ثم قرر أمرهم على أن يردّوا إلى رسمهم القديم في أخذ العشر حبّا بعينه من غير ترييع ولا تسعير ونظر فيما بين ذلك وبين ما يؤخذ منهم على تقريب فأشار على أرباب العشر أن يبتاعوا فضل ما بين المعاملة على الظلم والمعاملة على الإنصاف بثمن يرغب فيه معزّ الدولة عاجلا فيسهل عليه ما ينحطّ من الارتفاع مع ما يتعجّل له من المال ثم يضاف إلى ذلك ما يثمّره العدل وموقعه من قلوب الناس مع الرجاء في المستقبل لزيادة الارتفاع.
فاستجابوا وتقرر الأمر بينهم على ألفي ألف درهم ومائتي ألف درهم وكتب لهم بذلك وثيقة ثم حطّ من الجميع عن الضعفى مائتي ألف درهم وكتب إلى معزّ الدولة بأنّ في ذلك حظا وصلاحا ووفورا في ارتفاع الناحية في المستقبل فحسن موقع فعله من معزّ الدولة فأمضاه.
وحضر البصريون فاشهدوا على المطيع لله بالبيع وسجّلوا بالابتياع ونسب المبتاع إلى فضل ما بين المعاملتين في العبر فعمر الناس وتضاعف الارتفاع للسلطان وزال عن البصرة تلك الرسوم وصار يرتفع عن المراكب ما يعدل ألفي ألف درهم فكان هذا من الآثار الجميلة لأبي محمّد المهلّبي.
ورود الخبر بشغب في عسكر سبكتكين وانصراف القرامطة مع الأتراك

وفي هذه السنة ورد الخبر بشغب جرى في عسكر الحاجب سبكتكين وأنّ القرامطة انصرفوا مع الأتراك بعد أن أوقع بهم ركن الدولة.
ذكر السبب في ذلك

كان الاجتهاد شديدا في استصلاحهم لأنّهم كانوا بإزاء حرب فلمّا تعذّر قال ركن الدولة:
« هؤلاء أعداء معنا في عسكرنا وهم أشدّ علينا من أعدائنا الذين بإزائنا والوجه أن نحاربهم ونطردهم. » فحاربهم وهزمهم فأمّا العرب فصاروا إلى معزّ الدولة وأمّا الأتراك فمضوا إلى الموصل ولمّا سار ركن الدولة إلى همذان ارتحل ابن قراتكين من الريّ إلى أصبهان.
وفي هذه السنة واقع أبو محمّد المهلّبي عمران بن شاهين ومع أبي محمّد المهلّبي روزبهان فكانت على المهلبي وروزبهان واستؤسر أكثر قوّادهما وقتل أبو الفتح ابن أبي طاهر بعد أن استظهر المهلّبي واستعلى.
ذكر السبب في ذلك وفي هزيمة المهلبي بعد الاستظهار على عمران

