وقال شريح بن أوفى: « أبرموا أموركم، ولا تؤخّروا أمرا ينبغي لكم تعجيله، ولا تعجّلوا أمرا ينبغي لكم تأخيره، فإنّا عند الناس بشرّ المنازل، فلا أدري ما الناس صانعون غدا إذا هم التقوا. » وتكلّم عبد الله بن السوداء فقال: « يا قوم، إنّ عزّكم في خلطة الناس، فصانعوهم. وإذا التقى الناس غدا فأنشبوا القتال، ولا تفرّغوهم للنظر الطويل. فإنّ من أنتم معه لا يجد بدّا من أن يمتنع ويشغل الله عليّا وطلحة والزبير، ومن رأى رأيهم، عما تكرهون، فأبصروا الرأي وتفرّقوا عليه والناس لا يشعرون. » وأصبح عليّ على ظهر. فمضى ومضى الناس حتى انتهى إلى عبد القيس فنزل بهم والناس يتلاحقون به وقد قطعهم. ولما بلغ أهل البصرة نزول عليّ حيث نزل اجتمعوا إلى طلحة والزبير، وأشاروا عليهما أن يبعثا خيلا فتبيّت عليّا قبل أن يجتمع الناس إليه. فنهى الزبير وقال: « نرجو الصلح، وقد رددنا وافدهم - يعنى القعقاع - على أمر، وأرجو أن يتمّ. » فقام ضبرة بن شيمان إلى طلحة فقال: « يا طلحة! أيتهزّأ بنا هذا الرجل؟ إنّ الرأي في الحرب خير من الشدّة. » فقال: « يا ضبرة! إنّا وهم مسلمون، وهذا أمر حدث، ولم يكن قبل اليوم، ولسنا ننتظر نزول قرآن فيه، ولا فيه من رسول الله سنّة، وهو عليّ ومن معه. » فأما أصحاب عليّ فتحركوا. وقام عليّ فقال: « إنّ الذي ندعو إليه من إقرار هؤلاء هو شرّ، وهو خير من شرّ منه وهو كامن، وقد كاد يبين لنا، وجاءت الأحكام من المسلمين بإيثار أعمّهما منفعة وأحوطهما. » وأقبل كعب بن سور، فقال: « ما تنتظرون يا قوم بعد تورّدكم أوائلهم؟ اقطعوا هذا من العنق. فقالوا: « يا كعب! إنّ هذا أمر بيننا وبين إخواننا، وهو أمر ملتبس، وإنّ الشيء يحسن عندنا اليوم، ويقبح عند إخواننا. فإذا كان من الغد قبح عندنا وحسن عندهم، وإنّا لنحتجّ عليهم بالحجة، فلا يرونها حجة، ثم يحتجون بها على أمثالنا. ونحن نرجو الصلح إن أجابونا إليه، وإلّا فإنّ آخر الداء الكيّ. »
ذكر فتوى لعلي بن أبي طالب في تلك الحال

وقام إلى عليّ جماعة من أهل الكوفة يسألونه عن إقدامهم على القوم، وسألوه: ما الذي يرى.
فقال عليّ: « الإصلاح وإطفاء النائرة، لعلّ الله يجمع شمل هذه الأمة بنا، ويضع حربهم. فقد أجابونى. » قالوا: « فإن لم يجيبوا؟ » قال: « تركناهم ما تركونا. »
قالوا: « فإن لم يتركونا؟ » قال: « دفعناهم عن أنفسنا. » وقام إليه أبو سلامة الدلاني فقال: « أترى لهؤلاء القوم حجّة في ما اجتمعوا له وطلبوه من هذا الدم؟ » قال: « نعم. » قال: « فترى لك حجّة بتأخيرك ذلك؟ » قال: « نعم، إنّ الشيء إذا كان لا يدرك، فالحكم فيه أحوطه وأعمّه نفعا. » فقال: « ما حالنا وحالهم إن ابتلينا غدا؟ » قال: « إني لأرجو ألّا يقتل أحد منّا ومنهم تقيّ قلبه لله بما يصنع، إلّا دخل الجنة. »
علي يخطب سائلا كف الألسن والأيدى

