









ذكر الخبر عن أمره وأمر نصر بن سيار
إنّ الحارث سار إلى مرو ومخرجه من بلاد الترك فقدمها يوم الأحد سنة سبع وعشرين ومائة، ويقال ثمان وعشرين ومائة، فتلقّاه سلم بن أحوز والناس بكسماهن فقال له محمّد بن عطية العبسي:
« الحمد لله الذي أقرّ عيوننا بقدومك وردّك إلى قبّة الإسلام وإلى الجماعة. » قال:
« يا بنيّ، أما علمت أنّ الكثير إذا كانوا على معصية الله لم يكونوا جماعة، وأنّ القليل إذا كانوا على طاعة الله كانوا جماعة؟ وما قرّت عيني منذ خرجت إلى يومي هذا وما قرّة عيني إلّا أن يطاع الله. » فلمّا دخل مرو قال:
« اللهم إني لم أنو قطّ في شيء بيني وبينهم إلّا الوفاء، فإن أرادوا الغدر فانصرني عليهم. » وتلقّاه نصر وأجرى عليه نزلا خمسين درهما في كلّ يوم، فكان يقتصر على لون واحد وأطلق له نصر من كان عنده من أهله، فلمّا أتاه ابنه محمّد قال:
« اللهم اجعله برّا تقيّا. » وكان قدم الوضّاح بن حبيب بن بديل على نصر من عند عبد الله بن عمر.
فأتى الحارث وعنده جماعة من أصحابه فقال:
« إنّا بالعراق نشهر عظم عمودك وثقله وإني أحبّ أن أراه. » قال:
« ما هو إلّا كبعض ما ترى - وأشار إلى عمده مع قوم وقوف على رأسه - ولكني إذا ضربت به شهرت ضربتي. » وكان في عموده ثمانية عشر رطلا.
وعرض نصر على الحارث أن يولّيه ويعطيه مائة ألف فلم يقبل وقال:
« إني لست من [ أهل ] هذه اللذّات ومن [ أهل ] تزويج عقائل العرب في شيء أنا أسأل كتاب الله والعمل بالسنّة واستعمال أهل الخير، فإن فعلت ساعدتك على عدوّك. » ثم قال لنصر:
« خرجت من هذه البلاد منذ ثلاث عشرة سنة إنكارا للجور، وأنت تريدني عليه » وأرسل الحارث إلى الكرماني:
« إن أعطاني نصر العمل بكتاب الله وما سألته من استعمال أهل الخير والفضل عضدته وقمت بأمر الله، وإن لم يفعل استعنت بك عليه وتضمن لي ما أريد من القيام بالعدل والسنّة. » وكان كلّما دخل عليه بنو تميم دعاهم إلى نفسه، فبايعه قوم من رؤساءهم وانضمّ إلى الحارث ثلاثة آلاف.
ودخلت سنة ثمانية وعشرين ومائة
وفيها قتل الحارث بن سريج
ذكر الخبر عن مقتله وسبب ذلك
لمّا ولى ابن هبيرة العراق، كتب إلى نصر بعهده، فبايع لمروان. وقال الحارث:
« إنّما آمنني يزيد بن الوليد، ومروان لا يجيز أمان يزيد فلا آمنه. » فلمّا دعا الحارث قوما إلى مبايعته أتاه سلم بن أحوز وخالد بن هريم وقطن بن محمّد وأمثالهم فكلموه وقالوا:
« ألم يصيّر نصر سلطانه وولايته في أيدى قومك، ألم يخرجك من أرض الترك ومن حكم خاقان، - وعدّدوا عليه ما اصطنعه إليه - أتخالفه فتفرّق أمر عشيرتك وتطمع فيهم عدوّهم؟ فنذكّرك الله أن تفرّق جماعتنا. » فقال الحارث:
« إني لا أرى في عشيرتي شيئا من الولاية. » ولم يجبهم بما أرادوا.
وخرج فعسكر وأرسل إلى نصر يسأله أن يجعل الأمر شورى. فأبى نصر، وخرج الحارث، فأتى منازل آل يعقوب بن داود. وكان الحارث يظهر أنّه صاحب الرايات السود. فأرسل إليه نصر:
« إن كنت كما تزعم وإنّكم تهدمون سور دمشق وتزيلون أمر بني أمية فخذ مني خمسمائة رأس من الدوابّ ومائتي بعير واحمل إليك من الأموال ما شئت ومن آلة الحرب وسر، فلعمري لئن كنت الإمام صاحب الأمر إني لفى يدك، وإن كنت لست ذلك فقد أهلكت عشيرتك. » فقال الحارث:
« قد علمت أنّ هذا حقّ، ولكن لا يبايعني عليه من صحبني. » فقال نصر:
« فقد استبان لك أنّهم ليسوا على رأيك ولا لهم مثل بصيرتك وأنّهم فسّاق ورعاع فأذكّرك الله في عشرين ألفا من ربيعة واليمن سيهلكون فيما بينكم. » وعرض نصر على الحارث أن يوليه ما وراء النهر ويعطيه ثلاثمائة ألف فلم يقبل. فقال له نصر:
« إن شئت فابدأ بالكرمانيّ فإن قتلته فأنا في طاعتك وإن شئت فخلّ بيني وبينه فإن ظفرت به رأيت رأيك، وإن شئت فسر بأصحابك، فإذا جزت الرّيّ فأنا في طاعتك. » فخالفه الحارث وأبي إلّا أن يجعل الأمر شورى فأخذ نصر في التأهّب وصيّر سلما في المدينة وضمّ إليه الرابطة مع فرسان ضمّهم إلى هدبة بن عامر وحوّل السلاح والدواوين إلى القهندز، وجلس للناس.
