








جنازته في الجزائر, فكرت في قول مالرو " لايحدث للإنسان ما يستحقه, بل ما يشبهه".
موت ياسين كحياته, موت موجع ومشاغبومسرحي ومعارض ومحرض وساخر.
تصور.. يوم مات ياسين في مدينة ( غرونوبل) في 29أكتوبر 1989 حدث زلزال في الجزائر. ولكن نشرة الأخبار ذلك المساء كانت تتضمن فتوىبثتها الإذاعة الوطنية, أصدرها المفتي محمد الغزالي رئيس المجلس الإسلامي لجامعةقسنطينة, ومستشار الرئيس بن جديد آنذاك, يعلن فيها أن مثل هذا الرجل ليس أهلاً لأنيواريه تراب الجزائر, ويحرم بحكمها دفنه في مقبرة إسلامية. ولكن ياسين ظل حتى بعدموته يستخف بالفتاوى وبكل أنواع السلطات. حملت نعشه النساء كما الرجال. لأول مرة, رجل تحمل نعشه فرقة مسرحية بكاملها.
كانت نكتته الأخيرة أن تعطلت سيارة الـ " البيجو" 504 التي كانت تنقل جثمانه, لكثرة الممثلين الذين كانت تحملهم, مما جعلالمشيعين يترجلون ويذهبون به إلى المقبرة على الأقدام وسط زمامير السياراتوالزغاريد ونشيد الأممية الذي كانوا ينشدونه باللغة البربرية.
لم يستطع الإمامولا الرسميون شيئاً لإسكات كاتب ياسين حياً ولا ميتاً. ولم يستطيعوا منع القدر أنيجعله يدفن في أول نوفمبر تاريخ اندلاع الثورة الجزائرية. كان أول من أدخل الفوضىوالديمقراطية والزغاريد إلى المقابر كما أدخلها قبل ذلك إلى المعتقلاتوالسجون!
قلت متعجباً:
- إنه لموت طريف حقاً.. لم أسمع بهذه التفاصيل منقبل.
قال ساخراً:
- ليس هذا الطريف في حد ذاته, إنما تشكيلة الموت في غرابةأقداره كما عرفه جيلنا. تصور يا رجل: لي صديقان كلاهما من رجال التاريخ وكبارمجاهدي الثورة, أحدهما مات قهراً والآخر مات ضحكاً. هل تصدق هذا؟ أنت سمعت حتماًبعبد الحفيظ بوالصوف؟
- طبعاً.. كان مدير الاستخبارات العسكرية أثناءالثورة.
- أتدري كيف مات هذا الرجل الصلب المراس الذي اشتهر بغموضه وأوامره التيلا رحمة فيها في التصفيات الجسدية للأعداء كما للرفاق؟ توفي سنة 1980 إثر أزمةقلبية فاجأته وهو يضحك ضحكاً شديداً على نكتة سمعها من صديق عبر الهاتف!
كان قدانسحب من الحياة السياسية نهائياً بعد الاستقلال, رافضاً أي منصب قيادي وأصبحبإمكانه أن يموت ضاحكاً!
أليست نهايته أفضل من نهاية سليمان عميرات, رفيق سلاحهالذي مات بعد ذلك حزناً بسكتة قلبية أثناء معركة الفاتحة على جثمان محمد بوضياف, رفيق سلاحهما الآخر الذي سقط مغتالاً؟
لم ينج من هذه اللعنة حتى من مات منجيلنا شهيداً ميتة الأبطال. أورث نحس جيله إلى ذريته, كالشهيد البطل مصطفى بنبولعيد الذي اغتيل ابنه عبد الوهاب وهو في الخمسين من عمره في 22 آذار 1995 , نهاراغتيل أبوه على أيدي الفرنسيين قبل تسعة وثلاثين سنة, بعد أن نصب له الإرهابيونحاجزاً وهو في طريقه إلى بلدته " باتنة" ليشارك ككل سنة في التأبين الذي يقام فيذكرى استشهاد أبيه.
ربما كانت في هذه الميتة بالذات كل فاجعة جيلنا. رجل مثلمصطفى بن بولعيد , أحد رموز مقاومتنا, تهديه الجزائر جثمان ابنه في يوم استشهاده.. أي وطن هذا؟
توقف في تلك اللحظة شريط التسجيل. انتبه إلى أنني كنت فتحتالمسجل, قال وأنا أقلب الشريط:
- خليك م التسجيل يا راجل.. التاريخ " الحلّوف" راه يسجل!
قلت مازحاً في محاولة للتخفيف من مرارته:
- التاريخ يسجل لكن أناأنشر. أريد نشر هذه المقابلة كشهادة عن تلك المرحلة.
