان نقاب الأطباء أبيض/ لون المعاطف أبيض/ تاج الحكيمات أبيض/ أردية الراهبات/ الملاءات/ لون الأسرة/ أربطة الشاش والقطن/ قرص المنوم/ أنبوبة المصل/ كوباللبن".

كان في ضيافة البياض. لكن بابتسامة سمراء وطلة مضيئة كألوان قزح بعدظهيرة توقف فيها المطر.
نهض يسلم علي بحفاوة, واضعاً شيئاً من الألوانبيننا.
-
أهلاً خالد... تفضل.
لم أعرف بأي اسم ولا بأية صيغة أناديه كي أردسلامه. فاكتفيت باحتضانه مردداً:
-
أهلاً.. حمد الله ع سلامتك.
متسائلاً ماذاتكون فرانسواز قالت له ليستقبلني بهذه الحرارة.
جلس قبالتي. ها هو إذن.
كانيرتدي هم العمر بأناقة.
كان وسيماً, تلك الوسامة القسنطينية المهربة منذ قرون فيجينات الأندلسيين, بحاجبين سميكين بعض الشيء, وشعر على رماديته ما زال يطغى عليهالسواد, وابتسامة أدركت بعدها أن نصفها تهكم صامت, ترك آثاره على غمازة كأخدودنحتها الزمن على الجانب الأيمن من فمه.
وكانت له عينان طاعنتان في الإغراء, ونظرة منهكة, لرجل أحبته النساء, لفرط ازدرائه للحياة.
كم عمره؟ لا يهم. مسرع بهالخريف, وينتظره صقيع الشتاء. إنه منتصف اليأس الجميل. منتصف الموت الأول, وهو لهذايبتسم. يبدو في أوج جاذبيته, جاذبية من يعرف الكثير لأنه خسر الكثير. وهذا سأفهمهلاحقاً.

على الكرسي المقابل لسريره العالي صغرت, وتعلمت الجلوس خلف المنضدةالمنخفضة للسؤال.
كيف تطرق ذاكرة ذلك الرجل طرقاً خفيفاً؟ كيف تأخذ منه أجوبة عنأسئلة لن تطرحها, ولكنك جئت بذريعتها؟
كيف تفتح نافذة الكلام في غرفة مريض, بدونأن تبدو غبياً, أو أنانياً, أو انتهازياً تسابق الموت على سرقة أسراره.
قلت كمنيعتذر:
-
تمنيت هذا الموعد كثيراً. آسف أن يتم لقاؤنا في المستشفى. إن شاء اللهصحتك في تحسن.
رد مازحاً:
-
لا تهتم..بي صبر مستعصٍ على الشفاء.
قلت:
-
بدءاً.. أنا أحب أعمالك الفنية ولي تواطؤ مع كثير من لوحاتك, ثم عندما فوجئت بوجودكفي باريس طلبت من فرانسواز أن تجمعني بك. فأنا بمناسبة مرور ذكرى ثورة نوفمبر أعدمجموعة حوارات مطولة مع شخصيات جزائرية ساهمت في حرب التحرير.. لي إحساس أنني سأنجزمعك حواراً جميلاً.
قال مبتسماً:
-
أعتقد ذلك أيضاً. فنحن حسب ما بلغني , لناالاهتمامات ذاتها, ونشترك في حب الكثير من الأشياء.
لم أكن أعرف عنه لحظتها مايكفي لأدرك أنه اكتسب منذ زمن حدس الحقيقة, وتدرب على فن التغابي الذكي, وأن " الأشياء" هنا, ربما كان يعني بها .. النساء.
قلت وأنا أستأذنه فتح المسجل كيأعطي رسمية للقاء:
-
تعنيني ذاكرتك كثيراً.. فأنت خضت حرب التحرير وعايشت معاركوبطولات تلك الفترة..