كان السبب في ذلك أنّ معزّ الدولة كان عوّل على روزبهان في محاربة عمران فبنى آلات الماء وأثبت الرجال واحتشد فطاوله عمران وتحصّن في مكامنه من البطائح فضجر روزبهان وأقدم عليه طلبا لمناجزته فاستظهر عليه عمران وهزمه وهزم أصحابه وغنم جميع آلاته وسلاحه فقوى بها.
وتضاعف طمعه في السلطان وضرى أصحابه على جند السلطان واستخفّوا بهم فكان بعد ذلك إذا اجتاز بهم الحجاب الكبار المحتشمون والقوّاد والأمراء من الديلم والأتراك سفهوا عليهم وطالبوهم بحق المرصد والبذرقة فإن تأبّى عليهم أحد تناولوه بالشتم القبيح والضرب المهين وكان الجند لا يستغنون عن الاجتياز بهم لحاجتهم إلى ضياعهم ومعاملاتهم بالبصرة والأهواز ثم انقطع طريق البصرة إلّا على الظهر.
فشغل ذلك قلب معزّ الدولة وكثر بكاء الأمراء والحجّاب والقوّاد بين يديه بما يجرى عليهم من الهوان في اجتيازاتهم فكتب إلى الوزير المهلّبي بالإصعاد إلى واسط لتلافي الحادثة والتجرد لطلب عمران ومعاودته الحرب وجرد إليه عسكرا جرّارا فيه ابن أبي طاهر ووجوه قوّاده وغلمانه وحمل إليه سلاحا كثيرا وأطلق يده في إنفاق الأموال فزحف إلى عمران وسدّ عليه مذاهبه وانتهى إلى مضيق في البطيحة [ و ] شعب لا يعرف مسالكها إلّا عمران وأصحابه.
فأحبّ روزبهان أن يلحق المهلّبي مثل ما لحقه من الهزيمة ولا يستبدّ بالظفر فأشار عليه بالاقتحام والهجوم وتوثق المهلّبي وأراد سدّ تلك المضايق فأخذ روزبهان في التضريب عليه وعارضه في كلّ ما دبّره ومنعه من هذا الاستظهار وسدّ الشعب وكتب إلى معزّ الدولة يستعجزه ويذكر أنّه إنّما يحجم ويجنح إلى المطاولة ليحتسب بالأموال في النفقات.
ولم يزل بذلك وشبهه إلى أن وردت كتب معزّ الدولة بالاستبطاء فترك المهلبي الحزم وركب الخطأ وعدل عمّا يدبّره كله ودخل بجميع عسكره هاجما على عمران وتأخّر روزبهان ليصير أول الخارجين عند الهزيمة.
وقد كمّن عمران كمناءه في تلك المعترضات وشحنها بالآلات الموافقة لتلك المضايق فخرجوا على العساكر وهم متزاحمون متضايقون في طريق الماء لا يعرفونها فوضعوا فيهم الحراب فقتلوا وأسروا وانصرف روزبهان موفورا ونجا الوزير المهلّبي سباحة وحصل القوّاد والوجوه في الأسر.
فاضطرت الحال إلى مصالحة عمران فقوى واستفحل أمره وأجيب إلى كل ما اقترح.
وقد كنا ذكرنا ورود الخبر بمسير السلّار المرزبان إلى الريّ ووعدنا هناك باستقصاء خبره والآن حين نبدأ بذلك.
ذكر الأسباب التي بعثت السلّار المرزبان على قصد الريّ وما انعكس عليه من تدابيره حتى أسر وحبس في القلعة بسميرم

كان المرزبان أنفذ رسولا إلى معزّ الدولة في أمور حمله إيّاها فورد مدينة السلام وقد رحل عنها إلى البصرة فافتتحها وأقام هذا الرسول منتظرا له إلى أن عاد فأدّى إليه الرسالة وكان فيها ما غاظه فتقدّم بحلق لحيته ففعل وأسمع نهاية ما كره وانصرف على هذه الحال.
فحكى للمرزبان ما جرى عليه فامتعض وأخذ في جمع الرجال والاستعداد ورأى أن يبتدئ بالريّ فراسل ناصر الدولة سرّا يبذل له المعاونة بنفسه وأولاده ورجاله وماله وأشار عليه بأن يبتدئ بقصد بغداد فخالفه وأجابه بجميل وأعلمه أنّه يرى الصواب في الابتداء بالريّ فإن تمّ له ما يريد طلب بعد ذلك بغداد وغيرها.
وكان استأمن إليه من قوّاد الريّ عليّ بن جوانقوله فعرفه نية القوّاد الذين وراءه بالري وأنّهم على المصير إليه فزاده ذلك طمعا واستدعى أباه محمّد بن مسافر وأخاه أبا منصور وهسوذان.
فلمّا وافاه أبوه تلقّاه وقبّل الأرض بين يديه وأجلسه في صدر الدست ووقف بحضرته وامتنع من الجلوس حتى حلف عليه أبوه دفعات كثيرة فجلس وامتنع وهسوذان من الجلوس فلمّا جنّ الليل خلوا جميعا وتفاوضوا.
فلمّا عرف أبوه صحّة عزمه في قصد الريّ فثأ عزمه وعرّفه أحوالا توجب الامتناع من قصدها فأبى عليه وقال:
« قد وردت عليّ كتب وأكثر القوّاد هناك مستعدّون للانحياز اليّ. » فلمّا كان وقت الوداع بكى أبوه وقال:
« يا مرزبان أين أطلبك بعد يومي هذا. » فقال مجيبا له:
« إمّا في الإمارة بالريّ وإمّا بين القتلى. »
وقد كان ركن الدولة حين عرف خبره كتب يستمدّ من أخويه عماد الدولة ومعزّ الدولة وخشي أن يعاجله المرزبان قبل ورود المدد فكتب إليه على سبيل المكر والخديعة يعظّمه ويستخذي له ويسأله أن ينصرف عنه على شريطة أن يفرج له عن أبهر وزنجان وقزوين.
ولم تزل الرسائل تتردّد بينهما إلى أن ورد حضرة ركن الدولة بارس الحاجب في ألفى رجل من جيش عماد الدولة وورد سبكتكين الحاجب في ألفى رجل من جيش معزّ الدولة وكان قد صار إليه محمّد بن عبد الرزاق مستأمنا من عسكر خراسان ومحمّد بن ماكان مددا من جهة الحسن بن الفيروزان فلمّا تناهى استظهاره قبض على جماعة من قوّاده الذين شكّ فيهم واتّهمهم بمكاتبة المرزبان وسار إلى قزوين في جميع هذه الجيوش.
فعلم المرزبان أنّه لا طاقة له به ولكنّه أنف من الرجوع فعمل على محاربته وكان مع المرزبان يومئذ خمسة آلاف من الديلم والجيل والأكراد فحملت ميمنة ركن الدولة وميسرته على ميمنة المرزبان وميسرته فانهزمتا جميعا وثبت هو في القلب إلى أن قتل بين يديه حموه بلى وونداسفجان بن ميشكى وأسر عليّ بن ميشكى المعروف ببلّط ومحمّد بن إبراهيم وعدّة من أكابر قوّاده وأحاطت الرجال به فأسر وحمله ركن الدولة إلى الريّ ومنها إلى أصبهان وحمل من أصبهان إلى قلعة سميرم.
فلمّا انفصل من الريّ مع جماعة من قوّاد ركن الدولة وخوّاصه وكانوا مضمومين إلى الأستاذ الرئيس حقّا أعنى أبا الفضل ابن العميد رحمه الله كان هو المتولى حفظه والاستظهار عليه إلى أن يحصل في القلعة.
ذكر تدبير تم على المرزبان حتى حصل بإصبهان بعد أن كان واطأ الديلم الذين أخرجوا معه على الفتك بأبى الفضل ابن العميد والهرب به

