محافظو أمريكا هل يواجهون ملالي إيران عسكريًا ؟!

مفكرة الإسلام - عصام زيدان : شكّل الملف النووي الإيراني حالة إزعاج للولايات المتحدة الأمريكية, وأضاف سخونة متزايدة على الوضع الملتهب من الأساس في منطقة الخليج العربي, التي لم يهدأ فيها أزيز الحرب منذ ثمانينيات القرن الماضي, الذي شهد الحرب الضروس بين إيران والعراق.

فإيران من ناحيتها تتشبث ببرنامجها النووي وترفض التنازل عما وصفته بمنجزات علمية في هذا الملف, عامدة إلى إثارة الشكوك فيه من خلال السرية المفروضة على بعض أجنحته والغموض المكتنف لبعض الأسئلة الحائرة التي لا تجد إجابة مرضية من قبل المؤسسة الإيرانية السياسية, التي ما فتئت تذكر وتعلن سلمية البرنامج, وأنه لا مجال للريب فيه أو الشك .

والولايات المتحدة هي الأخرى وضعت هذا الملف قرب أنفها ونصب عينيها, وترى فيه كسرًا مضاعفًا لوجودها في المنطقة الاستراتيجية بالغة الأهمية, التي جمعت فيها وما زالت مفارزها العسكرية وآلاتها الحربية, عساها فقط تخرج من المستنقع العراقي بأقل قدر من التكلفة, ومن ثم فهي لا ترى بديلاً آخر عن مواجهة هذا الطموح الذي ينخر في وجودها ومستقبلها في الخليج, خاصة وفي المنطقة العربية بوجه العموم .

إزاء هذا الوضع المحتدم الذي يواجه فيه تيار المحافظين الجدد في البيت الأبيض, ملالي البيت الصفوي الإيراني تأتي التكهنات المتزايدة بإمكانية اندلاع نزاع مسلح جديد في المنطقة, حيث تصلبت المواقف ووصلت إلى حد التجمد على اعتبار اصطدام الطموحات الاستراتيجية ذات الصلة بالأمن القومي الحساس في كلا البلدين, فيما تشير تكهنات أخرى إلى قنوات خفية تدور بين رحاها تفاهمات للخروج من الوضع الملتبس قبل الوصول إلى قمة الهاوية ,. البعض يرى تقاطعا مهما في المصالح الأمريكية الإيرانية لطالما لعبت به الحكومات الإيرانية المتعاقبة قد يكون مانعا من أية صدامات قادمة وأن الملالي الإيرانيين يوازنون دوما بين التصعيد والليونة بحسب المصلحة في التعامل مع " الشيطان الأكبر " ! , البعض الآخر يرى أن الامبراطورية الأمريكية قد تكون مدفوعة للانتصار في هذا النزاع بعد هزيمتها المدوية من المقاومة العراقية ! .

وقبل الحديث عن ملابسات وإمكانيات وقوع هذا النزاع من عدمه, أو بمعنى أدق قبل التعرض لما يمكن أن تقدم عليه الولايات المتحدة إزاء تعاملها مع إيران باعتبارها الطرف الفاعل في المعادلة, نتعرض في نقطة أولية لما يشكله الملف النووي لإيران من أهمية, وما الذي تريده إيران على وجه التحديد, ونتبعه بالمخاطر التي يمكن أن تسببها إيران النووية على الولايات المتحدة في المنطقة .

إيران.. ماذا تريد ؟! :

صرحت إيران في أكثر من مناسبة أنها تسعى لكي تصبح دولية إقليمية كبرى ذات نفوذ متحكم في المنطقة , وأنه ينبغي على "الآخر" الأمريكي أو غيره أن يتعامل مع إيران من هذا المنطلق .

وهي في سبيل تحقيق طموحها هذا, ونظرًا للحالة المتردية للاقتصاد والتي لا تساعد على نموها طبيعيًا بين جيرانها لتأخذ مكانها الذي تتيحه لها إمكانياتها لجأت إلى عدة وسائل بديلة :

أولاً : الملف النووي, وهو كخطوة أولية يمكن أن يحقق لها قدرًا من القوة الذاتية في مواجهة الآخر الإقليمي الذي يفتقد مثل هذه التكنولوجيا, ومن ثم يكون لإيران اليد الطولى في المنطقة كقوة كبرى وسط بحر من الأقزام, ثم بعد سنوات سيكون الحديث عن قوة عسكرية نووية يمكن أن تهدد ليس فقط الجوار الإقليمي, بل ما هو أبعد من ذلك.

