ذكر الخبر عن خلافة أبي العباس وسببها

كان بدء ذلك - فيما ذكر - أنّ رسول الله أعلم العبّاس عمّه أنّ الخلافة تؤول إلى ولده. فلم يزل ولده يتوقّعون ذلك ويتداولون أخبارا بينهم ويسمون محمّد بن علي: أبا الأملاك. ولمّا خالف ابن الأشعث وكتب الحجّاج إلى عبد الملك أرسل عبد الملك إلى خالد بن يزيد فأخبره فقال:
أمّا إذا كان الفتق من سجستان فليس عليك بأس. إنّما كنّا نتخوّف لو كان من خراسان.
وكان محمّد بن عليّ بن عبد الله بن العبّاس ينتظر أوقاتا معلومة عنده وينتظر الأمر لولده ولا يسمّى أحدا وكنّا أخبرنا خبر محمّد بن عليّ وخبر الدعاة الذين وجّههم إلى خراسان. ثم مات محمّد بن عليّ وجعل وصيّه من بعده إبراهيم بن محمّد ابنه، فبعث إبراهيم أبا سلمة حفص بن سليمان مولى السّبيع وكتب معه إلى النقباء بخراسان، فقبلوا كتبه إلى أن قام بأمرهم أبو مسلم.
ثم كان من وقوع كتاب إبراهيم إلى أبي مسلم في يد مروان ما كان، وقد ذكرناه. فوجّه إليه مروان وهو بالحميمة، فأخذه وحبسه.
فحكى أنّ عبد الحميد بن يحيى كاتب مروان قال لمروان بن محمّد:
« هل تتّهمنى؟ » قال: « لا. » قال: « أيحطّك مصاهرة إبراهيم بن محمّد بن عليّ؟ » قال: « لا. » قال: « فإني أرى أمره تبيّغ فأنكحه وأنكح إليه، فإن ظهر كنت أعلقت بينك وبينه سببا لا يريبك معه وإن كفيته لم يشنك صهره. » فقال: « ويحك لو علمته صاحب ذاك سبقت إليه ولكن ليس بصاحبه. » فذكر أنّ إبراهيم حين أخذ ليمضى به إلى مروان نعى نفسه إلى أهل بيته حين شيّعوه، وأمرهم بالمسير إلى الكوفة مع أخيه أبي العبّاس عبد الله بن محمّد بن عليّ وأوصى إلى أبي العبّاس أخيه، وجعله الخليفة من بعده، وتقدّم إلى الباقين بالسمع له والطاعة.
فشخص أبو العبّاس عند ذلك ومن معه من أهل بيته حتى قدموا الكوفة في صفر. فأنزلهم أبو سلمة دار الوليد بن سعد مولى بنى هاشم في بنى أود. وكتم أمرهم من جميع القوّاد والشيعة نحوا من أربعين ليلة.
