









إرسال المغيرة بن شعبة إلى الفرس
فلما اجتمعوا بنهاوند أرسل إليهم الفرس أن: أرسلوا رجلا نكلّمه. فأرسلوا المغيرة بن شعبة.
فلما رجع سألوه عما جرى.
فقال: وجدت العلج قد استشار أصحابه: « بأى شيء تأذنون لهذا العربيّ، بالشارة والبهجة أو بتقشّف له؟ » فاجتمع رأيهم على أفضل ما يكون من الشارة والعدّة. فتهيّأوا بها. فلمّا أتيناهم كادت تلك الحراب والنيازك يلتمع منها البصر، وإذا هم على رأسه مثل الشياطين، وإذا هو على سرير من ذهب، على رأسه التاج.
قال: فمضيت كما أنا، ونكّست رأسى. فدفعت، ونهيت.
فقلت: « الرسل لا يفعل بهم هذا! » فقالوا: « إنّما أنت كلب. » فقلت: « معاذ الله، لأنا في قومي أشرف من في قومه ».
فانتهرونى وقالوا: « اجلس! ». فأجلسوني، ثم قال - وترجم لي قوله -:
« إنّكم معشر العرب أبعد الناس من كلّ خير، أطول الناس جوعا، وأشقاهم شقاء، وأقذرهم قذرا، وأبعدهم دارا، وما منعني أن آمر هؤلاء الأساورة حولي أن ينتظموكم من النشاب بمثل شوك القنفذ، إلّا تنجّسا لجيفكم، فإنّكم أرجاس. فإن تذهبوا نخلّ عنكم، وإن تأبوا، نركم مصارعكم. »
قال: فحمدت الله وأثنيت عليه، ثم قلت:
« والله، ما أخطأت من صفتنا شيئا. إن كنّا لكذلك، حتى بعث الله إلينا رسولا، فوعدنا النصر في الدنيا، والجنّة في الآخرة. فوالله ما زلنا نتعرّف من ربّنا، منذ جاء رسوله، الفتح والنصر حتى أتيناكم. وإنّا والله لا نرجع إلى ذلك الشقاء أبدا، حتى نغلبكم على ما في أيديكم، أو نقتل بأرضكم. » فقال: « والله لقد صدقكم الأعور ما في نفسه. »
فقمت وقد أرعبت العلج. فأرسل إلينا العلج:
« إمّا أن تعبروا إلينا، وإما أن نعبر إليكم. »
فقال النعمان: « اعبروا ».
وكانوا قد انتهوا إلى الإسبيذهان وهم وقوف دون وادي خرد على تعبيتهم، وأمرهم إلى الفيرزان، وقد جعل بهمن جاذويه مكان ذي الحاجب، فهو على مجنبته، وقد توافى إليه كلّ من غاب عن القادسية والأيّام من أهل الثغور، وأمرائها، وأعلامهم. وأنشب النعمان بعد ما حطّ الأثقال وضرب الفسطاط القتال، فاقتتلوا يوم الأربعاء ويوم الخميس وهم كأنّهم جبال الحديد، وقد تواثقوا ألّا يفرّوا من العرب وألقوا حسك الحديد خلفهم وقالوا: من فرّ منّا عقره حسك الحديد.
فقال المغيرة حين رأى كثرتهم: « لم أر كاليوم فشلا، إن عدوّنا يتركون يتأهّبون لا يعجلون، أم والله لو أنّ الأمر إليّ لأعجلتهم ».
وكان النعمان رجلا ليّنا، فقال: « قد كان الله يشهدك أمثالها، فلا يخزيك. إنّه والله ما منعني من المناجزة إلّا شيء شهدته من رسول اللهإذا غزا فلم يقاتل أول النهار، ولم يعجل حتى تحضر الصلاة وتهبّ الأرواح ويطيب القتال، فما منعني إلّا ذلك. اللهمّ إني أسألك أن تقرّ عيني بفتح يكون فيه عزّ الإسلام وذلّ الكفار، ثم اقبضنى إليك على الشهادة. ائمنوا يرحمكم الله. »
فأمنّا وبكينا. ثم أقدم بعد الصلاة للقتال.
قال: ولمّا كان يوم الجمعة انجحروا في خنادقهم، وذلك لما رأوا صبرنا أنّا لا نبرح العرصة فصبروا معنا. ثم إنّهم لم يصبروا، فحصرهم المسلمون، فأقاموا عليهم ما شاء الله، والفرس بالخيار لا يخرجون إلّا إذا أرادوا. فاشتدّ ذلك على المسلمين حدّا، وخافوا أن يطول أمرهم.
ذكر آراء صح أحدها على طريق المكيدة
حتى إذا كان ذات يوم في جمعة من الجمع، تجمّع أهل الرأي من المسلمين، فتكلّموا، وأتوا النعمان، وقالوا: « نراهم بالخيار والقوّة ».
وهو يروّى فيما روّوا فيه. فقال: « على رسلكم، لا تبرحوا ».
وبعث إلى من بقي من أهل النجدات والرأي في الحرب، فتوافوا إليه.
فتكلّم النعمان فقال:
« قد ترون المشركين واعتصامهم بالحصون من الخنادق والمدائن، وأنّهم لا يخرجون إلّا إذا شاءوا، ولا يقدر المسلمون على إنغاضهم وابتعاثهم قبل مشيئتهم، وقد ترون الذي فيه المسلمون من التضايق الذي هم فيه وعليه من الخروج. فما الرأي الذي به نحمشهم ونستخرجهم إلى المنابذة وترك التطويل؟ »
فتكلّم عمرو بن أبي سلمى وكان أسنّ القوم، فقال: « التحصّن أشدّ عليهم من المطاولة عليكم، فدعهم ولا تحرجهم وطاولهم وقاتل من أتاك منهم. »
فردّوا جميعا رأيه، وقالوا: « إنّا على يقين من إنجاز ربّنا وعده لنا. »
وتكلّم عمرو بن معدى كرب، فقال: « ناهدهم ولا تخف وكاثرهم. »
فردّوا جميعا عليه رأيه، وقالوا: « إنما نناطح الجدران. »
http://mgtrben.net/viewimages/e69639c596.jpg
مطلوب للأنتربول الدولي خرج تسلموني
الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)
مواقع النشر (المفضلة)