كما أن الحديث المتزايد والدراسات الأكاديمية التي تشير إلى نضوب النفط الإيراني خلال 25 عامًا, ستعطي انطباعًا إضافيًا عما يشكله هذا الملف من أهمية بالغة حتى في شقه السلمي في منظور صانع القرار الإيراني .

ثانيًا : إقامة تحالف مناوئ للولايات المتحدة في المنطقة وخارجها, فهي قد مدت ذراعها تجاه سوريا واختطفتها رغبة ورهبة من أحضان العرب وأفشلت المحور الثلاثي العربي (مصر/ السعودية/ سوريا) الذي ظل حتى فترة قريبة ركيزة أي عمل عربي مشترك حتى وإن بدا في صورة مرتعشة قليلة الفاعلية, ولكنه كان يشعر بأن ثمة حياة في أوصال النظام العربي .

وراحت سوريا تستقوي بهذا الظهير الفارسي في مواجهة الضغوطات والإملاءات الأمريكية, وأظهرت قدرًا من الممانعة ما كان لها أن تكون لولا الاستناد إلى هذا الركن .

ثالثًا : إضافة إلى حالة الاختطاف الطوعي لسوريا, ثمة محاولات من قبل إيران لإقامة حفل اختطاف لدولتين عربيتين أخريين لوضع نواة دولة فارس ..

ففي لبنان تعتمد بصور أساسية على رافعة حزب الله للسيطرة على مفاصل وأركان العملية السياسية بعد السيطرة على قرار الحرب, وليس بعد ذلك دولة طالما أن جماعة حزب الله تملك قرار الحرب وقرار السياسة, وهي المحاولة التي حتى الآن تجد ممانعة داخلية قوية إلى حد ما من قبل تيارات استشرفت المستقبل الذي تريد أن تصنعه إيران بالأداة المتحركة (حزب الله).

والحديث عن العراق أظهر وأوضح, فقد وضعت إيران قدمها في أركان البلد المترنح ونشبت أظافرها الممثلة في حزب الدعوة الشيعي وغيره من الميليشيات التي خطفت العراق من العرب والأمريكان لصالح حكم الملالي في إيران .

هي إذن قوة طموحة إقليميًا, لديها مشروعها الثوري العقدي الذي تسعى لبسطه ونشره, وترتكز في ذلك على تقدم في المجال النووي من ناحية, وتمد ذراعها تختطف دول الجوار واحدة تلو الأخرى في مسعى لإمبراطورية تحقق المشروع وتحرسه من ناحية أخرى .

ثلاثية الأمن القومي الأمريكي في مرمى النيران الإيرانية :

هذا الوضع الإيراني شكّل خطرًا داهمًا على الثلاثية التي تشكّل مرتكزات الأمن القومي الأمريكي في المنطقة, وبات يهددها في الصميم, وهو ما يشكل خطًا أحمر لدى صانع القرار الأمريكي في البيت الأبيض.

الخطر الأول : يتمثل في تهديد منطقة الخليج العربي وقلب التوازنات فيها, وهي المنطقة الأساس في تصدير النفط للولايات المتحدة, وأية قوى تهدد الحسابات والتوازنات في المنطقة تهدد بلا شك مصادر النفط, ومن ثم تلمس وترًا حساسًا للولايات المتحدة الأمريكية .

الخطر الثاني : يتمثل في تآكل مصداقية الولايات المتحدة في المنطقة ولدى حلفائها التقليديين الذين وضعوا توقيعهم على اتفاق ضمني ببقائهم في مناصبهم مقابل تأمين المصالح الأمريكية في المنطقة, وهي بدورها تحفظ أمن تلك الأنظمة من أي اعتداء خارجي .