وأراد أبو سلمة فيما ذكر تحويل الأمر إلى آل أبي طالب لمّا بلغه موت إبراهيم بن محمّد. فأتى أبا سلمة أبو الجهم وقال له:
« ما فعل الإمام؟ » قال: « لم يقدم بعد. » ثم عاوده أبو الجهم وألحّ عليه في السؤال. قال:
« قد أكثرت وليس هذا زمان خروجه. » فلقى أبو حميد خادما لأبي العبّاس يقال له: سابق الخوارزمي. فسأله عن أصحابه فأخبره أنّهم بالكوفة. وإنّ أبا سلمة أمرهم أن يختفوا. فجاء به إلى أبي الجهم فأخبروه خبرهم فسّرح أبو الجهم أبا حميد مع سابق، حتى عرف منزلهم بالكوفة ثم رجع ومعه إبراهيم بن سلمة فأخبر أبا الجهم عن منزلهم ونزول الإمام في بنى أود، وشكا أنّه أرسل الإمام حين قدموا إلى أبي سلمة يسأله مائة دينار لأجرة الحمّالين، فلم يفعل. فحمل أبو الجهم وأبو حميد على يد إبراهيم مائتي دينار إلى الإمام، ثم مضوا إلى أبي سلمة وسألوه عن الإمام فقال:
« ليس هذا وقت خروجه، واسط بعد ما فتحت. » فاجتمع الشيعة على أن يلقوا الإمام وائتمروا بينهم وقالوا:
« قد شاع في العسكر أنّ مروان قد قتل إبراهيم وأنّ أخاه أبا العبّاس هو الخليفة من بعده. » ومشى القوّاد والشيعة تلك الليلة ثم تسلّلوا من الغد، فمضى جماعة منهم إلى الإمام وبلغ أبا سلمة وأتى القوم أبا العبّاس فقالوا:
« أيّكم عبد الله بن محمّد بن الحارثيّة؟
قالوا: « هذا. » فسلّموا عليه بالخلافة، ورجع أبو الجهم وموسى بن كعب وأقام الباقون عند الإمام. فأرسل أبو سلمة إلى أبي الجهم:
« أين كنت ركبت؟ » قال: « ركبت إلى إمامى. » فحينئذ ركب أبو سلمة إليهم. فأرسل أبو الجهم إلى أبي حميد: أنّ أبا سلمة قد أتاكم فلا يدخلنّ على الإمام إلّا وحده.
فلمّا انتهى إليهم أبو سلمة منعوه أن يدخل معه أحد. فدخل وحده وسلّم بالخلافة على أبي العبّاس.
وخرج أبو العبّاس على برذون أبلق يوم الجمعة، فصلّى بالناس.
فيقال: إنّ أبا سلمة لمّا سلّم على أبي العبّاس بالخلافة قال له أبو حميد:
« على رغم أنفك، يا ماصّ بظر أمّه. » فقال أبو العبّاس:
« مه. »
أبو العباس يريد أن يجعلها شورى بين ولد علي والعباس

وروى من عدّة وجوه أنّ أبا العبّاس السفّاح قدم هو وأهله سرّا على أبي سلمة الخلّال بالكوفة فستر أمرهم وعزم على أن يجعلها شورى بين ولد عليّ والعبّاس حتى يختاروا منهم من أرادوا. ثم قال:
« أخاف ألّا يتفقوا. » فعزم أن يعدل بالأمر إلى ولد الحسين أو الحسن عليهم السلام. فكتب إلى ثلاثة نفر منهم جعفر بن محمّد بن عليّ بن الحسين وعمر بن عليّ بن الحسين بن عليّ وعبد الله بن الحسن بن الحسن بن عليّ عليهم السلام. ووجّه بكتبهم مع رجل من مواليهم من ساكني الكوفة.
فبدأ بجعفر بن محمّد فلقيه ليلا فأعلمه أنّه رسول أبي سلمة وأنّ معه كتابا إليه.
فقال:
« وما أنا وأبو سلمة؟ هو شيعة لغيري. » فقال الرسول: « تقرأ الكتاب وتجيب بما رأيت. » فقال جعفر لخادمه: « قرّب السراج مني. » فقرّبه فوضع عليه كتاب أبي سلمة فأحرقه.
