اقتحام الأمن للمكاتب

لم أعط اهتماما لذلك، لأني كنت أعرف أنها حفلة تشويه، إلى يوم 27/7/2010 اقتحم الأمن الداخلي المكاتب وطلب من الموظفين مغادرتها. لم يكسروا أشياء، وسمحوا لنا بإخراج جميع الأشرطة، هذا يوضح أن هناك من يريد أن يترك فرصة للحوار مرة أخرى، لأنهم كسروا الأشرطة والكمبيوترات مع أشخاص آخرين. طبعا سحبنا الأشرطة بالكامل، وكتبوا على الموظفين تعهدا أن لا يشتغلوا مع تلفزيون 'المشرق' إلا بطلب رسمي من وزارة الإعلام، طبعا وزارة الإعلام متنحية للأسف، ليس هناك من وزارة إعلام وليس لها دور أبدا. اضطررنا أن نوقف الأخبار، توقفت الأخبار من يوم 18/ 8/ 2009 لم أعد إلى الأخبار حتى يوم 10/ 10/ 2010 توقفت عن الأخبار 14 شهرا، خلالها لم يتركوني يوما. كان هناك دائما متصل من أهل الإعلام أو المحللين السياسيين أو جهات المخابرات، والقصد أن يبقوني مشغولا بهذا الموضوع، وكنت ملاحقا يوميا، والهدف أن يبقى ذهني مشغولا بهذه المصيبة التي ابتلاني بها الله. حاول رامي مخلوف مرة ثانية ارسال 'الاعلاميين' عماد الشعيبي، وعلي جمالو وغيرهما للوساطة، ودائما كنت أرفض أن أشاركه.. إلى احد ايام رمضان كان برنامجنا حافلا، أوصلنا اسمنا إلى أرقام عالية في الإحصاء، قام مسؤولو الاعلام بالاتصال بجميع شركات الإعلان حتى لا تقوم بالإعلان لدينا، 65 رندا إعلانيا كان موجودا عندنا من كبار الشركات، للأسف منها شركات عالمية، ومن يريد أن يعرف الأسماء بإمكانه أن يرى كيف تعلن يوما ثم تسحب اعلانك، كانت الرسالة الجديدة إذا كنت معنا هكذا يأتي الإعلان، او ليس لديك إعلان. لكن كثيرا من الشركات لم تعط ذلك بالا إلى أن أصدر رئيس مجلس الوزراء السابق ناجي العطري قرارا بمنع التعامل مع أورينت لأن لديها مخالفات قانونية، ولم تذكر هذه المخالفات القانونية إلى اليوم. طبعا تكبدنا خسائر عالية، أكثر من ثلاثين مليون دولار صارت كلفة التلفزيون حتى الآن وهم يهددون المعلن بكثير من الأشياء. طبعا الناس ليست مستعدة أن تدخل معارك ليست معاركها، وهذا حقها الطبيعي.

التأكد من مصدر التمويل!