ولاشك أن إيران النووية ستفكك هذا الاتفاق الضمني, وستسعى كل دولة حينها للبحث عن مصادر أخرى لتأمين نفسها من الخطر النووي المتصاعد, ومن غير المستبعد تمامًا أن تلجأ للحصول على أسلحة نووية رادعة, كما بدا من خطابات بعض العواصم العربية في الآونة الأخيرة .

الخطر الثالث يتمثل في الحفاظ على أمن الربيبة "إسرائيل", وثمة شكوك واسعة أن يتقاطع المشروع الصفوي مع المشروع الفارسي, ما يقود إلى مواجهة ساخنة وشاملة, ولكن يكمن الخطر الحقيقي في ناحيتين :

*الأولى : في إقدام بعض الدول العربية على تبنى مشروع نووي مماثل للمشروع الإيراني لحفظ أمنه, وهو ما يعني حدوث خلل استراتيجي في ميزان القوة في المنطقة لغير صالح "إسرائيل", خاصة إذا كانت الإشارات منبعثة من دول الجوار التي تحتفظ بعداوة على الأقل شعبية مع "إسرائيل" ولها قدرات عسكرية متنوعة جديرة بالاعتبار عند أية مواجهة مع "إسرائيل".

* الثانية : إحداث تآكل واندثار في "هيبة" الردع الإسرائيلية من خلال مناوشات, كالتي حدثت في صيف العام الماضي بين حزب الله و"إٍسرائيل", وهي التي ربما تتكرر مع الذراع ذاته أو مع أذرع أخرى لإيران في المنطقة .

تستشعر الولايات المتحدة إذن الخطر الذي يمكن أن تشكله دولة نووية لها تطلعاتها التوسعية ومشروعها العقدي ومناوئة لطموحاتها في منطقة الخليج على أمنها القومي بإبعاده الثلاثة المحورية في المنطقة.

الولايات المتحدة واستراتيجيات المواجهة :

بصورة تقاربية نجد أن الولايات المتحدة وضعت استراتيجيتين متوازيتين في مواجهة الصعود الإيراني في المنطقة :

الاستراتيجية الأولى قائمة على تأمين مصالحها ومصالح حلفائها في المنطقة من خلال الوجود العسكري الكثيف, الذي ظهر جليًا في حاملات الطائرات المرابطة في الخليج, ونشر صواريخ مضادة للصواريخ الإيرانية في المنطقة, وزيادة عدد القوات البرية تحسبًا لأية حماقة إيرانية, وتعيين الأدميرال وليام فالون المتمرس في المواجهات العسكرية البحرية على رأس القيادة الوسطى بالجيش الأمريكي, وهو ما يوحي باعتزام واشنطن التصعيد مع إيران بالحصار البحري, وتأمين المنافذ البحرية اللازمة لعبور النفط.

وربما الزيارة التي قامت بها وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس لدول الخليج الست إضافة إلى مصر والأردن و"إسرائيل" مؤخرًا, وهي الزيارة التي قالت: إنها من دون أجندة أو أطروحات جديدة انصبت في غالبها على طمأنة هذه الدول وانضوائها تحت المظلة الأمنية الأمريكية, إضافة إلى كسب التأييد لاستراتيجية بوش في العراق, والتي هي جزء لا يتجزأ من استراتيجية المواجهة مع إيران.

الاستراتيجية الثانية قائمة على مواجهة التصاعد الإيراني في المنطقة, ويدور رحاها على محورين أساسيين :

- المحور الأول : تقليص النفوذ الإيراني وتقليم أظافره عنوة, وهو ما بدا في مداهمة القوات الأمريكية ما وصفته إيران بأنه قنصلية لها في أربيل واحتجاز خمسة من رعاياها, وقد صرحت رايس حينها أن العملية جاءت من الرئيس بوش الذي أمر بملاحقة الوجود الإيراني في العراق. وقبل ذلك كانت القوات الأمريكية قد احتجزت بعض الدبلوماسيين الإيرانيين أثناء زيارة لهم لبغداد بدعوى قيامهم بأعمال مشبوهة.

