محتفون الليل كله ينادون بالويل واللهف فلما انشق عمود الصبح جاءهم سعيد فقرع الباب فنزلوا وبكو معه وذهبوا به إلى الحجاج وآخر معه فدخلا فقال الحجاج أتيتموني بسعيد بن جبير قالوا نعم وعاينا منا العجب فصرف بوجهه عنهم فقال أدخلوه علي فخرج المتلمس فقال ( لسعيد ) أستودعك الله وأقرأ عليك السلام فأدخل عليه فقال ما اسمك قال سعيد بن جبير قال أنت شقي بن كسير قال بل أمي كانت أعلم بإسمي منك قال شقيت أنت وشقيت أمك قال الغيب يعلمه غيرك قال لأبدلنك بالدنيا نار تلظى قال لو علمت أن ذلك بيدك لأتخذتك إلها قال فما قولك في محمد قال نبي الرحمة إمام الهدى قال فما قولك في علي في الجنة هو أم في النار قال لو دخلتها فرأيت أهلها عرفت قال فما قولك في الخلفاء قال لست عليهم بوكيل قال فأيهم أعجب إليك قال أرضاهم لخالقي قال فأيهم أرضى للخالق قال علم ذلك عنده قال أبيت أن تصدقني قال إني لم أحب أن أكذبك قال فما بالك لم تضحك قال لم تستو القلوب قال ثم أمر الحجاج باللؤلؤ والياقوت والزبرجد وجمعه بن يدي سعيد فقال إن كنت جمعته لتفتدي به من فزع يوم القيامة فصالح وإلا ففزعة واحدة تذهل كل مرضعة عما أرضعت ولا خير في شيء جمع للدينا إلا ما طاب وزكا ثم دعا الحجاج بالعود والناي فلما ضرب بالعود ونفخ في الناي بكى فقال الحجاج ما يبكيك هو اللهو قال بل هو الحزن أما النفخ فذكرني يوم نفخ الصور وأما العود فشجرة قطعت من غير حق وأما الأوتار فأمعاء شاة يبعث بها معك يوم القيامة فقال الحجاج ويلك يا سعيد قال الويل لمن زحزح عن الجنة وأدخل النار قال اختر أي قتلة تريد أن أقتلك قال اختر لنفسك يا حجاج فوالله ما تقتلني قتله إلا قتلتك قتلة في الآخرة قال فتريد أن أعفوا عنك قال إن كان العفو فمن الله وأما أنت فلا براءة لك ولا عذر قال اذهبوا به فاقتلوه فلما خرج من الباب ضحك فأخبر الحجاج بذلك فأمر برده فقال ما أضحكك قال عجبت من جرأتك على الله وحلمه عنك فأمر بالنطع فبسط فقال اقتلوه فقال " وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض " قال شدوا به لغير القبلة قال " فأينما تولو فثم وجه الله " قال كبوه لوجهه قال " منها خلقناكم وفيها نعيدكم " قال اذبحوه قال إني أشهد وأحاج أن لاإله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله خذها مني حتى تلقاني يوم القيامة ثم دعا الله سعيد وقال اللهم لا تسلطه على أحد يقتله بعدي فذبح على النطع وبلغنا أن الحجاج عاش بعده خمس عشر ليلة وقعت في بطنه الأكلة فدعا بالطبيب لينظر إليه فنظرإليه ثم دعا بلحم منتن فعلقه في خيط ثم أرسله في حلقه فتركه ساعة ثم استخرجه وقد لزق به من الدم فعلم أنه ليس بناج هذه حكاية منكرة غير صحيحة رواها أبو نعيم في الحلية فقال حدثنا أبي حدثنا خالي أحمد بن محمد بن يوسف أخبرني أبو أمية محمد بن إبراهيم كتابة حدثنا حامد بن يحيى هارون الحمال حدثنا محمد بن مسلمة المخزومي حدثنا مالك عن يحيى بن سعيد عن كاتب الحجاج قال مالك هو أخ لأبي سلمة الذي كان على بيت