عندما انتهى رمضان، اجتمع الرئيس الأسد بمجموعة من المنتجين السوريين وشكوا له بأنهم يجدون صعوبة بأن يروجوا للدراما السورية، ومن الأشياء التي طلبوها أن يسمحوا لقنوات تلفزيونية سورية تساهم بأن تكون سوقا لهم، وقالوا له إن هناك كثيرا من القنوات تتعرض لمتاعب من قناة الشام التي أغلقت تماما، إلى قناة أورينت، قال لهم بالحرف الواحد: إن كنتم تقصدون قناة أورينت، نحن ما زلنا نتأكد من مصدر تمويلها. تخيلي رئيس جمهورية بعد سنتين يريد أن يتأكد من تمويلها، وكأنني موجود في جزر بريطانيا العذراء ولست موجودا في دبي، ومن يكون في دبي وهي مدينة عصرية، الإمارات تخضع لحكم القانون أيضا لا يمكن أن تكون مصادر الأموال فيها إلا إن شاء الله من مصادر تجارية. المهم ان حديث الأسد شكل فارقا ونقطة جديدة، فقبله كان رامي مخلوف يريد نسبة 55% وبعدها بدأ يتصل في ويطلب 92% ، وهكذا ولكي أثبت وطنيتي وولائي لبشار الأسد يجب أن أتنازل عن 92% ونصف. 25% للسيد مخلوف، أما الباقي فيأتي لي تسعة تجار من دمشق، من شركة شام القابضة وأنا العاشر، يعني من مالي يبقى لي سبعة ونصف بالمئة، هذا الطرح بدأ في الستة أشهر الأخيرة، كانوا يتصلون ويطلبون مني الحوار. لم أتصل يوما بأحد منهم، أتحدى ذلك، هم يرفعون النسب، ويحاولون اشعاري بأنني أنا من أريدهم، لكن لدي الأدلة بالكامل، من إيميلات، وتسجيلات، والعقود التي أرسلوها حتى أوقعها. وصلتني تهديدات بأهلي، وبأرزاقي بسورية، ورفضت التوقيع وقلت والله لن يروا توقيعي لا قبل ولا بعد'.