- المحور الثاني : خنق إيران وإجهاض تجربتها النووية بالحصار والعقوبات المتدرجة, والمتنوعة, وهو ما حمله بين طياته قرار مجلس الأمن رقم 1737، الذي طالب كافة الدول "بمنع تسليم إيران، أو بيعها، أو التحويل إليها مباشرة، أو بصورة غير مباشرة أية معدات أو تجهيزات أو تكنولوجيا يمكن أن تسهم في نشاطات إيران في المجالين النووي والبالستي". ويحدد قرار مجلس الأمن هذه الأنشطة "حصرًا" بتخصيب اليورانيوم وإعادة معالجته، والمشاريع المرتبطة بالمحركات العاملة بالمياه الثقيلة، وتطوير صواريخ معدة لحمل رءوس نووية".

هذا التوجه الاستراتيجي أكده مسئول أمريكي صرّح لجريدة الحياة اللندنية بتاريخ 18/1/2007 بأن رايس ناقشت خلال جولتها الأخيرة التي شملت دول الخليج العربي اتخاذ خطوات تصعيدية دبلوماسيًا واقتصاديًا للضغط على طهران.

إذن ستزيد الولايات المتحدة من خناقها ومحاصرتها للنظام الإيراني الذي يعاني اقتصاده أصلاً من اختلالات هيكلية كثيرة لإعاقة تقدمه النووي, ولدفعه إلى الارتخاء والتفاوض, وهي الإشارة التي دائمًا ما تبعث بها رايس من وجود قابلية أمريكية للتفاوض مع إيران, ولكن دون رفع سقف الطموحات والتوقعات أو المساس بما هو خط أحمر في السياسية الأمريكية, ودون ليّ الذراع واستخدام العراق أو لبنان كأوراق مساومة, وإنما تنصب المفاوضات على الملف النووي.

هل ثمة مواجهة عسكرية قادمة بين الملالي والمحافظين ؟! :

يذكّرنا هذا الوضع بما كان عليه الأمر قبل الحشد العسكري الذي جمعته الولايات المتحدة لمواجهة النظام العراقي في عامي 1991, 2003, وقد يكون صحيحًا أن الوضع الراهن اختلف جملة وتفصيلاً عما كان, ولكن الأمن الأمريكي بقي كما هو لم يختلف ولم يتغير, والحفاظ عليه قد يكون بلون الدم إن لم توجد طاولة المفاوضات .

ولكن في العموم الولايات المتحدة قد يكون من الصعب عليها أن تخوض مواجهة عسكرية مباشرة مع إيران لعدة أسباب :

1ـ الكلفة الباهظة التي يمكن أن تدفعها في هذه المواجهة بصورة آنية ومستقبلية؛ لأن قواتها المتمركزة في المنطقة لن تكون بمنأى عن اليد الإيرانية التي طالت تلك القوات في مدينة الخبر السعودية عام 1996.

2ـ الكلفة السياسية الغالية في الأعوام الأخيرة لولاية جورج بوش وفي ظل كونجرس معارض لتوجهات عصبة المحافظين الجدد, ورأي عام تتزايد فيه مشاعر الغضب والكراهية للمغامرات العسكرية الخارجية التي لا تجلب له الأمن بل على العكس من ذلك.

3ـ صعوبة تكون رأي عام وحلف دولي كالذي تشكل إبان حرب العراق الأولى والثانية خاصة مع الرفض الفرنسي والألماني والصيني والروسي لأية مغامرات تضر وتتجاوز مصالحهم في المنطقة.

4ـ تملك إيران أن تصعد من عناء الولايات المتحدة في العراق من خلال تأليب الشيعة ودفعهم إلى القيام بعمليات مواجهة مجهضة للوجود الأمريكي هناك, ومن ثم تقع القوات فريسة بين فكي السنة والشيعة.

هذه الأسباب وغيرها قد تشكل إعاقة نسبية للمغامرة العسكرية الأمريكية ضد إيران, أو تجعلها خيارًا أخيرًا, ولكن إن لم تنثنِ إيران وتكف عن العبث بعصب الحياة الأمريكية في الخليج فإن حرب الوكالات قد تكون خيارًا مناسبًا لواشنطن, لتحجيم وتقزيم المتعملق الإيراني, ولن تعدم من يقوم بهذا الأمر, وإن لم يكن فما ليس منه بد لابد منه.