









« إن تركنا هولاء الليلة، أتتهم الأمداد، فاحملوا على القوم. » ففعلوا، فترجّل أبو نصر، وحضّ أصحابه، فاجتلدوا جلادا صادقا، وصبر الفريقان فقتل من شيعة بنى مروان نفر وأسر جماعة. وحمل عبد الله الطائي على يزيد مولى نصر وهو عميد القوم، فأسره، وانهزم أصحابه. فوجّه أبو نصر بالأسير مع عبد الله الطائي وعدّة من أصحابه ومعهم الأسرى والرؤوس. وأقام أبو نصر في معسكره، فقدم الوفد على أبي مسلم في معسكره بسيفيذنج. فأمر أبو مسلم بالرؤوس فنصبت على باب الحائط الذي في معسكره، ودفع يزيد والأسرى إلى أبي إسحاق خالد بن عثمان، وأمره أن يعالج يزيد مولى نصر من جراحات كانت به ويحسن تعهّده.
وكتب إلى أبي نصر مالك بالقدوم عليه. فلمّا اندمل يزيد مولى نصر من جراحاته دعاه أبو مسلم فقال:
« إن شئت أن تقيم معنا وتدخل في دعوتنا، فقد أرشدك الله، وإن كرهت فارجع إلى مولاك سالما وأعطنا عهدك بالله ألّا تحاربنا أبدا، ولا تكذب علينا، وأن تقول فينا ما رأيت. » فاختار الرجوع إلى مولاه. فخلّى له الطريق وقال أبو مسلم لأصحابه:
« إنّ هذا سيردّ عنكم الورع والصلاح فإنّا عندهم على غير الإسلام. » وكذلك كانوا عندهم يرجفون عليهم بعبادة الأوثان واستحلال الدماء والأموال والفروج. فلمّا قدم يزيد على نصر قال له:
« لا مرحبا بك، والله ما استبقاك القوم إلّا ليتّخذوك حجّة علينا. » قال يزيد:
« فهو والله ما ظننت. وقد استحلفونى الّا أكذب عليهم. وأشهد: لقد رأيتهم يصلّون الصلاة الخمس لمواقيتها بأذان وإقامة، ويتلون القرآن ويذكرون الله كثيرا ويدعون إلى ولاية آل رسول الله، وما أحسب أمرهم إلّا سيعلوا ويظهر. » فهذه أوّل حرب كانت بين الشيعة العبّاسية وشيعة بنى مروان.
وقد روى في مبدأ خبر أبي مسلم رواية أخرى، وهي أنّ أبا مسلم لمّا قدم خراسان كان حديث السنّ، فلم يقبله سليمان بن كثير وتخوّف ألّا يقوى على أمرهم وخاف على نفسه وأصحابه فردّه.
احتجاج أبي داود
وكان أبو داود خالد بن إبراهيم غائبا وراء نهر بلخ. فلمّا انصرف وقدم مرو أقرأوه كتاب الإمام فسأل عن الرجل الذي وجّهه فأخبروه أنّ سليمان بن كثير ردّه.
فأرسل إلى جميع النقباء فاجتمعوا في منزل عمران بن إسماعيل. فقال لهم أبو داود:
« أتاكم كتاب الإمام إبراهيم فيمن وجهّه إليكم فرددتموه، فما حجّتكم في ردّه؟ » فقال سليمان بن كثير:
« لحداثة سنّه، وتخوّفنا ألّا يقدر على القيام بهذا الأمر وأشفقنا على من دعونا إليه وعلى أنفسنا. » فقال أبو داود:
« هل فيكم من يشكّ أنّ الله، عز وجل، اختار محمدا، وانتخبه واجتباه، وبعثه برسالته إلى جميع خلقه؟ » قالوا:
« لا. » قال:
« أفتشكّون أنّ الله أنزل عليه كتابه فأتاه به الروح الأمين، أحلّ فيه حلاله، وحرّم فيه حرامه وشرع [ فيه ] شرائعه وسنّ فيه سننه وأنبأه فيه بما كان قبله وما هو كان كائن بعده إلى يوم القيامة؟ » قالوا: « لا. » قال:
« أفتشكّون أنّ الله قبضه إليه بعد ما أدّى ما عليه من رسالة ربّه؟ » قالوا: « لا. » قال:
« أفتظنّون أنّ ذلك العلم الذي أنزله عليه ليقوّمنا به رفع مع أو خلّفه؟ » قالوا: « بل خلّفه. » قال:
« أفتظنّونه خلّفه عند غير عترته وأهل بيته الأقرب فالأقرب؟ » قالوا: « لا. » قال:
« فهل فيكم من إذا رأى من هذا الأمر إقبالا ورأى الناس مجيبين إليه، بدا له أن يصرف ذلك إلى نفسه؟ » قالوا: « اللهم لا، وكيف يكون ذلك؟ » قال:
« لست أقول إنّكم فعلتم، ولكن الشيطان ربّما نزغ النزغة فيما يكون وفيما لا يكون. » قال:
« فهل فيكم أحد بدا له أن يصرف هذا الأمر عن أهل البيت إلى غيرهم من عترة النبي؟ » قالوا: « لا. » قال:
« أفتشكون في أنّهم معدن العلم وأصحاب ميراث رسول الله؟ » قالوا:
« اللهم لا » قال:
« فأراكم قد شككّتم في أمركم، ورددتم عليهم علمهم، ولو لم يعلموا أنّ هذا الرجل هو الذي ينبغي له أن يقوم بأمرهم لم يبعثوه إليكم وهو لا يتّهم في موالاتهم ونصرتهم والقيام بحقّهم. »
رد أبي مسلم من قومس وتولية الأمر إياه
فبعثوا إلى أبي مسلم وردّوه من قومس بقول أبي داود، وولّوه أمرهم وسمعوا له وأطاعوا. فلم تزل تلك في نفس أبي مسلم على سليمان بن كثير ولم يزل يعرفها لأبي داود.