حدّثني الأستاذ الرئيس أبو الفضل قال:
لمّا كنّا بين الريّ وأصبهان تحقّق عندي مراسلة الديلم إيّاه واجتماعهم على أن يأخذوه قهرا ويحلّوا قيوده ويفتكوا بي وظهر ذلك حتى كادت المكاشفة تقع.
فلمّا خفت فوت التدبير سايرته وهو في عمارية وحادثته وهو ينتظر في ذلك اليوم أن يتمّ له ما يريد وجعلت أقاربه وألين له. فأظهر التوجّع والتألم مما حصل فيه فلمّا أطمعته في نفسي - وكان لا يطمع في ذلك من قبل - أمال إليّ رأسه وقال:
« أنت مقبل فإن كنت صادقا فابدأ بحلّ قيودي وعليّ لك كيت وكيت. » وضمن الضمانات التي تبذل في مثل ذلك الوقت. فأوهمته أنّى لا أعرف شيئا من مواطأة الديلم له وقلت:
« أخشى ألّا يساعدني من معي على ذلك. » فقال: « غفر الله لك، أنت لا تعرف الصورة، جميع من معك قد عملوا على فكّ قيودي والفتك بك وأنا أريد ذلك الساعة إن شئت. » فقلت: « يكفيني أن أثق بذلك ثم أنا أول عبد خدمك وناصحك وتابعك حتى يتمّ لك ما تريده. » وحدّثته بأشياء أنكرتها من صاحبي وحقود في قلبي عليه فاستدعى واحدا بعد واحد من القوّاد الذين كانوا معي وأسرّ إليهم أنّى معه وموال له ووصل حديثه معهم بأن أدخلنى معهم في التدبير فأظهرت سرورا شديدا بذلك وتواعدنا النزول في المنزل القريب وإتمام التدبير.
فلمّا نزلنا وضربت خيمتنا وخركاهاتنا وحصل في موضعه راسلني وأخلانى بنفسه ثم قال لي:
« ابعث إلى فلان وفلان - يعنى جماعة ممن يثق بهم - حتى يحضروا. » فقلت: « أيّها السلارّ، إنّ هاهنا تدبيرا يجب أن تسمعه فإن وقع بوفاقك وإلّا فما تأمر به ممتثل. » فقال: « وما هو. » فقلت: « إنّ حرم ركن الدولة وأولاده وخزائنه كلّها بإصبهان وأنا وزيره وثقته والمتولى للجميع فلو امتددنا على صورتنا هذه حتى لا نتّهم لتمكنت من القبض على الجميع وحصلنا في مدينة عامرة نتمكن فيها من التدبير ومع ذلك فإنّ حرم جميع القوّاد بإصبهان وكذلك أولادهم فإذا قبضنا عليهم لم يبق في واحد منهم فضل لمحاربتك واستسلم الجميع لك وانهدّ جانب ركن الدولة انهدادا لا انجبار له وتمكنّا أيضا من قلاعه وذخائره وأخرجناها ولم يكن له بقية وإن نحن عاجلنا الأمر وخرجنا من هذا المكان طلبنا الخيول وأحدقت بنا ولم نأمن مع ذلك تقرّب بعض من هو الآن معنا إلى تلك الجنبة ونحن في عدة يسيرة وحوالينا أصحابه ورجاله ولا نثق بالسلامة إلى المأمن ».
فرأيته قد تهلل وجهه ولم يملك نفسه لما استخفّه من السرور وقال:
« ليس الرأي إلّا ما رأيت. » قلت: « فإني منصرف عنك فراسل أنت كلّ من واطأك على رأيك الأول بما حدث لك من الرأي. »
قال: « نعم. » وقمت عنه وليس عنده شكّ في حصول الملك له بمواطاتي وأنّه قد أقبل جدّه وتمّت سعادته بتمام تدبيري وشاع في أصحابه ومن كان واطأه أنّا في تدبير فسكنوا بعد أن كانوا هموا بما هموا به.
وسرت آمنا حتى حصلت بإصبهان فلمّا تمكّنت من الرجال والتدبير بدأت بالقبض على أولئك القوّاد واستظهرت على المرزبان بثقاتى حتى حصّلته في القلعة بقيوده.
ذكر ما جرى في أمر عسكر المرزبان في آذربيجان بعد حصوله في الأسر