ثورة مصر والعصفور الطليق

* بعيدا عن الضغوطات، حاليا ومع بداية الثورات العربية كانت محطة 'أورينت' وقد حازت جمهورا كبيرا يتابعها لماذا تبنيتم خط الشارع والشباب قبل أن تنضج الرؤى؟
* 'الذي صار معي بالضبط وآخر اتصال تلقيته كان من عماد فوزي الشعيبي كان يوم الخميس، قبل جمعة رحيل بن علي، بعدها لم يعد يتصل بي أحد. عرفت أن هؤلاء الناس بدأوا يلمّسون على رؤوسهم، كنت أتابع هذه الثورات، جاءت مصر وكنت أعرف أن مصر هي عربة الجر الأساسية. وهذه أول مرة يحدث في التاريخ أن تكون عربة الجر تونس، فكان هناك تشكيل في ذهني، أن تكون حالة واحدة خاصة حتى أتت مصر، مع تطور ثورة مصر كنت أشعر بنفسي مثل العصفور الطالع من الأسر، فعلا شعرت باللحظة أنني تحررت من كل شيء من كل الضغوطات، من كل الخوف الذي شفته، من كل القتل الذي فرجوني إياه وأنا عمري 13 سنة في مدينتي في ادلب. تحررت من خوفي على أهلي، من خوفي على أموالي، فبدأت أواكب الثورات، وذكرت أني عدت وطلعت الأخبار في 10/ 10/2010، أول خبر كان: لماذا اعتقلتم طل الملوحي؟ هذا أول خبر كان بعد عودة الأخبار، لكن ناقشته بخوف شديد، ثلاثة محررين من سورية قدموا استقالاتهم واعتبروا حتى مناقشة هذا الموضوع من بعيد، هو انتحار سياسي. تخيلي ما الذي فعلوه بضمير الناس، جدران كبيرة من الخوف الداخلي وليس الخارجي. المهم بدأت أنقل عن الثورات وماذا يحدث، وبدأت أقدم رؤية الشباب في الثورات، إلى يوم انطلاقة الاحتفال في الانطلاقة الثالثة لتلفزيون أروينت في 2/2 /2011 أطلعت الجمهور على ما حدث معي من ضغوطات، ولم أكن قد أطلعتهم سابقا، تناولت رامي مخلوف وغيره. صنعت قبل ذلك برنامج (البلد بارك)، لأرى مدى جدية الشعب السوري لتقبل الحوار والرأي المختلف قليلا، وجدت أن طبقة كبيرة من المثقفين مستعدة لهذا النوع من الحوار، واصبح هذا البرنامج (البلد بارك) حالة ثورية خاصة. عرفت أن هناك شيئا ما ينمو، أو شيئا ما يريد أن ينمو. في تاريخ 9/2 استقبلوني في تلفزيون (أورينت) كرجل أعمال يتحدث عن حالة اقتصادية، وهي تجارة إعادة التصدير، بما أن لدي مؤسسة رائدة في مجال إعادة التصدير التي تأسست في دبي بعد ما أغلقت 'هونغ كونغ'. عندما خرجت لأتكلم عن تجارة إعادة التصدير، تكلمت عنها لمدة سبع دقائق، لكنني فاجأت نفسي، وانا أتحدث عن السلطة في سورية، وضرورة أن يفتحوا البلد. إننا شعب حي، شعب التجارة في العالم، ان طريق الحرير ليس مادة مسرحية ولا مادة شعرية، وإنما هو حياة شعب، وأن سورية لا يمكن أن تكون إلا في هذا المجال. لا نملك الإمكانيات لنكون دولة صناعية، لا نملك إلا أن نكون تجارا بين دول العالم. هذه هي الحالة السورية تاريخيا، طبعا إضافة إلى الزراعة التي أصبح وضعها صعبا كثيرا في العشرين سنة الماضية وهي غير قادرة على المنافسة عالميا. وجدتني أطلب وأرد على بشار الأسد عندما قال في إحدى المقابلات إنه سيبدأ بإصلاحات، لكن لن تراها هذه الأجيال وإنما سيراها الجيل القادم! فقلت له: لو فتحت البلد في أربع سنوات وأسست لجان تصدير في هذه السنوات ستنمو ونرى الازدهار كما حدث في دبي وفي سنغافورة وفي مدن كثيرة تبنت اتجاه إعادة التصدير والتجارة البينية، وتحدثت عن موقعي. المهم انني طالبته بأن يكون مجلس الشعب مجلسا منتخبا وأن تكون هناك حكومة حقيقية، حكومة تكنوقراط بعيدة عن ضغط المتنفذين، أن تعود سورية إلى الحياة الدستورية التي كانت عليها قبل حكم البعث. صدقيني لم أكن أحضّر لهذا الكلام، لكن وجدت نفسي أنطلق هكذا، تركت موضوع إعادة التصدير ودخلت في هذه المطالب السياسية، مع أني لست سياسيا ولم أكن يوما سياسيا، لكن قلتها من وجهة نظر رجل أعمال. بعدها بدأت ما سماها الرئيس السوري حملة التحريض في خطابه الأخير، هي لم تكن حملة تحريض، لقد فهمها حملة تحريض، هي الرأي الآخر المرفوض بأي شكل من السلطة في سورية. ثم بدأت بمعالجة آثار قانون الطوارئ على الحياة السورية، كل يوم تقرير عن القضاء، عن الزراعة، عن الصناعة، آثاره السلبية بالكامل. إن ما وجدته أن أغلب الشعب السوري، بكل شرائحه حتى بالمهجر، كان يتابع العزف المنفرد الذي كان يقدمه تلفزيون 'أورينت'، نعم عزف منفرد. كنت أقدم عن الآثار، عن السياحة، عن الغوطة وما جرى لها، عن الثقافة وتأثيرها على حياة الشعوب، أحسست أني قد وصلت إلى الناس. وللأمانة، هذه التقارير كنت أكتبها بيدي، لأن جدران الخوف عند الصحافي السوري لا تريد أن تسقط إلى اليوم. السلسلة الثانية كانت عن الحكومات الثورية وماذا فعلت بنا، نعم كانت عن كل الحكومات الجمهورية في الوطن العربي، لكن كان الحديث دائما عن سورية، لأن الضيف كان دائما سوريا، انتبه الناس وعرفوا ماذا يحدث في البلد. في نهاية كل تقرير، كنت أقول: يجب أن ننتبه إلى أن سورية لن تكون بعيدة عن خط التغيير في الوطن العربي القادم، كنت أحزر. لكن كان الرئيس السوري يفاجئني ويقول 'نحن غير'، لكن في ما بعد تبين أنهم ليسوا غير، وأن الشعب العربي، وخصوصا في جمهوريات الظل قرر أن لا يكون غير، قرر أن يأخذ حقه بنفسه.