وأطاعت الشيعة من النقباء وغير هم أمر أبي مسلم. فبثّ الدعاة في أقطار خراسان ودخل الناس أفواجا. وكتب إليه إبراهيم في إظهار دعوته وأن يوجّه إليه بقحطبة بن شبيب ويحمل إليه ما اجتمع عنده من الأموال، فكان اجتمع عنده ثلاثمائة ألف وستون ألف درهم، فاشترى بها متاع التجار من القوهيّ والمرويّ والحرير والفرند، وجعلها بعضها سبائك ذهب وفضّة وجعلها في الأقبية المحشوّة وأشباهها. فبعث جميع ذلك مع قحطبة حين اجتمعت القوافل وأمن على ما أنفذه.
تحالف عامة قبائل العرب في خراسان على قتال أبي مسلم
وفي هذه السنة تحالفت عامّة من كان بخراسان من قبائل العرب على قتال أبي مسلم وذلك حين كثر أتباع أبي مسلم وقوى أمره.
ذكر السبب في ذلك
لمّا ظهر أبو مسلم، سارع إليه الناس، وجعل أهل مرو يأتونه لا يعرض لهم أحد، وكان الكرمانيّ وشيبان لا يكرهان أمر أبي مسلم لأنّه دعا إلى خلع بنى مروان وأبو مسلم في آلين في خباء ليس له حرس ولا حجّاب. فعظم أمره عند الناس وقالوا:
« ظهر رجل من بنى هاشم له حلم ووقار وعليه سكينة. » فانطلق عند ذلك فتية من أهل مرو نسّاك، كانوا يطلبون الفقه، فأتوا أبا مسلم في عسكره. فسألوه عن نسبه فقال:
« خبري خير لكم من نسبي. » وسألوه عن أشياء من الفقه فقال:
« إنّ أمركم بالمعروف ونهيكم عن المنكر خير لكم من هذا ونحن في شغل فاعفونا لنتوفّر على ما أنتم أحوج ونحن إليه. » قالوا:
« والله ما نعرف لك نسبا ولا نظنّك تبقى إلّا قليلا حتى تقتل وما بينك وبين ذلك إلّا أن يتفرّغ لك أحد هذين الأميرين. » قال أبو مسلم:
« بل أنا أقتلهما إن شاء الله. » ورجع الفتية فأتوا نصرا فحدّثوه. فقال:
« جزاكم الله خيرا مثلكم تفقّد هذا وعرفه. » وأتوا شيبان فأعلموه. فقال:
« نحن قد أشجى بعضنا بعضا. » فأرسل إليه نصر:
« إن شئت فكفّ عني حتى أقاتله وإن شئت فجامعنى على حربه حتى أقتله أو أنفيه، ثم نعود لأمرنا. » فهمّ شيبان أن يفعل ذلك وظهر في العسكر، وأتت عيون أبي مسلم أبا مسلم فأخبروه. فقال سليمان لأبي مسلم:
« ما هذا الأمر الذي بلغهم تكلّمت عند أحد بشيء؟ » فأخبره بخبر الفتية فقال:
« هذا إذا لذاك. » فكتبوا إلى علي بن الكرمانيّ: إنّك موتور. قتل أبوك ونحن نعلم أنّك لست على رأى شيبان، وإنّما تقاتل لثأرك، فامنع شيبان من صلح نصر.
فدخل على شيبان فكلّمه وثناه عن رأيه. فأرسل نصر إلى شيبان:
« إنّك مغرور، وأيم الله إني أرى هذا الأمر يتفاقم حتى تستصغرنى في جنبه. » فبينا هم في أمرهم إذ بعث أبو مسلم النضر بن نعيم الضبي إلى هراة وعليها عيسى بن عقيل بن معقل الليثي، فطرده من هراة. فقدم عيسى بن عليّ على نصر منهزما، وغلب النضر على هراة، وغلب خازم بن خزيمة على مرو الروّد، وقتل عامل نصر بن سيّار، وكتب بالفتح إلى أبي مسلم مع ابنه خزيمة بن خازم.
فقال يحيى بن نعيم بن هبيرة الشيبانى:
« اختاروا إمّا أن تهلكوا أنتم قبل مضر أو تهلك مضر قبلكم. » قالوا:
« وكيف ذلك؟ » قال:
http://mgtrben.net/viewimages/e69639c596.jpg
مطلوب للأنتربول الدولي خرج تسلموني
الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)
مواقع النشر (المفضلة)