قال: « ألا تجيبه؟ » قال « قد رأيت الجواب. » ثم أتى عبد الله بن الحسن، فقرأ كتابه وركب إلى جعفر بن محمّد. فقال له جعفر:
« أمر جاء بك يا با محمّد؟ لو أعلمتنى لجئتك. » قال: « وأيّ أمر؟ هو ممّا يجلّ عن الوصف. » قال: « وما هو؟ » قال: « هذا كتاب أبي سلمة يدعوني إلى الخلافة ويراني أحقّ الناس به. وقد جاء به شيعتنا من خراسان. » فقال له جعفر :
« ومتى صاروا شيعتك؟ أنت وجّهت أبا مسلم إلى خراسان وأمرته بلبس السواد. هل تعرف أحدا منهم باسمه ونسبه؟ كيف يكونون شيعتك وأنت لا تعرف أحدا منهم ولا يعرفونك؟ » فقال عبد الله:
« ما هذا الكلام منك إلّا لشيء. » فقال له جعفر:
« قد علم الله أنّى أوجب النصح على نفسي لكلّ مسلم وكيف أدّخره عنك فلا تمنّينّ نفسك إلّا الأباطيل فإنّ هذه الدولة تتمّ لهم وما هي لأحد من ولد أبي طالب. وقد جاءني ما جاءك، فلم أجبّ إلّا بما ستعرف خبره. » فانصرف غير راض بما قاله.
وأمّا عمر بن عليّ بن الحسين فإنّه ردّ الكتاب وقال:
« ما أعرف كاتبه. » وأبطأ أمر أبي سلمة على أبي العبّاس ومن معه. فخرج أصحاب له يطوفون بالكوفة فلقى حميد بن قحطبة ومحمد بن صول رجلا من مواليهم فعرفاه. إنّه كان يحمل كتب محمّد بن عليّ وإبراهيم بن محمّد إليهما. فسألاه عن الخبر وأعلمهما أنّ القوم قد قدموا منذ أيّام وأنّهم في سرداب يعرف ببني أود، فصار إلى الموضع وسلّما عليهم وقالا:
« أيّكما عبد الله؟ » فقال أبو العبّاس وأبو جعفر:
« كلانا عبد الله. » فقالا:
« أيّكما ابن الحارثية؟ » فقال أبو العبّاس: « أنا. » فقالا: « السلام عليك يا أمير المؤمنين. » ودنوا منه فبايعاه، وأخرجاهم إلى المسجد الجامع فصعد أبو العبّاس المنبر، فحصر، فصعد عمّه داود بن عليّ، وقام دونه بمرقاة، وخطب خطبته المشهورة.
أول خطبة خطبها أبو العباس السفاح

ولمّا صعد أبو العبّاس المنبر حين بويع له بالخلافة قام في أعلاه، فقال:
« الحمد الله الذي اصطفى الإسلام لنفسه فكرّمه وشرّفه واختاره لنا، وأيّدنا به، وجعلنا أهله وكهفه وحصنه، والقوّام به والذابّين عنه والناصرين له، وألزمنا كلمة التقوى، وجعلنا أحقّ بها وأهلها، خصّنا برحم رسول الله وقرابته، وأنشأنا من آباءه وأنبتنا من شجرته واشتقّنا من نبعته وجعله من أنفسنا عزيزا عليه ما عنتنا حريصا علينا بالمؤمنين رؤوفا رحيما وأنزلنا من الإسلام وأهله بالموضع الرفيع وأنزل بذلك كتابا يتلى فقال تبارك وتعالى: إِنَّما يُرِيدُ الله لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا. وقال: [ قُلْ ] لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ في الْقُرْبى. وقال: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ. وقال: ما أَفاءَ الله عَلى رَسُولِهِ من أَهْلِ الْقُرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى.
فأعلمهم جلّ وعزّ فضلنّا، وأوجب عليهم حقّنا ومودّتنا، وأجزل من الفيء والغنيمة نصيبنا، تكرمة علينا وفضلا علينا، والله ذو الفضل العظيم. »
ثم ذكر جور بني أمية وظلمهم ووعد الناس من نفسه خيرا وقال في آخر كلامه:
« وقد زدتكم في أعطياتكم مائة درهم فاستعدّوا فإني أنا السفّاح المبيح والثائر المبير.
وكان موعوكا فاشتدّ به الوعك، فجلس على المنبر. وصعد داود بن عليّ، فقام دونه على مراقي وقال:
« الحمد لله شكرا شكرا، الذي أهلك عدوّنا وأصار إلينا ميراثنا من نبينا محمّد .