كان الحب يتقدم نحوي كوقع حوافر الجياد, يسبقه غبار الماضي, ذلك أن في هذهالمرأة شيئاً من تلك. شيء منها لاأعرفه بعد, لكنني أتشممه.
تلك التي يوم رأيتهالأول مرة في ذلك المقهى ذات ثلاثين أكتوبر عند الساعة الواحدة والربع, شعرت بصاعقةالاصطدام العشقيّ بين كوكبين سيتشظّيا انخطافاً أحدهما بالآخر.
أذكر, من هولالانبهار بفاجعة على ذلك القدر من جمال الدمار, أني قلت لها وأنا أستأذنها فيالجلوس: " سيدتي.. أشكر الدورة الدموية للكرة الأرضية, لأنها لم تجعلنا نلتقي قبلاليوم".

في مجرة الحب, من يدير سير الكواكب؟ من يبعدها ويقرِّبها؟ من يبرمجتلاقيها وتصادمها؟ من يطقئ إحداها ويضيء أخرى في سماء حياتنا؟ وهل ينبغي أن يتعثّرالمرء بجثمان ليقع في الحب؟
في سعينا إلى حبٍّ جديد, دوماً نتعثر بجثمان منأحببنا, بمن قتلناهم حتى نستطيع مواصلة الطريق نحو غيرهم, لكأننا نحتاج جثمانهمجسراً. ولذا في كلّ عثراتنا العاطفية, نقع في المكان نفسه, على الصخرة نفسها, وتنهضأجسادنا مثخنةٍ بخدوشٍ تنكأُ جراح ارتطامنا بالحب الأول. فلا تهدر وقتك في نصحالعشاق, للحبّ أخطاء أبدية واجبة التكرار!
أأكون ما شفيت منها؟ لكأنها امرأةداخلة في خياشيم ذاكرتي, مخترقة مسام قدري. أتعثّر بعطرها أينما حللت.
ما كانت " حياة".. إنها الحياة.

كم حلمت بطائات تأخذني إليها, بمدن جديدة نزورها معاً, بغرف فنادق ينغلق فيها الباب علينا, بصباحات آخذ فيها حمامي فتناولني شفتيها منشفة, بأماسٍ نتحدث فيها طويلاً عن الحب والموت, عن الله, عن العسكر, عن الأحلام المغدوربها.. وعن الأوطان الخادعة.
حلمت برقمها يظهر على شاشة هاتفي, بصوتها يتناول معيقهوتي, يرافقني إلى مكتبي, يجتاز معي الشوارع, يركب معي الطائرات, يضمّني حزام أمانفي كل مقعد, يطاردني بخوف الأمهات, يطمئنني, يطمئن عليّ, صوت يأخذ بيدي.
لكن, دوماً كانت لي مع هذه المرأة متع مهددة. ليس ثمة غير هذه الجثث التي بيننا. إحداهاتسافر معي, تسترق السمع إليّ, وتضحك ملء موتها منيّ.
في حب كذاك لا تتعثر بجثة. أنت تتعثّر بمقبرة.

كنت منشغلاً بذكراها , عندما فاجأني صوت المضيفة" الرجاءأن تقوّموا ظهور مقاعدكم..أن تبقوا أحزمتكم مربوطة.. وأن تكفّوا عنالتدخين".
بدأت العجوز على يميني تطالبني بالاهتمام بها. ساعدتها على ربطحزامها, وأنزلت الستارة الصغيرة للنافذة, حتى لا تزداد رعباً إنْ هي نظرت إلىقسنطينة من فوق.
-
ما تشوفيش لتحت يامّا.
كنت أريد أن تطلق سبيلي قليلاً. أنأنظر أنا أيضاً جواري, على يساري, كي أنسى العالم السفلي. أن أسرق اللحظات الأخيرةمن هذا الموعد الشاهق في غرائبيته, لأقول شيئاً لعطرٍ جاء حضوره متأخراً , ومخيفاً, كلحظة هبوط طائرة.
لكن الطائرة حطت على الأرض بتلك السرعة الارتطامية القصوىالتي تنزل بها الطائرات. كان أزير محركاتها يعلو وهي تسرع بنا على مدرج المطار, ولميعد بإمكان أحد تبادل أيّ حديث.

ذهب تفكيري عنده, إلى نعشه الذي يرتجّاللحظة مرتطماً بتراب قسنطينة.
هنا نفترق أنا وهو. هنا ينتهي مهرجان السفر. ولاأملك إلاأن أأتمنها عليه. إنه الليل, والوقت غير مناسب لللإرتماء فيحضنها.
باكراً تذهب إلى النوم قسنطينة, ولا أحد يجرؤ على إيقاظ حارس الموتى الذيارتدى منامة الغفلة خوفاً من القتلة.
عليك أن تعرف أنك منذ الآن في حمايةالديدان, التي في غيبتك عششت وتناسلت فوق التراب وتحته.
أن تتفهم جشع الديدانالبشرية, التي جمعت ثروتاه من موائد تعففك وترفعك حياً عما كان وليمتها. وستحرّضعليك اليوم أخرى, لتقتات بما بقي من جسد سبق أن أطعمت بعضه للثورة.
نفاخر بمآثرالديدان وإكراماً لنهمها لمزيد من الشهداء, نقدم لها بهاء أجسادنا قرابينولاء.
فعمرك المسفوح بين ثورتك وثروتهم, منذور يا صديقي كجسدك لديدان الوطن, التي يتولّى مزارعو تخصيب الموت تربيتها وتهيأة التربة الأفضل لها, كما تربي بلادأخرى في أحواضها اللؤلؤ والمرجان.

مستسلم هو للنعاس الأخير, ومنهك الأحلامأنا. لا أدري من منا الأعظم خوفاً. سيدتي قسنطينة التي لا تستيقظ إلا لجدولة موتنا, تعفّفي عن إيذاء حلمه, تظاهري بالإكتراث به, أحضنيه كذباً وعودي إلى النوم. لاتدققي في أوراقه كثيراً. لا تسأليه عن إسمه, حيثما حلّ كان اسمه القسنطيني, والآنوقد حلّ فيك امنحي إسمه لصخرة أو شجرة عند أقدام جسر, ما دامت كل الشوارع والأزقةمحجوزة أسماؤها لقدامى الشهداء والخسارات القادمة.

كان أزير الطائرة يغطّيعلى صخب صمت تقاسمته طوال الرحلة معه.
ماذا أستطيع ضدّ قدر حجز لي في سفرياتالحياة مقعداً فوق رائحة.. وجوار عطر, يستقلان الطائرة نفسها.
وحدها العجوزالمتشبثة بذراعي تشبّثها بالحياة كانت تصلني دعواتها وابتهالاتها المذعورة.
كانصوت المضيفة يعلن:" الحرارة في الخارج ست درجات. الساعة الآن تشير إلى الحادية عشرةوالنصف ليلاً. الرجاء إبقاء أحزمتكم مربوطة. لقد حطّت بنا الطائرة في مطار محمدبوضياف.. قسنطينة".


إنتهت في 10 يوليو 2002 م
الساعة العاشرة والنصف ..صباحاً