








طرقت الباب بفرحةالمباغتة, ثم فتحته كعادتي متقدماً خطوة نحو الأمام, لكنني فوجئت بعجوز مشدودة إلىأنبوب الدواء تشغل مكانه في ذاك السرير. هزيلة, شاحبة اللون, لها نظرات فارغة, حلَّمكانها حين رأتني تعبير يستجد بي, مطالبة بشيء ما لم تفصح عنه ولا أناأدركته.
بقيت برهة مذهولاً أنظر إليها, قبل أن أعتذر وأغادر الغرفةمسرعاً.
قصدت مكتب الممرضات في الطابق, أسأل عن مريض الغرفة رقم 11. كنتأثناء ذلك أهدّئ من روعي, فقد يكونون قد اصطحبوه لإجراء فحوصات أو للتصوير الشعاعي, أو ربما غيروا غرفته ليس أكثر, ذلك أنني تذكرت أنه قال لي مرة منذ أكثر من أسبوعين " قد لا تجدني في هذه الغرفة, قد أنقل إلى جناح آخر", قبل أن يعلّق مازحاً " أناهنا عابر سرير".
توقعت أن تدلني الممرضة على الرقم الجديد لغرفته, لكنها سألتنيإن كنت من أقاربه. أجبت " نعم". قالت:
- لقد اتصلنا بالرقم الهاتفي الذي فيحوزتنا لنخبركم بتدهور مفاجئ لصحته ليلة البارحة, وتركنا رسالة صوتية نطلب حضورأقاربه, ولم يتصل بنا أحد وعاودنا الاتصال على الرقم نفسه هذا الصباح دونجدوى.
بين الذعر والعجلة سألتها:
- متى كان هذا؟
- عند العاشرة والنصفصباحاً.
كان ذلك الوقت الذي خرجت فيه لأشتري حاجيات للأكل قبل أن تغلق المحلاتالغذائية ظهر الأحد.
عادت إلى دفتر كبير كان أمامها:
- الاتصال الأول كانالبارحة عند التاسعة والربع مساءً.
استعجلتها:
- وهل بإمكاني أن أراهالآن؟
ردت بنبرة من تدرب أعواماً على مواساة الغرباء:
بدا لي كأنها لفظتالخبر بالعربية. قام القلب بترجمته الفورية إلى لغة الفاجعة, واختصر كل الجملة وماتلاها بعد ذلك من واجب المواساة في كلمة واحدة, نزلت علي كصاعقة من ثلاثةأحرف.-Je suis desolee monsieur..Il est decede.
لم أفهم كيف أن ثلاثة أحرف مجتمعة في ذلم السياق تصبح برغم انسيابهاالموسيقي مؤلمة إلى ذلك الحد. حتى لكأن التاء المفتوحة في آخرها ليست سوىتابوت.
كان احتمال موته قائماً, لكنني لم أتوقعه أن يأتي سريعاً, ولا بهذاالتوقيت. هذه المصادفات مجتمعة باتت أكثر تعسفية من أن تكون مصادفات. لها إصرارالقدر في عبثيته.
قالت بتأثر:
- أمر مؤلم أن يموت قبل مغادرته المستشفىبيومين. كان يبدو سعيداً بخروجه. أنا نفسي فؤجئت عندما قيل لي هذا الصباح إنه قضىليلة أمس في قسم العناية الفائقة.
سألتني بعد ذلك وهي تراني أقف لحظات مذهولاًأمامها بدون أن أقول شيئاً, إن كنت أريد أن أراه. أجبتها "لا". أمدتني بورقةلأوقعها إن كنت أنوي استلام أشيائه. لمحت في الخزانة التي فتحتها, علبة الشوكولاطةالفاخرة فوق كومة ثيابه. أجبتها إنني أفضل أن أترك ذلك فيما بعد.
تركتهاوغادرت المستشفى مذهولاً, مشلول الأحاسيس, كأن دموعي تجمدت في براد يحوي الآن ماكان "هو".