وكان اتهم قوما من أصحابه أنّهم كاتبوا الحارث بن سريج، فأجلس عن يساره من اتّهم منهم وأجلس الذين اصطنعهم عن يمينه ثم تكلّم وذكر بنى مروان ومن خرج عليهم كيف أظفر الله به ثم قال لمن عن يمينه:
« إني أحمد الله وأذمّ من عن يساري وليت خراسان ففعلت وصنعت - وذكر حسن بلائه - وأمرتكم أن ترفعوا ما أصبتم لمّا أردت المسير إلى الوليد، فمنكم من رفع ألف ألف وأكثر وأقلّ وفرددتها عليكم ثم فعلت وفعلت فكان جزائي أن مالأتم الحارث عليّ، فهلّا نظرتم إلى هولاء الأحرار - وأومأ إلى من عن يمينه - الذين لزمونى مواسين لي على غير بلاء. » واعتذر إليه الناس فقبل عذرهم وصرفهم.
ولمّا انتشر في كور خراسان أمر الفتنة قدم على نصر جماعة من رؤساء الناس ووجوههم وكتب الحارث بن سريج سيرته فكانت تقرأ في طرق مرو وفي المساجد. فأجابه قوم كثير وأمر نصر [ الحسن بن سعد مولى قريش ] فنادى في المدينة.
« إنّ الحارث عدوّ الله قد نابذ وحارب، فاستعينوا الله، ولا حول ولا قوّة إلّا بالله. » فأرسل نصر من ليلته إلى جماعة أصحابه:
« تهيّئوا للقتال. » فقال له أصحابه:
« ما نجعل شعارنا؟ » فقال مقاتل بن سليمان:
« شعارنا شعار رسول الله: حم لا ينصرون. » وعلامتهم على الرماح الصوف. » وكان الذي هاج القتال أنّ غلاما للنضر بن محمّد الفقيه يقال له: عطيّة، صار إلى أصحاب سلم فقال أصحاب الحارث:
« ردّوه علينا. » فأبوا فاقتتلوا فهزمهم أصحاب سلم فانتهوا إلى الحارث وهو يصلّى الغداة، فلمّا قضى الصلاة دنا منهم فرجعوا. ثم دنا من الحارث رجلان فناداهما عاصم.
« عرقبا برذونه. » فبادر الحارث أحدهما بعموده فقتله ورجع الحارث فأتبعه حمّاد بن عامر ومحمّد بن زرعة وهو في سكّة أبي عصمة فكسر رمحيهما بعموده وحمل على مرزوق مولى سلم، فلمّا دنا منه رمى بنفسه عن فرسه ودخل حانوتا وضرب برذونه على مؤخّره فنفق. وركب سلم حين أصبح وأمر بالخندق فخندقوا وأمر مناديا فنادى:
« من جاء برأس فله ثلاثمائة. »
فلم تطلع الشمس حتى انهزم أصحاب الحارث ومضى سلم حتى انتهى إلى عسكر الحارث ووجد فيه قوما فقتلهم وفيهم كاتب الحارث واسمه يزيد بن داود فقتل. ومضى سلم إلى باب بيق ففتحه وقتل رجلا كان دلّ الحارث على نقب في الحائط دخل منه.
وأرسل نصر إلى الكرمانيّ فأتاه على عهد جرى بينهما على يد القاضي محمّد بن ثابت وحضر القاضي ومقدام ونعيم وسلم بن أحوز فدعا نصر إلى الجماعة. فقال الكرمانيّ: « أنت أسعد الناس بذلك. » فوقع بين سلم بن أحوز وبين المقدام كلام فأغلظ له سلم فأعانه أخوه وغضب لهم عبد الرحمن الجرمي السغدى فقال له سلم:
« لقد هممت أن أضرب أنفك بالسيف. » فقال السغدى:
« لو مسست السيف لم ترجع إليك يدك. » فخاف الكرمانيّ أن يكون مكرا من نصر. فقام فتعلّقوا به، فلم يجلس، ومضى إلى باب المقصورة قال: فتلقّوه بفرسه، فركب في المسجد. وقال:
http://mgtrben.net/viewimages/e69639c596.jpg
مطلوب للأنتربول الدولي خرج تسلموني
الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)
مواقع النشر (المفضلة)