اجتمع من أفلت من عسكره وقوّاده وفيهم جستان بن شرمزن وعليّ ابن الفضل وشهفيروز بن كردويه وجماعة من الرؤساء مع ألفى رجل من الفلّ إلى الشيخ محمد بن مسافر، فعقدوا له الرياسة عليهم وصاروا إلى أردبيل فملك آذربيجان وهرب ابنه وهسوذان منه وتحصّن في قلعته بالطرم لما كان يعرفه من حقده وسوء رعايته.
فلم تأت الأيّام على محمّد بن مسافر حتى تجبّر وعاد إلى أسوأ أخلاقه مع الديلم فاجتمع الديلم على الوثوب به فشغبوا وهمّوا بقتله فالتجأ بالضرورة إلى ابنه وهسوذان وعنده أنّه يعصمه فقبض عليه وحبسه في قلعة شيشخان التي كان فيها وضيق عليه فلم تنبسط له يد ولا نفذ له أمر حتى توفي وكانت وفاته قبل خلاص ابنه المرزبان من قلعة سميرم.
وقلد ركن الدولة محمّد بن عبد الرزاق أعمال آذربيجان بعد أسر المرزبان وأنفذه إليه فتحيّر وهسوذان في أمره وأضطرّ إلى إخراج ديسم بن إبراهيم من القلعة لطاعة الأكراد إيّاه ولرياسته القديمة على آذربيجان فأطلقه وخلع عليه وقوّاه ومكّنه وواقفه على جمع أكراد آذربيجان ومن يطيعه من غيرهم ويقصد محمّد بن عبد الرزاق.
وكان الديلم بعد محمّد بن مسافر اجتمعوا إلى عليّ بن الفضل ورأسوه فتوسّط وهسوذان بينهما حتى أطاعه عليّ بن الفضل وتمّ أمره وسار ديسم إلى أردبيل واستكتب أحمد بن عبد الله بن محمود وورد ابن عبد الرزاق فانحاز عنه إلى ورثان من نواحي برذعة ليستخرج الأموال وترد عليه عساكر الأكراد.
ذكر خطأ ديسم في إيحاش وزيره حتى فارقه وثلمه فهزمه عدوه

كان بنواحي خويّ وسلماس كاتب نصراني يعرف بابن الصقر من جهة المرزبان قبل أسره فلمّا بلغه خبر ديسم صار إليه وحمل إليه ما كان جباه فحسن موقعه من ديسم فأكرمه وبالغ في إكرامه حتى صار يخلو به ويشاوره فاستوحش وزيره ابن محمود واتّقاه.
فلمّا استعدّ ديسم للقاء ابن عبد الرزاق سلم إلى ابن محمود خزائنه ونقله وأمره بالمصير إلى جبال موقان للتحصّن بها استظهارا إلى أن ينكشف الأمر.
فتسلّم ابن محمود ذلك كلّه وعدل إلى أردبيل وأرسل ابن عبد الرزاق بأنّه صائر إليه وسأله أن يستقبله بطائفة من عسكره ففعل ذلك ووقع ذلك من ابن عبد الرزاق أحسن موقع.
وفتّ في عضد ديسم وبلغه ذلك يوم القتال فضعفت نفسه واضطرب رأيه وتبيّن ذلك منه أصحابه فاضطربوا واستظهر عليه ابن عبد الرزاق فهزمه.