المقال كانمرعباً في معلوماته, مؤكداً أن ظاهرة انزلاق الأرض التي تتعرض لها المدينة تتزايد, متقدمة بعدّة سنتيمترات سنوياً, وأن أكثر من مائة ألف نسمة على الأقل يعيشون داخلالخطر في المساكن التي, لفقر أصحابها الوافدين من كل صوب, بنيت كيفما اتفق علىالمنحدرات الصخرية, مما زاد من الأخطار التي تهدد جسر سيدي راشد الذي لم يشفع لهوقوفه على 27 قوساً حجرياً.
مصير جسر القنطرة ليس أفضل, هو الذي مذ بناه الرومانيلهو بالمخاطر. وبرغم اعتباره من أعجب البناءات, ظلَّ معطلاً خمسة قرون حتى جاءصالح باي فجلب له مائة عامل من أوربا لبنائه تحت إشراف مهندس إسباني, قبل أن يهدمهالفرنسيون ويعيدون في القرن التاسع عشر بناء الجسر القائم حالياً.

ما غزاقسنطينة غازٍ, أو حكمها حاكم إلا وبنى مجده بإعادة بناء جسورها غير معترف بمن بنوهاقبله! مما جعل آمال القسنطينيين معلَّقة كجسورهم, إلى ما سيقرره الخبراء الأمريكيونوالكنديون واليابانيون الذين تقول الجريدة إنهم سيتشاورون حول أحسن طريقة لإنقاذمدينة تعيش منذ 2500 سنة محصَّنة كعشّ النسر في الأعالي.. معجزة أبدعها الحجروأفسدها البشر.
لم أحكِ شيئاً من كلّ هذا لفرانسواز. كان يكفي ما ينتظرها منكوابيس النهار.
تقاسمنا روزنامة التفاصيل المزعجة للموت, ذهبت فرانسواز لتتابعالإجراءات الإدارية, بما في ذلك المرور على المستشفى واستلام أشياء زيان, بينماذهبت أنا لأنهي بعض ما تأخر من مشاغلي, ومراجعة الخطوط الجزائرية.

عصراًفاجأني هاتف منها. قالت بسعادة:
-
حسناً أن أكون وجدتك. بيعت اللوحة. نجحت في أنأؤمّن لك المبلغ نقداً, لأنه ماكان بإمكانك أن تمرّ لاستلام المبلغ, فليس أمامك وقتعلى الإطلاق. لن تجدني.. كارول ستتولى الأمر.
لم أدرِ إن كانت تزفّ لي مكسباً أوخسارة. بقيت صامتاً.
قالت:
-
لا تقل لي إنك نادم! نحن محظوظون. كان يمكنألاَّ ننجح في بيعها قبل عدة أيام.
كان كلّ شيء حسم. لم أشأ أن أدخل في جدلالاحتمالات.
قلت مختصراً الحديث:
-
حسناً.. أنا آتٍ.
انتابني بعد ذلكأحاسيس متناقضة وأنا في طريقي إلى الرواق. أدركت أنني سأرى تلك اللوحة لآخر مرة, بدون أن أنسى أنني,في ذلك المكان, رأيت حياة لأول مرة بعد عامين من القطيعة.
كيفلمكان أن يجمع في ظرف أيام, الذكرى الأجمل ثم الأخرى الأكثر ألماً؟
مرّة لظنكأنك استعدت فيه حبيباً, ومرة لإدراكك في ما بعد أنك فقدت فيه وطناً.

لفرطإمعاني في إغفال الحبّ, كان يأتيني متنكراً في النسيان, حين لا أتوقعه. كيف تستطيعقتل الحب مرة واحدة, دفعة واحدة, وهو ليس بينك وبين شخص واحد. إنه بينك وبين كل ماله علاقة به.
عند باب الرواق قابلني ملصق المعرض وعليه صورة إحدى لوحات زيانالتي تمثل باباً عتيقاً نصف مفتوح, وقد وضع على أعلى زاويته اليسرى وشاح حداد يعلنموتالرسام. وقفت أتأمله لحظات كأني أريد أن أتأكد من صدق الحدث.

