









فلمّا قرب طاهر منها قدّم قريش بن شبل على مقدّمته. فلمّا سمع أصحاب البرمكي طبوله أسرجوا الدوابّ، وأخذ البرمكي في تعبئة الرجال وجعل من في أوائل الناس ينضمّ إلى آخرهم، فيردّهم البرمكي ويسوّى صفوفه، فكلّما سوّى صفّا انتقض عليه. فقال:
« اللهم إنّا نعوذ بك من الخذلان. » ثم التفت إلى صاحب ساقته وقال:
« خلّ سبيل الناس فإني أرى جندا لا خير عندهم. » فركب بعضهم بعضا نحو بغداد ونزل طاهر المدائن وقدّم قريش بن شبل والعباس بن بخار أخذاه إلى درزيجان وكان نصر بن منصور بن نصر بن مالك، وأحمد بن سعيد الحرشي معسكرين بنهر ديالى، فمنعا أصحاب البرمكي من الجواز إلى بغداذ وتقدّم طاهر حتى صار إلى الدّرزيجان حيال نصر وأحمد، ثم سيّر إليهما الرجال في السفن للقتال، فلم يجر بينهم كبير قتال حتى انهزموا، وأخذ طاهر نحو ذات اليسار إلى نهر صرصر فعقد بها جسرا ونزلها.
خلع محمد في مكة والمدينة
وفي هذه السنة خلع داود بن عيسى بن موسى عامل مكّة والمدينة محمدا وبايع المأمون، وأخذ البيعة بهما على الناس، وكتب بذلك إلى طاهر بن الحسين. ثم خرج بنفسه.
ذكر السبب في ذلك
كان سبب ذلك أنّ محمدا كتب إلى داود بن عيسى بخلع عبد الله المأمون والبيعة لابنه موسى، وبعث بجند إلى الكتابين اللذين كتبهما هارون وعلّقهما في الكعبة، فأخذهما. فلمّا بلغه في هذا الوقت غلبة طاهر على البلاد وقتله من قتل، جمع الحجبة حجبة الكعبة، وأهل الشرف والفقهاء، فذكّرهم عهد الرشيد إليهم والمواثيق التي أخذها عند بيت الله الحرام عليهم حين بايع لابنيه: لنكوننّ مع المظلوم منهما على الظالم. ثم قال:
« قد رأيتم محمدا كيف بدأ بالظلم والبغي على أخويه وكيف بايع لابنه وهو طفل رضيع لم يفطم، واستخرج الكتابين من الكعبة غاصبا ظالما فحرّقهما بالنار، وقد رأيت خلعه ومبايعة عبد الله المأمون بالخلافة، إذ كان مظلوما مبغيّا عليه. » فقال القوم بأجمعهم:
« رأينا رأيك. » فوعدهم صلاة الظهر وأرسل إلى فجاج مكّة صائحا يصيح:
« الصلاة جامعة. » فلمّا اجتمع الناس صلّى بهم الظهر، وكان وضع له المنبر بين الركن والمقام، فصعده، وكان داود فصيحا جهيرا فخطب خطبة حسنة ذكّرهم فيها بالشرف والقدمة، وأنّ المسلمين وفود الله إليكم وبكم تأتمّ الناس، ثم ذكّرهم عهد الرشيد وما جرى في الكتابين، وعظّم عليهم الأمر ودعاهم إلى خلع محمد، والبيعة للمأمون، وقال:
« إني قد خلعت محمدا كما خلعت قلنسوتي هذه. - ورمى بها عن رأسه إلى بعض الخدم تحته، وكانت من برد حبرة حمراء مسلسلة وأتى بقلنسوة سوداء هاشمية فلبسها - وقد بايعت لعبد الله المأمون أمير المؤمنين، ألا فقوموا إلى البيعة. »
فصعد إليه من قرب من الوجوه والأشراف رجل رجل إلى وقت العصر، ثم نزل وصلّى بالناس وجلس ناحية وتتابع الناس عليه جماعة جماعة يقرأ كتاب البيعة ويصافحونه.
