









وانطلق عبيد الله بن عباس إلى اليمن. فجمع يعلي بن أميّة كلّ ما كان جباه، وخرج وسار على حاميته إلى مكة، فقدمها بالمال.
فدعا عليّ طلحة والزبير فقال: « إنّ الذي كنت أحدّثكم به قد وقع، وإنّما هي فتنة كالنار، كلما سعّرت ازدادت واستثارت. » فقالا له: « ائذن لنا نخرج من المدينة. » فقال: « سأمسك الأمر ما استمسك، فإذا لم أجد بدّا فآخر الداء الكيّ. » وكتب إلى أبي موسى، وهو بالكوفة، وإلى معاوية، وهو بالشام. فأمّا أبو موسى فكتب إليه بطاعة أهل الكوفة، وبيّن الكاره منهم لما كان، والراضي بما كان، حتى كان عليّ على الواضحة من أمر أهل الكوفة. وأمّا معاوية فلم يكتب بشيء، ولم يجب الرسول، وجعل يردّده. وكان كلّما تنجّزه تمثّل بشعر لا يحصل منه على بيّنة، حتى أحكم أمر نفسه، وواطأ من أراد. وأتى على الرسول ثلاثة أشهر. ثم دعا بأحد ثقاته، ووصاه، ودفع طومارا مختوما إليه، عنوانه: « من معاوية إلى عليّ. »
وقال: « إذا دخلت المدينة فاقبض على أسفل الطومار ليقرأ الناس العنوان. » ثم أوصاه بأشياء يفعلها، ويقولها، وسرّح رسول عليّ معه.
فلما دخلا المدينة رفع رسول معاوية الطومار، فتفرّق الناس إلى منازلهم وقد علموا أنّ معاوية ممتنع، ومضى الرسول حتى دخل على عليّ، فدفع إليه الطومار، ففضّ خاتمه، فلم تجد في جوفه كتابا.
فقال للرسول: « ما وراءك؟ » قال: « آمن أنا؟ » قال: « نعم، لعمري إنّ الرسل لآمنة. » قال: « ورائي أنى تركت قوما لا يرضون إلّا بالقود. » قال: « ممن؟ » قال: « من خيط رقبتك، ولقد تركت ستين شيخا يبكى تحت قميص عثمان وهو منصوب لهم، قد ألبسوه منبر دمشق. » فقال: « منى يطلبون دم عثمان، ألست موتورا كترة عثمان؟ اللهمّ إني أبرأ إليك من دم عثمان، نجا والله قتلة عثمان إلّا أن يشاء الله، فإنّه إذا أراد أمرا أمضاه، اخرج. » قال: « وأنا آمن؟ » قال: « وأنت آمن. » فخرج وصاحب السبائية واقف، فقالوا: « هذا الكلب وافد الكلاب، اقتلوه. » فنادى: « يا آل مضر، يا آل قيس، الخيل والنبل! أحلف بالله ليردّنّها عليكم أربعة آلاف خصيّ، فانظروا كم الفحولة والركّاب. »
فتغاووا عليه، ومنعته مضر، وجعلوا يقولون له: « اسكت لا أبا لك. » فيقول: « والله، لا أسكت، فلقد أتاهم ما يوعدون. » فيقولون له: « اسكت. » فيقول: « لقد حلّ بهم ما يحذرون، انتهت والله أعمارهم، ذهبت والله ريحهم. » ولم يزل بذلك حتى تبيّن الذلّ فيهم، وتمّ لمعاوية تدبيره هذا.
علي يدبر لقتال أهل الفرقة بالشام
واستأذن طلحة والزبير في العمرة، فأذن عليّ لهما، فلحقا بمكة، وأحبّ أهل المدينة [ أن يعلموا ] ما رأى عليّ في معاوية وانتقاضه، ليعرفوا بذلك رأيه في قتال أهل القبلة، أيقدم عليه، أم يجزع منه. وكان بلغهم أنّ الحسن ابنه دخل عليه، وحذّره، ودعاه إلى القعود وترك الناس. فدسّوا زياد بن حنظلة التميمي، وكان منقطعا إلى عليّ، فدخل عليه وجلس إليه ساعة. ثم قال له عليّ: « يا زياد، تيسّر. » قال: « لأيّ شيء؟ » قال: « لغزو الشام. » قال زياد: « الأناة والرفق أمثل »، وقال:
ومن لا يصانع في أمور كثيرة ** يضرّس بأنياب ويوطأ بمنسم
فتمثّل عليّ وكأنّه لا يريده:
متى تجمع القلب الذكيّ وصارما ** وأنفا حميّا تجتنبك المظالم
فخرج زياد على الناس وهم ينتظرونه، فقالوا:
« ما وراءك؟ » قال: « السيف يا قوم. » فعرفوا رأى عليّ.
ودعا عليّ محمد بن الحنفية، فدفع إليه اللواء، وولّى عبيد الله بن عباس، ميمنته، وعمر بن أبي سلمة ميسرته، وجعل على مقدمته عمر بن الجرّاح ابن أخي أبي عبيدة بن الجراح، ولم يولّ أحدا ممن خرج على عثمان.
واستخلف على المدينة قثمّ بن العباس، وكتب إلى أبي موسى، وإلى قيس بن سعد، وإلى عثمان بن حنيف أن يندبوا الناس إلى الشام، وأقبل يتجهّز، وخطب الناس، فدعاهم إلى النهوض، وحضّهم على قتال أهل الفرقة.
ابتداء وقعة الجمل
طلحة والزبير يريدان البصرة للإصلاح
فبينا هو على ذلك، إذ أتاه من مكة عن عائشة أمّ المؤمنين وطلحة والزبير شيء آخر بخلاف ما هو فيه. ثم أتاه عنهم أنّهم يريدون البصرة للإصلاح. فقال: « إن فعلوا فقد انقطع نظام المسلمين، وما كان عليهم في المقام [ فينا مؤونة ] ولا إكراه. » فتعبّأ للخروج نحوهم، وخطب وندب الناس، فتثاقلوا.
ولما رأى زياد بن حنظلة تثاقل الناس على عليّ انتدب وقال: « من تثاقل عنك يا أمير المؤمنين، فإنّا نقاتل معك ونخفّ بين يديك ما حملت أيدينا سيوفنا. » وأجابه رجلان من أعلام الأنصار.
http://mgtrben.net/viewimages/e69639c596.jpg
مطلوب للأنتربول الدولي خرج تسلموني
الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)
مواقع النشر (المفضلة)