أخذت الميترو محملاً بالكيس ذاك. بكل ما أحضرته له,وما عاد في حاجةإليه. حاولت أن أتخلص منه بعد ذلك, بالتصدق به, في إحدى المحطات على أحد مشرديالميترو, فارتاب في أمره, ولم يبد حماسة في أخذه مني. كان يفضل مكانه, قطعة نقديةمن عشرة فرنكات, يشتري بها نبيذاً, فوجدتني أعطيه الكيس وعشرة فونكات لأقنعه بحسننواياي.
هو سيد التهكم والصمت الملتبس, ما ترك لي فرصة لكذبة أخيرة, كنتأعددتها لأبرر انشغالي عنه.
ربما كان يحتاج إلى تلك الكلمات التي احتفظت بهاخوفاً عليه. كان يحتاج إلى الحقيقة, فأعفاني بموته من مزيد من الكذب.
قررالعبور إلى سريره الأخير بينما كنت أنا أشغل سريره الأول.
أهداني بيته, نساءه, وأشياءه, وما ترك لي فرصة لأهديه ولو بعض قطع من الزلابية, وأحقق أمنيته الأخيرةالبسيطة, بساطة من شبع غربة..وما بقي له سوى جوع الوطن.
أستعيده متهكماً, تهكمذلك الغياب الشارد الذي يسبق اكتمال الغياب. كم من الأشياء كنت سأقولها له اليوم, لو لم أكن منهك القول, مذ أصبح بيننا كل هذا البياض. منذ متى وهو ذاهب صوب الصمتالأبيض؟
عندما وصلت إلى البيت, شعرت وأنا أدخله بهول الفاجعة. بصدمة الواقع الذييدفعك تحت عجلات قطار ركبته بنية الحلم.
ارتميت على أريكة الصالون منهكاً كحصانسباق.
كان عليَّ بدءاً أن أتوقف عن الركض قليلاً. أن أجلس لأفهم ما الذي أوصلنيإلى هذا البيت, أنا الذي كنت ألهو بممازحة الأدب, أكنت أمازح القدر دونعلمي؟
أدخلني الموقف لغرابته في حالة ذهول من أمري. رحت أتأمل مشهداً كأنني لستبطله.. كأنني شاهدته في زمن ما.
يوم قرأت سيرة ذلك الرسام, وجدتني أتماهى معه فيأمكنة كثيرة من تلك القصة. تمنيت أن أكرر حياته بما تستحق الإعادة من ذكاء. ولكن منيتذاكى مع "المكتوب"؟ المكتوب الذي بدأ بالنسبة لي بذلك الكتاب الذي لا يمكن أنتخرج من قراءته سالماً.
أمنه جاءت اللعنة؟ أم من "حياة"؟ تلك المرأة التي كانتتحمل اسماً يعني عكسه كعادة العرب في تسمية ما يرون فيه شراً بنقيضه؟
أم ترىاللعنة تكمن في الجسور التي ما زال إحداها معلّقاً قبالة هذه الأريكة؟
هناأمامها عاش زيان حقيقة موت زياد الذي لم يكن يفصله عن التطابق به سوى حرف.
وفيحضرة هذه الجسور أجهش راقصاً على إيقاع زوربا بذراعه الوحيدة يوم أخبروه باغتيالأخيه الوحيد.
أمصادفة إذا كانت الجسور مبنية من الإسمنت, المادة التي تضمر فيقتامتها غضباً مكتوماً وشراً صامتاً, كمن يدبر لك مكيدة؟ طالما شككت بنوايا الجسور, مذ اكتشفت في كل هارب شبهة جسر, لا أحد يدري لأي الطرفين ينتمي.
لكن زيان لم يكنهارباً. كان مهرباً لما ظنه وطناً.
يالغباء الرجل, بين ما يعتقده جسراً, ومايعتقد الجسر أنه وطن ثمة جثتك. فالجسر لا يقاس بمدى المسافة التي تفصل طرفيه, بلبعمق المسافة التي تفصلك عن هاويته.
عندما تولد فوق صخرة, محكوم عليك أن تكونسيزيف, ذلك أنك منذور للخسارات الشاهقة, لفرط ارتفاع أحلامك.