وقام عليّ فخطب وقال: « أيها الناس! كفّوا ألسنتكم عن هؤلاء وأيديكم، فإنهم إخوانكم، وإياكم أن تسبقونا. فإنّ المخصوم من خصم اليوم. »
ثم ارتحل على تعبئة، حتى إذا أطلّ على القوم بعث إليهم: « إن كنتم على ما فارقتم القعقاع بن عمرو، فكفّوا حتى ننزل وننظر في هذا الأمر. »
فأقاموا ثلاثة أيام لم يكن بينهم قتال.
قال: فكنّا نرسل إليهم وندعوهم. وبعث عليّ تلك العشيّة عبد الله بن عباس إلى طلحة والزبير. وبعثا هما من العشيّ محمد بن طلحة إلى عليّ وأن يكلّم كل واحد صاحبه.
فأرسل عليّ إلى رؤساء أصحابه ما خلا أولئك الذين ساروا إلى عثمان، وأرسل طلحة والزبير إلى رؤساء أصحابهما وباتوا على الصلح بليلة لم يبيتوا بمثلها سرورا بالعافية مما أشرفوا عليه، وبات الذين أثاروا أمر عثمان بشرّ ليلة باتوها قطّ، قد أشرفوا على الهلكة، وجعلوا يتشاورون ليلتهم كلها حتى اجتمعوا على إمضاء ما كانوا همّوا به من إنشاب الحرب في السرّ، واستسرّوا به خوفا من أن يفطن لهم. فغدوا مع الغلس وما يشعر بهم. فانسلّوا انسلالا وعليهم ظلمة. فخرج مضريّهم إلى مضريّهم، وربعيّهم إلى ربعيّهم، ويمانيّهم إلى يمانيّهم، فوضعوا فيهم السلاح، فتنادى أهل البصرة، وثار كلّ قوم في وجوه أصحابهم الذين نهنهوهم. وخرج طلحة والزبير، ووجوه الناس من مضر، وبعثا إلى الميمنة والميسرة فعبّوهما، وقالا: « ما هذا؟ » قالوا: طرقنا أهل الكوفة ليلا. فقالا: « قد علمنا أنّ عليّا غير منته حتى يسفك الدماء ويستحلّ الحرمة، وأنه لن يطاوعنا. »
ورجعا بأهل البصرة [ وقصف أهل البصرة أولئك ] حتى ردّوهم إلى عسكرهم. فسمع عليّ وأهل الكوفة الصوت. وقد كان ابن السوداء، والأشتر، وأصحابهما قد وضعوا رجلا قريبا من عليّ، ووصّوه بما يريدون. وقالوا: « إذا سمعت عليّا يسأل عن الخبر، فتقدّم وقل كيت وكيت. » فلما قال علي: « ما هذا؟ » قال ذلك الرجل: « ما فجئنا إلّا وقوم منهم قد بيّتونا، فرددناهم من حيث جاءوا، فوجدنا القوم على رجل فركبوا وثار الناس. » وقال عليّ لصاحب ميمنته: « ايت الميمنة. » وقال لصاحب ميسرته: « ايت الميسرة. » وقال: « فلقد علمت أن طلحة والزبير غير منتهيين حتى يسفكا الدم ويستحلّا الحرمة، وأنهما لن يطاوعانا. » والسبائية لا تفتر [ إنشابا ].
فنادى عليّ: « يا أيها الناس كفّوا، فلا شيء! » وكان يحبّ أن يبدأ لتكون الحجّة على القوم.
وخرج الأحنف بن قيس وبنو سعد مشمّرين قد بعثوا حرقوص بن زهير إلى عليّ، فقال:
« يا عليّ، إنّ قومنا بالبصرة يزعمون أنك إن ظهرت عليهم غدا، إنّك تقتل رجالهم وتسبى نساءهم. » فقال: « ما مثلي يخاف هذا منه. فهل أنت مغن عني قومك؟ » قال: « نعم. واختر مني واحدا من اثنين: إما أن آتيك، فأكون معك بنفسي، وإما أن أكفّ عنك عشرة آلاف سيف. »
قال: « بل اكفف عني عشرة آلاف سيف. » فرجع، ودعا قومه إلى القعود والكفّ، ففعلوا.
ما جرى بين علي وطلحة والزبير من حديث

ثم إن الزبير خرج على فرس له، على سلاح، فقيل لعليّ: « هذا الزبير. » قال: « أما إنه أحرى الرجلين إن ذكّر بالله أن يذكر. » وخرج طلحة، فخرج إليهما عليّ، ودنا منهما حتى اختلف أعناق دوابّهما فقال عليّ: « لعمري لقد أعددتما سلاحا، وخيلا، ورجالا إن كنتما أعددتما عذرا عند الله فاتقيا الله، ولا تكونا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها من بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثًا ألم أكن أخا لكما في دينكما تحرّمان دمى وأحرّم دمكما؟ فهل من حدث أحلّ لكما دمى؟ » قال طلحة: « ألّبت على عثمان. » قال عليّ: يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ الله دِينَهُمُ الْحَقَّ، وَيَعْلَمُونَ أَنَّ الله هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ. يا طلحة، تطلب بدم عثمان، فلعن الله أشدّنا كان عليه. يا زبير! أتذكر يوم مررت مع رسول الله في بنى غنم، فنظر إليّ وضحك وضحكت إليه، فقلت: لا يدع ابن أبي طالب زهوه، فقال لك رسول الله: مه! إنّه ليس كذلك، ولتقاتلنّه وأنت له ظالم؟ » فقال: « اللهم نعم. ولو ذكرت، ما سرت مسيري هذا. والله لا أقاتلك أبدا. » فانصرف عليّ، وحكى ذلك لأصحابه. ورجع الزبير إلى عائشة فقال لها: « ما كنت في موطن مذ عقلت وأنا أعرف فيه أمري غير موطني هذا. » قالت: « ما تريد أن تصنع؟ » قال: « أريد أن أدعهم وأذهب. » قال له ابنه عبد الله: « جمعت هذين الغارّين حتى إذا جرّد بعضهم لبعض أردت أن تتركهم وتذهب. أحسست رايات بن أبي طالب وعلمت أنها فتية أنجاد. » فغضب الزبير حتى أرعد، ثم قال: « ويحك! إني قد حلفت ألّا أقاتله. » قال: كفّر عن يمينك.
فدعا غلاما له يقال له: مكحول، فأعتقه. فقال عبد الله بن سليمان التيميّ:
لم أر كاليوم أخا إخوان ** أعجب من مكفّر الأيمان
بالعتق في معصية الرحمن
وإنّما حكينا هذه الحكاية، لأنّ فيها تجربة تستفاد، وإن ذهب ذلك على قوم، فإنّا ننبّه عليه، وذلك أنّ المحنق ربما سكّن بالكلام الصحيح، والساكن ربما أحنق بالزور من الكلام، وذلك بحسب تأتّى من يريد ذلك، وإتيانه من وجهه.