المال قال كنت أكتب للحجاج وأنا يومئذ غلام يستخفني ويستحسن كتابتي وأدخل عليه بغير إذن فدخلت عليه يوما بعدما قتل سعيد ابن جبير وهو في قبة له لها أربع أبواب فدخلت عليه مما يلي ظهره فسمعته يقول مالي ولسعيد بن جبير فخرجت رويدا وعلمت أنه إن علم بي قتلني فلم ينشب قليلا حتى مات أبو حذيفة النهدي حدثنا سفيان عن عمر بن سعيد بن أبي حسين قال دعا سعيد بن جبير حين دعي للقتل فجعل ابنه يبكي فقال ما يبكيك ما بقاء أبيك بعد سبع وخمسين سنة ابن حميد حدثنا يعقوب القمي عن جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد قال قحط الناس في زمان ملك من ملوك بني إسرائيل ثلاث سنين فقال الملك ليرسلن علينا السماء أو لنؤذينه قالوا كيف تقدر على أن تؤذيه وهو في السماء وأنت في الأرض قال أقتل أوليائه من أهل الأرض فيكون ذلك أذى له قال فأرسل الله عليهم السماء وروى أصبغ بن زيد عن القاسم الأعرج قال كان سعيد بن جبير يبكي بالليل حتى عمش وروى عن ابن شهاب قال كان سعيد بن جبير يؤمنا يرجع صوته بالقرآن وروى الثوري عن حماد قال قال سعيد قرأت القرآن في ركعتين في الكعبة جرير الضبي عن أشعث بن إسحاق قال كان يقال سعيد بن جبير ( جهبذ ) العلماء ابن عيينة عن أبي سنان عن سعيد بن جبير قال لدغتني عقرب فأقسمت علي أمي أن أسترقي فأعطيت الراقي يدي التي لم تلدغ وكرهت أن أحنثها جرير بن حازم عن يعلى بن حكيم قال قال سعيد بن جبير ما رأيت أرعى لحرمة هذا البيت ولا أحرص عليه من أهل البصرة لقد رأيت جارية ذات ليلة تعلقت بأستار الكعبة تدعو وتضرع وتبكي حتى ماتت إسنادها صحيح محمد بن حميد الرازي حدثنا يعقوب القمي عن جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير قال لما أهبط الله آدم إلى الأرض كان فيها نسر وحوت لم يكن غيرهما فلما رأى النسر آدم وكان يأوي إلى الحوت يبيت عنده فقال يا حوت لقد أهبط اليوم إلى الأرض شيء يمشي على رجليه ويبطش بيديه قال لئن كنت صادقا مالي في البحر منه منجى ولا لك في البر وروي عن سعيد بن جبير قال لو فارق ذكر الموت قلبي لخشيت أن يفسد علي قلبي وعنه قال إنما الدنيا جمع من جمع الآخرة رواه ضمرة بن ربيعة عن هشام عنه قال ابن فضيل عن بكير بن عتيق قال سقيت سعيد بن جبير شربة من عسل في قدح ( فشربها ) ثم قال والله لأسألن عنه قلت لم قال شربته وأنا أستلذه وعن خلف بن خليفة عن أبيه قال شهدت مقتل سعيد فلما بان رأسه قال لا إله إلا الله لا إله إلا الله ولم يتم الثلاثة همام بن يحيى عن محمد بن جحادة عن أبي معشر عن سعيد بن جبير قال رآني أبو مسعود البدري في يوم عيد لي ذؤابة فقال يا غلام إنه لا صلاة في مثل هذا اليوم قبل صلاة الإمام فإذا صلى الإمام فصل بعدها ركعتين وأصل القراءة شعبة عن الأعمش عن مجاهد قال ابن عباس لسعيد بن جبير حدث قال أحدث وأنت ها هنا قال أويس من نعمة الله عليك أن تحدث وأنا شاهد فإن أصبت فذاك وإن أخطأت علمتك يعقوب القمي عن جعفر بن المغيرة عن سعيد بن جبير قال ربما أتيت ابن عباس فكتبت في صحيفتي حتى أملأها وكتبت في نعلي حتى أملأها وكتبت في كفي قال جعفر بن أبي المغيرة كان ابن عباس بعدما عمي إذا أتاه أهل الكوفة يسألونه يقول تسألوني وفيكم ابن ( أم ) دهماء يعني سعيد بن جبير وقال أيوب السختياني عن سعيد بن جبير قال كنت أسأل ابن عمر في صحيفة ولو علم بها كانت الفيصل بيني وبينه
