حيلة لعدي بن أوس على عدي بن زيد

فقال عديّ بن مرينا للأسود:
« وإذا لم تظفر، فلا تعجز أن تطلب بثأرك من هذا المعدّى الذي عمل بك ما عمل. فقد كنت أخبرك أنّ معدّا لا ينام مكرها، وأمرت أن تخالفه فعصيتني. » قال: « فما تريد؟ » قال: « أريد أن لا تأتيك فائدة من مائك وأرضك إلّا عرضتها عليّ. » ففعل. وكان ابن مرينا كثير المال واسع الضيعة. فلم يمرّ به يوم إلّا بعث فيه إلى النعمان هديّة أو تحفة. فلمّا توالى ذلك وكثر عند النعمان هدايا ابن مرينا صار من أكرم الناس عليه، وكان لا يقضى في ملكه شيئا إلّا بأمر ابن مرينا، وكان إذا ذكر عديّ بن زيد عنده أحسن ابن مرينا الثناء عليه، وذكر فضله وقال:
« إنّه لا يصلح المعديّ إلّا أن يكون فيه مكر وخديعة. » فلمّا رأى من يطيف بالنعمان منزلة ابن مرينا عنده، لزموه وتابعوه، فجعل يقول لمن يثق به من أصحابه:
« إذا رأيتمونى أذكر عديّ بن زيد عند الملك بخير، فقولوا: إنّه لكما يقول، ولكنّه لا يسلم عليه أحد، وإنّه يقول: إنّ الملك - يعنى النعمان - إنّما هو عامله، وإنّه هو الذي ولّاه ما ولّاه. » ولم يزالوا بهذا وأشباهه، حتى أضغنوه عليه. ثم إنّهم كتبوا كتابا عن عديّ إلى قهرمان كان له، ودسّوا له حتى أخذ الكتاب، وأتى به النعمان، فقرأه وأغضبه.
فأرسل إلى عديّ بن زيد:
« عزمت عليك إلّا زرتنى، فإني قد اشتقت إليك. » وهو عند كسرى.
فاستأذن كسرى، فأذن له. فلمّا أتاه، لم ينظر إليه، حتى حبس في محبس لا يدخل عليه فيه أحد. فجعل عديّ بن زيد يقول الشعر، ويبلغه النعمان، وكان أوّل ما قاله في السجن:
ليت شعري عن الهمام ويأتي ** ك بخبر الأنباء عطف السّؤال
وقال أشعارا كثيرة، وكان كلما قال عديّ من الشعر شيئا بلغ النعمان وسمعه، فندم على حبسه إيّاه، وعلم أنّه كيد فيه. فكان يرسل إليه، ويعده ويمنّيه، ويفرق أن يرسله فيبغيه الغوائل. فلمّا طال سجن عديّ وأعياه التضرّع إلى النعمان بالأشعار التي يستعطفه فيها مرّة ويخبره فيها بما كيد به مرّة، ومرّة يذكّره بالموت، ويخبره بهلاك من هلك قبله، كتب إلى أخيه أبيّ وهو مع كسرى:
أبلّغ أبيّا على نأيه ** فهل ينفع المرء ما قد علم
بأنّ أخاك شقيق الفؤا ** د كنت به واثقا ما سلم
لدى ملك موثق في الحدي ** د إمّا بحقّ وإمّا ظلم
فلا أعرفنك كذات الغلا ** م ما لم تجد عارما تعترم
فأرضك أرضك إن تأتنا ** تنم نومة ليس فيها حلم
فكتب إليه أخوه:
إن يكن خانك الزّمان فلا عا ** جز قوم ولا ألفّ ضعيف
ويمين الإله لو أنّ جأوا ** ء طحونا تضيء فيها السيوف
ذات رزّ مجتابة غمرة المو ** ت صحيح سربالها مكفوف
كنت في حميها لجئتك أسعى ** فاعلمن لو سمعت إذ تستضيف
إن تفتني والله ألف جزوعا ** لا يعفّيك ما يصوت الخريف
فلعمري لئن جزعت عليه ** لجزوع على الصّديق أسوف
ولعمري لئن ملكت عزائى ** لقليل شرواك في ما أطوف
كسرى يكتب في إرسال عدي وعدي يقتل

ويقال: إنّ عديّا لما كاتب أبيّا، قام أبيّ، فدخل على كسرى، فكلّمه، فكتب له وبعث معه رجلا، وأذن له في المسير لاستنقاذ أخيه. فكتب خليفة النعمان المقيم بباب الملك إليه أنّه: قد كتب إليك في أمر عديّ. فأتاه أعداء عديّ من غسّان، فأشاروا على النعمان بقتل عديّ.
وقالوا: « افرغ منه الساعة. » فأبى عليهم، وجاء الرجل، وكان تقدّم أخو عديّ إليه فرشاه، وأمره أن يبدأ بعديّ. فدخل عليه وهو محبوس وكان قال له:
« ابدأ بالدخول إليه في الحبس فانظر ما يأمرك به. » فلمّا دخل الرسول على عديّ قال له:
« إني قد جئتك بإرسالك فما عندك؟ » قال: « عندي الذي تحبّ. » ووعده، وسأله ألّا يخرج من عنده، وقال:
« أعطنى الكتاب حتى أرسل به أنا، فإنّك إن خرجت من عندي، قتلت. » فقال الرسول: « لا أستطيع إلّا أن آتى النعمان بالكتاب فأوصله بنفسي إليه. »
فانطلق مخبر، فأتى النعمان، فقال:
« إنّ رسول كسرى قد دخل على عديّ وهو ذاهب به، وإن فعل لم يستبق منّا أحدا، ولم تنج أنت ولا غيرك. » فبعث إليه النعمان بأعدائه، فغمّوه حتى مات، ثم دفنوه.
ودخل الرسول على النعمان بالكتاب.
فقال: « نعم وكرامة وسمعا وطاعة. » وبعث إلى الرسول بأربعة آلاف مثقال ذهبا، وجارية، وقال له:
« إذا أصبحت فادخل عليه وأخرجه أنت بنفسك. » فلما أصبح ركب، فدخل السجن، فقال له الحرس:
« إنّه قد مات منذ أيام، فلم نجترئ على أن نخبر الملك النعمان فرقا منه، لعلمنا بكراهيته لذلك. » فرجع الرسول إلى النعمان فقال:
« إني كنت بدأت به، فدخلت إليه وهو حيّ. » فقال النعمان: « يبعثك الملك إليّ فتدخل إليه قبلي! كذبت ولكنّك أردت الرشوة والخبث. » وتهدّده. ثم إنه استدعاه بعد ذلك، وزاده جائزة وكسوة، وأكرمه واستوثق منه أن لا يخبر الملك، إلّا أنّه قد مات قبل أن يقدم عليه. فرجع الرسول إلى كسرى، فقال:
« إنه مات قبل أن أدخل عليه. »