رد بتهكم مر:
- أيةمرحلة؟ تلك المرحلة لم تنته يا رجل. الجزائري يعيش جدلية تدمير الذات, هو مبرمجلإبادة نفسه والتنكيل بها عندما لا يجد عدواً لينوب عنه في ذلك. تظن أن الإرهابيينكان لهم الفضل في بدعة قتل الكتاب والقضاة والأطباء والسينمائيين والشعراءوالمحامين والمسرحيين.. الجزائر لها تقاليد في قتل مثقفيها.. وأنا كنت في صفوفالمجاهدين عندما في خدعة هدفها إلحاق ضرر نفسي بالمقاومة, أوحت فرنسا للعقيد عميروشبأن بين رجاله من يعملون مخبرين لصالح الجيش الفرنسي. فقام في يوليو 1956, وبعدمحاكمة سريعة, بقتل ألف وثمانمائة من رجاله, في حادثة تاريخية شهيرة باسم " La bleuite". فوراً وجهت أصابع الاتهام إلى المثقفين, أي إلى المتعلمين الذين تركوادراساتهم ليلتحقوا بالجبهة, والذين بسبب علمهم وثقافتهم الفرنسية لم تكن جبهةالتحرير تثق في ولائهم. أما القتلة الذين انقضوا عليهم فكانوا رفاقهم من المجاهدينالقرويين والأميين في معظمهم, والذين منذ البدء لم يغفروا لهم تميزهم عنهمبالمعرفة. واليوم أيضاً لم يتغير شيء. كل جاهل يثأر لجهله بقتل مثقف بعد المزايدةعليه في الإيمان والتشكيك في ولائه للوطن. وها نحن في ما بقي لنا من ضحايا الإرهابضد المثقفين.
توقف ليسألني فجأة:
- هل اشتريت تلك اللوحة؟
وقبل أن أجيب, فتح الجارور يبحث عن شيء. أخرج ولاعة, أشعل السيجارة التي كان ممسكاً بها طوالالوقت.
وبدون أن أقول له شيئاً أجاب متهكماً من تعجبي لتدخينه في المستشفى:
- لا تهتم.. أنا أنتمي إلى جيل من الرجال المجبولين بالعصيان.
ثم أعاد سؤاله بصيغةأخرى:
- ماذا ستفعل بتلك اللوحة؟
- سآخذها معي إلى قسنطينة عندما أعود بعدأسبوعين أو ثلاثة.
ثم أردفت خشية أن يكون قد غير رأيه:
- ستبقى بتصرفك. بإمكانك أن تراها عندما تزور قسنطينة.
- لم أعد أتردد على قسنطينة. لم يبق ليفيها أحد ولا شيء. آخر مرة زرتها منذ سنة ونصف لأحضر جنازة ابن أخي حسان.شعرت أنهامدينة لم تعد تصلح إلا صورة على بطاقة بريدية أو جسراً على لوحة. بدت لي جسورهاهرمة تعبة, كأنها شاخت وتساقطت عنها حجارتها, كأفواه تعرت عن أسنانها, كسحنة منيعبرونها بملامح تعرت من تعابيرها, مسرعين حيناً.. متثاقلي الخطى أحياناً أخرى, تائهين حائرين, كمن ينتظر فاجعة.
- ربما لأنك زرتها في ظرف حزين.
- ما كان لييوماً معها موعد سعيد. دوماً غادرتها مفجوعاً. رافضاً عقد ميثاق مع الوحل الذي أتىعلى كل شيء. لا أريد أن أكون هناك عندما تخلع قسنطينة حجارتها.. وتنزلق نحو وهدالهاوية.
صدقني منذ اغتيال بوضياف أصبحت أكره حتى السفر إلى الجزائر, فبموته ماتشيء فينا. عندما جاؤوا به متضرعين كي ينقذ الجزائر ويكون رئيسها, ما ظنوا أن ذلكالرجل الذي جبلته السجون والمنافي وخيانات الرفاق, على هزاله, ما كان يصلح لإبرامصفقة فوق الجثث فحولوه إلى جثة كي نتعلم من جثته.
ألا ترى كل ذلك الحجر المتساقطعلينا بعده؟ بإمكاننا الآن أن نواصل التراشق بذلك الكم من الأسئلة. ما عاد السؤال " من قتل بوضياف؟" صار :" صوب أي مصب ذاهب بنا الوحل؟ صوب أي وحل ذاهب بناالتاريخ؟"
ساد بيننا صمت الفاجعة.
ثم , لا أدري كيف حدثت الأشياء. اتجهتنحو السرير كمن يحتضن صخرة خشية أن يجرفه السيل, ضممته.. وفاجأني البكاء.
حتماً, كانت دموع مؤجلة تجمعت داخلي كغيمة مثقلة تبحث عن جو مناسبلتهطل.
█║S│█│Y║▌║R│║█
الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)
مواقع النشر (المفضلة)