الثوري عن أسلم المنقري عن سعيد بن جبير قال سأل رجل ابن عمر عن فريضة فقال ائت سعيد بن جبير فإنه أعلم بالحساب مني وهو يفرض فيها ما أفرض عبد الواحد بن زياد حدثنا أبو شهاب قال كان يقص لنا سعيد بن جبير كل يوم مرتين بعد الفجر وبعد العصر قيس بن الربيع عن الصعب بن عثمان قال قال سعيد بن جبير ما مضت علي ليلتان منذ قتل الحسين إلا أقرأ فيها القرآن إلا مريضا أو مسافرا إسائيل عن أبي الجحاف عن مسلم البطين عن سعيد بن جبير أنه كان لا يدع أحدا يغتاب عنده أبو نعيم حدثنا إسماعيل بن عبد الملك قال رأيت سعيد بن جبير يصلي في الطاق ولا يقنت في الصبح ويعتم ويرخي لها طرفا من ورائه شبرا قلت الطاق هو المحراب قال هلال بن خباب ( رأيت سعيد بن جبير ) أهل من الكوفة قال محمد بن سعد كان الذي قبض على سعيد بن جبير والي مكة خالد بن عبد الله القسري فبعث به إلى الحجاج فأخبرنا يزيد عن عبد
الملك بن أبي سليمان قال سمع خالد بن عبد الله صوت القيود فقال ما هذا قيل سعيد بن جبير وطلق بن حبيب وأصحابهما يطوفون بالبيت فقال اقطعوا عليهم الطواف وأنبأنا عبيد الله بن موسى أنبأنا الربيع بن أبي صالح قال دخلت على سعيد بن جبير حين جيء به إلى الحجاج فبكى رجل فقال سعيد ما يبكيك قال لما أصابك قال فلا تبك كان في علم الله أن يكون هذا ثم تلا " ما أصابك من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا كتاب من قبل أن نبرأها " حماد بن زيد عن أيوب سئل سعيد بن جبير عن الخضاب بالوسمة فكرهه وقال يكسو الله العبد النور في وجهه ثم يطفئه بالسواد الحسين بن حميد بن الربيع حدثنا واصل بن عبد الأعلى حدثنا أبو بكر بن عياش عن أبي حصين قال رأيت سعيد بمكة فقلت إن هذا قادم يعني خالد بن عبد الله ولست آمنه عليك قال والله لقد فررت حتى استحييت من الله قلت طال اختفاؤه فإن قيام القراء على الحجاج كان في سنة اثنتين وثمانين وما ظفروا بسعيد إلى سنة خمس وتسعين السنة التي قلع الله فيها الحجاج
قال أبو بكر بن عياش فأخبرني يزيد بن أبي زياد قال أتينا سعيدا فإذا هو طيب النفس وبنته في حجره فبكت وشيعناه إلى الجسر فقال الحرس له أعطنا كفيلا فإنا نخاف أن تغرق نفسك قال فكنت فيمن كفل به قال أبو بكر فبلغني أن الحجاج قال ائتوني بسيف عريض قال سليمان التيمي كان الشعبي يرى التقية وكان ابن جبير لا يرى التقية وكان الحجاج إذا أتى بالرجل يعني ممن قام عليه قال له أكفرت بخروجك علي فإن قال نعم خلى سبيله فقال لسعيد أكفرت قال لا قال اختر أي قتلة أقتلك قال اختر أنت فإن القصاص امامك أبو نعيم حدثنا عبد الواحد بن أيمن قال قلت لسعيد بن جبير ما تقول للحجاج قال لا