








التخطيط في الدول الاشتراكية
ابتدأ التخطيط الاشتراكي بعد انتصار الثورة البلشفية في روسية عام 1917، وتطورت هذه التجربة التخطيطية في إطار سعي الاتحاد السوفييتي لتحقيق التصنيع.
اعتمد الاتحاد السوفييتي في المراحل الأولى للتخطيط على نظام التخطيط المركزي والأسلوب الأوامري لتوجيه النشاط الاقتصادي. وقد واجهت هذه السياسة الإخفاق التام في ظل الحرب الأهلية. مما اضطر لينين إلى اعتماد السياسة الاقتصادية الجديدة NEP التي شجعت عمل المنشآت الخاصة الصغيرة. وبعد إحداث هيئة تخطيط الدولة (غوسبلان) الجهاز المسؤول عن إعداد الخطط ومتابعة تغييرها، كان بالإمكان الشروع باعتماد الخطط الخمسية ابتداءً من الخطة الخمسية الأولى 1928-1932 التي أعطت الأولوية لإقامة الصناعة الثقيلة وتطويرها وخصصت لذلك الجزء الأكبر من الاستثمارات. ظل هذا النهج المدعوم بالأسلوب الأوامري المتشدِّد الصفة الغالبة للخطط الخمسية اللاحقة، والذي مكنّ السلطة السياسية من فرض رقابتها الشديدة على تعبئة الموارد واستخدامها ووضع الأولويات التخطيطية موضع التنفيذ ولاسيما ما يتعلق منها بتطوير فروع الصناعة الثقيلة على حساب إنتاج السلع الاستهلاكية.
تركزت مهمات الغوسبلان (هيئة تخطيط الدولة) على ترجمة الأهداف المقرّة سياسياً إلى مجموعة مترابطة من الأهداف التخطيطية، مما استلزم وجوب تأمين التوافق الدائم بين الإنتاج والاستهلاك، بين انتاج البضائع الرأسمالية والسلع الاستهلاكية، وأولي قطاع التجارة الخارجية اهتماماً خاصاً لتأمين احتياجات البلاد من البضائع والسلع اللازمة بوساطة الاستيراد. وقد استلزم ذلك إعداد مجموعات كبيرة من الموازين السلعية والمادية لتأمين التوازن لجميع السلع الرئيسية. كما تطلبّ ذلك أيضاً إجراء المراجعة المتواصلة لكل مراحل الخطة وأجزائها لتحقيق التوازن العام والخاص بصورة دائمة. مثل هذه المهمة كانت معقدة للغاية في ظل المركزية الشديدة وما تقتضيه من ضرورة متابعة أعداد هائلة من التعليمات والتوجيهات التي تحدد عمل آلاف المشروعات فيما يتعلق بالإنتاج والتوزيع والنقل وغير ذلك.
حدثت بعض محاولات إصلاح النظام التخطيطي اعتباراً من أواسط الخمسينات لصالح إعطاء دور أكبر للهيئات المحلية والمناطق والجمهوريات. كما جرت محاولات أخرى في نهاية الستينات لتطوير النظام التخطيطي وإيجاد الخيار والحل الأفضل بين مجموعة من البدائل باستخدام الحاسبات الالكترونية المطورة وتقانات البرمجة، كما جرى البحث عن معايير جديدة تستهدف تقليص المركزية الشديدة المترشحة منذ عهد ستالين، والاستفادة من عامل الربح وجعل الأسعار تعكس إلى حد ما العرض والطلب والتكلفة البديلة إلا أن كل ذلك لم يبدل بصورة محسوسة من طبيعة النظام التخطيطي، وتلا ذلك رفض القيادة السوفييتية خلال المؤتمر الرابع والعشرين للحزب الشيوعي السوفييتي إحداث تغييرات أساسية في نظام التخطيط المركزي.
وكان التخطيط في الدول الاشتراكية الأخرى تقليداً للنموذج السوفييتي بصورة عامة عدا بعض الحالات. ففي بولونية جرى حديث عن ضرورة إجراء إصلاحات جذرية، وإقامة نوع من السوقالاشتراكية المرنة نسبياً واستمرار الملكية الخاصة في الزراعة الشكل السائد للملكية. وفي تشيكوسلوفاكية جرت حملة للإصلاح وتقليص المركزية ومحاولة إقامة أشكال لسوق اشتراكية مشابهة للسوق اليوغسلافية، ولكنها أحبطت بعد التدخل السوفييتي عام 1968. وفي يوغسلافية طور الشيوعيون اليوغسلافيون مفهومهم الخاص للتخطيط الاشتراكي، وتحولت المشروعات الحكومية لتدار من مجالس العمال التي صارت مسؤولة عن إقرار البرامج الانتاجية الخاصة وتحديد مستويات الأسعار، ومع ذلك كان للأجهزة المركزية أثر مهم في التأثير ومراقبة النشاط الاقتصادي من خلال تنظيم عرض النقد والودائع المصرفية واستخدام النظام الضريبي.
وخلاصة القول إنه مع الانتقادات الشديدة والعديدة للنموذج السوفييتي في التخطيط المركزي الإلزامي، استطاع هذا النموذج تحقيق معدلات مرتفعة للنمو الاقتصادي في الخطط الخمسية الأولى مقارنة مع الدول الرأسمالية، وتجنب حالات التضخم النقدي التي كانت تفتك باقتصادات الرأسمالية والنتائج السلبية للأزمات الاقتصادية الدورية، ومنها الأزمة الكبيرة 1929-1932. كما كان هذا النظام أكثر قدرة على تخطيط الاستثمار لصالح الصناعات الأساسية وفروع الصناعة الثقيلة على معاناته من حالات التمادي في الاستثمار لتحقيق أهداف التصنيع السوفييتي الثقيل.
من جهة أخرى يرى بعضهم أن هذا النظام قد عجز في كثير من الأحيان عن مواكبة الإصلاحات الحديثة وتطوير التقانة المعاصرة إلا أنه لقي قابلية لدى العديد من البلدان النامية التي تناضل لتطوير مجتمعاتها.
الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)
مواقع النشر (المفضلة)