فعل ذلك أيّاما وكتب إلى ابنه سليمان بن داود وكان خليفته على المدينة يأمره أن يفعل بالمدينة كما فعل هو بمكّة، ثم رحل يريد المأمون بمرو، فمرّ على البصرة، ثم على فارس، ثم على كرمان حتى صار إلى المأمون بمرو، فسرّ به المأمون وتيمّن ببركة مكّة والمدينة، وكتب إليهم كتابا لطيفا يعدهم فيه الخير، وأمر أن يكتب لداود عهدان على مكّة والمدينة وأعمالهما وزيّد ولاية عكّ، وعقد له على ذلك ثلاثة ألوية، وكتب له إلى الري بمعونة خمسمائة ألف درهم.
وورد داود ومن معه بغداد فنزل على طاهر بن الحسين، فأكرمه وقرّبه، ووجّه معه يزيد بن جرير بن يزيد بن خالد بن عبد الله القسري، وعقد له طاهر على ولاية اليمن، وبعث معه خيلا كثيفة، وكان ضمن له يزيد بن جرير أن يستميل قومه وعشيرته من ملوك اليمن حتى يخلعوا محمدا ويبايعوا المأمون، وساروا جميعا. فأقام داود على عمله بمكّة ومضى يزيد بن جرير إلى اليمن، فدعا أهلها إلى البيعة للمأمون وخلع محمد وقرأ عليهم كتاب طاهر وأعلمهم عدل المأمون وإنصافه ووعدهم ومنّاهم، فأجابه أهل اليمن واستبشروا فسار فيهم يزيد بأحسن سيرة وكتب بإجابتهم وبيعتهم.
وفي هذه السنة عقد محمد نحو أربعمائة لواء لقوّاد شتّى، وأمر على جميعهم عليّ بن محمد بن عيسى بن نهيك وأمرهم بالمسير إلى هرثمة بن أعين. فساروا فالتقوا بجللتا فهزمهم هرثمة وأسر عليّ بن محمد بن نهيك وبعث به هرثمة إلى المأمون وزحف هرثمة فنزل النهروان.
استئمان جماعة من أصحاب طاهر إلى محمد
واستأمن إلى محمد جماعة من أصحاب طاهر، ففرّق محمد فيهم مالا عظيما وقوّد منهم جماعة وغلّل لحاهم بالغالية فسمّوا قوّاد الغالية.
وكان سبب استئمان أصحاب طاهر ما كان يبلغهم من عطاء محمد وبذله الأموال والكسى. فخرج من عسكر طاهر نحو من خمسة آلاف رجل من أهل خراسان فسرّ بهم محمد، ووعدهم ومنّاهم وأثبت أسماءهم في الثمانين، ودسّ محمد إلى أصحاب طاهر، وفرّق فيهم الجواسيس وأطمعهم، فشغبوا على طاهر، وراسل طاهر عيونه وجواسيسه ببغداد بأن يغرى أصاغرهم بأكابرهم، لأنّه فرّق في الأكابر خاصّة مال، فشغبوا على محمد.
ثم أخرج محمد المستأمنة مع خلق كثير - ومع كلّ عشرة أنفس منهم طبل - إلى طاهر، فأرعدوا وأجلبوا حتى أشرفوا على نهر صرصر فعبّى طاهر أصحابه كراديس وجعل يمرّ على كردوس كردوس فيقول:
« لا يغرنّكم كثرة من ترون، فإنّ النصر مع الصدق والفلح مع الصبر. » ثم أمرهم بالتقدّم، فصبر الفريقان ثم انهزم أهل بغداد وانتهبهم أصحاب طاهر، ثم كثر الشغب على محمد ونقب أهل السجون سجونهم وخرجوا، وفتن الناس، ووثب على أهل الصلاح الدعّار والشطّار، فعزّ الفاجر وذلّ المؤمن واختلّ الصالح وساءت حال الناس، إلّا من كان في عسكر طاهر، لتفقّده الأمور، وغادي القتال وراوحه حتى خربت بغداد، وتواكل الفريقان وقاتل الأخ أخاه والابن أباه واحترب الناس.
http://mgtrben.net/viewimages/e69639c596.jpg
مطلوب للأنتربول الدولي خرج تسلموني
الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)
مواقع النشر (المفضلة)