نحن من تسلَّق جبالالوهم, وحمل أحلامه.. شعاراته.. مشاريعه.. كتاباته.. لوحاته, وصعد بها لاهثاً حتىالقمة. كيف تدحرجنا بحمولتنا جيلاً بعد آخر نحو منحدرات الهزائم؟
من يرفع كلالذي وقع منا في السفح؟
عندما دخلت فرنسا بعد سبع سنوات من الوقوف ذليلةٍأمام تلك القلعة المحصنة كعش نسر في الأعالي, راح خيالة قسنطينة وفرسانها الذين لميعتادوا على مذلة الأسر. يقفزون بخيولهم من على الجسور عائدين إلى رحم الوديان. كانآنذاك الموت قفزاً نحو منحدراتها الشديدة, آخر نصر لرجال لا مفخرة لهم سوى أنهمأبناء الصخرة.
بهم انتهى زمن الموت الجميل, وأصبح وادي الرمال مجرى لنفاياتالتاريخ, تطفو فيه مع قمامة المدينة وأخبار لصوصها المحترمين, جثث أبنائها الجميلينوالبائسين.
لا شيء يستطيع أن يمنعك من تسلق " جسور الموت" حتى ذلك الحزام الأمنيالذي, بعد أن كثرت حالات الانتحار, أحاطوا به خصر الجسور لتصبح أعلى. قد يمنعك أنتطل على الموت, ولكن لا يمنع الموت أن يطل عليك, حيث أنت في حضيضخيباتك.
فجأة, مثل حياة, بدأت أتطير من هذه اللوحات. ووجدت في جلوسي أمامها, استفزازاً صامتاً لقدر لا قوة لي على مواجهته.
سعدت أنني سأغادر هذا البيتقريباً, وأنها ستبقى هنا. ثم تذكَّرت اللوحة التي اشتريتها وما زالت معروضة حتىانتهاء المعرض. فكرت أن أكلِّف فرانسواز بإحضارها. ثم فكرت في غرابة سفري مع جثمانزيان برفقة تلك اللوحة.
أوصلني التفكير إلى حقيبتي التي لا بد أن أعدها, وأشياءزيان التي علي أن أقوم بفرزها بسرعة, لأنني لا أدري متى سيكون سفري إلى قسنطينة حسبتاريخ الرحلات.
ووجدتني أستعيد ما كنت عشته منذ سنتين بعد اغتيال عبد الحق, عندما كان عليَّ أن أجمع أشيائي في بيته الذي كنت أقيم فيه بين الحين والآخر في تلكالفترة التي كان فيها الصحافيون يغيرون عناوينهم يومياً, والتي كان عبد الحق بدورهلا يعرف عنواناً ثابتاً مذ استشعر خطر اغتياله.
ربما كان الأمر أهون يومها, لأنني لم أكن معنياً سوى بجمع أشيائي, بينما تركت لزوجته عذاب التكفل بأشيائه. غيرأن وجعي كان بسبب كل ما كانت حياة قد أحضرته.حتى إنّ زيارة بعد أخرى, أصبح البيتينقسم إلى أشياء عبد الحق البسيطة, وتلك الأشياء الأخرى الفاخرة, التي كانت تهربهامن بيتها, وتأتي بها, مشفقة على بؤس شقة, لا علاقة لها بفخامة مسكنها, غير مدركةأنها تؤثث شقة صديقي!
في البدء كنت سأشرح لها الحقيقة, ولكن كنت أحببت سوء الفهمالعشقي الذي تورطنا فيه, وإغراء تلك العلاقة الملتبسة التي تجمعنا.
وكان بإمكانعبد الحق, كلما مر, أن يعرف وتيرة زياراتها من مستجدات البيت, من مناشف جميلة, وشراشف أنيقة, ومنافض من الكريستال, ولوازم مطبخ, وروب للحمام.
بدأت أتعود أنأراها تأتي من بيتها محملة دائماً بكل ما تقع عليه يداها, حتى الأجبان المستوردة.. وألواح الشوكولاطة.. وعلب السجائر. بل حدث لفرط إجرامها العاطفي المغلف
█║S│█│Y║▌║R│║█
الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)
مواقع النشر (المفضلة)