استقبلتنيكارول بمودة. كانت متأثرة لموت زيان الذي عرفته منذ مجيئه إلى فرنسا. دعتني إلىمكتبها, معبّرةً عن ألمها لأنه لن يكون هنا عند انتهاء المعرض كعادته. أمدتنيبالمبلغ الذي دفعته يوم اشتريت اللوحة, وقالت:
-
آسفة, لم تستمتع حتى بامتلاكهالفترة.
قلت:
-
قد يكون هذا أفضل. ربما كنت تعوَّدت عليها, أو تعوَّدت هيعليَّ. غيّرت هذه اللوحة صاحبها دون أن تغيِّر مكانها, انتقلت من ملكية إلى أخرى, من دون حتّى أن تنتبه لذلك!
لم أحاول أن أعرف من اشتراها. تركتها شاكراً, وأناأفكر في أنني أستعيد بذلك المبلغ, لا ثمن اللوحة, بل ثمن تلك الجائزة التي كأننيحصلت عليها لأموِّل بأفضل صورة للموت فاجعة موت آخر. لقد ازدهر الموت عندنا وأثرىحتّى صار بإمكانه أن يموِّل نفسه!

لم يفاجئني وأنا أقوم بجولة في المعرض ألاأرى أحداً من الزوار. لا أظنه كان وقتاً لارتياد المعارض.. ولا وقتاًللموت.
كانت الساعة الرابعة ذات بداية أسبوع, من نهاية سنة, والناس مشغولونبإعداد أفراحهم. فهل تعمَّد أن يستفيد من انشغال الحياة عنه حتى يتسللّ منقبضتها؟
لم أحزن لخلوّ المعرض. بل سعدت لأنه كان لي وحدي. شعرت أنني أمتلك كلّتلك اللوحات لبعض الوقت, في انتظار أن أخسرها جميعها. وحدهم الأثرياء يرفضون أن تتمعملية امتلاكهم للوحة بعيون القلب.
كنت سعيداً, لأنني كنت هناك لأفعل الشيءالوحيد الذي تمنيته ولم يحدث, أن أتجوَّل في هذا المعرض مع زيان.
ذلك أنه حتماًسيحضر, فلا يمكن أن يخلف موعداً مع لوحاتٍ تتشوق لإنزالها من أزاميل الصلب والعودةإلى كنف رسامها.
الجميع مشغول عنه. وهو يملك أخيراً كل الوقت. ويمكننا أن نتوقّفلنتحدَّث طويلاً أمام كل لوحة, لولا أنني أنا الذي لا وقت لي, ولا أدري بماذا أبررله انشغالي, وضرورة أن أتركه بعد حين قبل أن تغلق الخطوط الجزائريةمكاتبها.
سيلعن هذه الخطوط ويسألني " ماذا أنت ذاهب لتفعل في ذلك البلد.. أثمةمهبول يذهب لقضاء رأس السنة هناك؟".
ولن أجد ما أجيبه به. ثم عندما لن يستطيعاستبقائي أكثر, سيودعني كعادته قائلاً " سنواصل الحديث غداً", مضيفاً بعد شيء منالصمت " إن كان لديك وقت".
كانت هذه طريقته في الترفع عن استجداء زيارة.
لكنأزفت ساعة الرحيل يا صديقي. لقد انتهى وقت الزيارة الكبرى. لم يبق من الوقتِ حتى مايغطي تلك الزيارات المبرمجة للمشافي. مات الوقت يا عزيزي. أنت الآن في " الوقتالمجمد".

أكان يعرف ذلك؟
كان في رسمه الأخير زاهداً في الحياة, كأنه يرسمأشياء تخلَّى عنها أو تخلَّت عنه.
جثث أشياء ما عادت له, ولكنه ظلّ يعاملهابمودة العشرة, بضربات لونيّة خفيفة كأنه يخاف عليها من فرشاته, هي التي ما خافتعليه من خنجرها.
كان يرسم فاجعة الأشياء, أو بالأحرى خيانتها الصامته أمامالفاجعة. ككل هذه الأبواب التي تشغل عدداً من لوحاته.
أبواب عتيقة لوَّنها الزمنمذ لم نعد نفتحها. أبواب موصدة في وجوهنا, وأخرى مواربة تتربص بنا. أبواب آمنة تنامقطة ذات قيلولة على عتبتها, وأخرى من قماش تفصل بين بيتين تشي بنا أثناء ادّعائهاسترنا.
أبواب تنتظر خلفها وقع خطًى, أو يدٍ تهمّ بطرقها, وأخرى ضيقة نهرب إليهاوإذ بها تفضي إلينا, ونحتمي بها, فتحرّض العدوان علينا. وأخرى مخلوعة تسلّمنا إلىقتلتنا.نغادرها على عجل مرعوبين, أو نموت غدراً على عتباتها مخلّفين فردة حذاء. أوَليست فردة الحذاء, في وحدتها, رمزاً للموت؟