أشهد على نفسي بالكفر ابن حميد حدثنا يعقوب القمي عن جعفر عن سعيد بن جبير قال إن في النار لرجلا ينادي قدر ألف عام يا حنان يا منان فيقول يا جبريل أخرج عبدي من النار قال فيأتيها فيجدها مطبقة فيرجع فيقول يا رب " إنها عليهم مؤصدة " فيقول يا جبيرل ارجع ففكها فأخرج عبدي من النار فيفكها فيخرج مثل الخيال فيطرحه على ساحل الجنة حتى ينبت الله له شعرا ولحما إبراهيم بن طهمان عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي قال كان نبي الله سليمان إذا قام في مصلاه رأى شجرة نابتة بين يديه فقال لها ما اسمك قالت الخرنوب قال لأي شيء أنت فقالت لخراب هذا البيت فقال اللهم عم عليهم موتي حتى يعلم الإنس أن الجن لا تعلم الغيب قال فنحتها عصا يتوكأ عليها فأكلتها الأرض فسقطت فخر فحزروا أكلها الأرضة فوجدوا حولا فتبينت الإنس أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين وكان ابن عباس يقرؤها هكذا فشكرت الجن الأرضة فكانت تأتيها بالماء حيث كانت قرأته على إسحاق بن أبي بكر أنبأنا يوسف بن خليل أنبأنا أحمد بن محمد التيمي أنبأنا أبو علي الحداد أنبأنا أبو نعيم حدثنا سليمان بن أحمد حدثنا علي بن عبد العزيز حدثنا أبو حذيفة موسى بن مسعود حدثنا إبراهيم بن طهمان إسناده حسن أخبرنا يحيى بن أحمد الجذامي ومحمد بن حسين الفوي قالا أنبأنا محمد بن عماد أنبأنا عبد الله بن رفاعة أنبأنا أبو الحسن الخلعي أنبأنا شعيب بن عبد المنهال حدثنا أحمد بن الحسن بن إسحاق الرازي حدثنا أبو الزنباع روح بن الفرج حدثنا عمرو بن خالد حدثنا عبيد الله بن عمرو عن عبد الكريم بن مالك الجزري عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي قال يكون قوم في آخر الزمان يخضبون بهذا السواد كحواصل الحمام لا يريحون رائحة الجنة هذا حديث حسن غريب أخرجه أبو داود والنسائي من طريق عبد الله الرقي
قال خلف بن خليفة عمن حدثه إن سعيد بن جبير لما نذر رأسه هلل ثلاث مرات يفصح بها يحيى بن حسان التنيسي حدثنا صالح بن عمر عن داود بن أبي هند قال لما أخذ الحجاج سعيد بن جبير قال ما أراني إلا مقتولا وسأخبركم إني كنت أنا وصاحبان لي دعونا حين وجدنا حلاوة الدعاء ثم سألنا الله الشهادة فكلا صاحبي رزقها وأنا أنتظرها قال فكأنه رأى أن الإجابة عند حلاوة الدعاء قلت ولما علم من فضل الشهادة ثبت للقتل ولم يكترث ولا عامل عدوه بالتقية المباحة له رحمه الله تعالى أحمد بن داود الحراني حدثنا عيسى بن يونس سمعت الأعمش يقول لما جيء بسعيد بن جبير وطلق بن حبيب وأصحابهما دخلت عليهم السجن فقلت جاء بكم شرطي أو جليويز من مكة إلى القتل أفلا كتفتموه وألقتموه في البرية فقال سعيد فمن كان يسقيه الماء إذا عطش محمد بن عبد الله بن عبد الحكم حدثنا أبي سمعت ماكا يقول حدثني ربيعة عن سعيد بن جبير وكان سعيد من العباد العلماء قتله الحجاج وجده في الكعبة وناسا فيهم طلق بن حبيب فسار بهم إلى العراق فقتلهم عن غير شيء تعلق عليهم به إلا العبادة فلما قتل سعيد بن جبير