وابن عمٍّ شامتاً وجاراً حاسِداَ ووليًّا قد تَحَوَّل عدوًّا وزَوْجة مُخْتلِعة وجارية مُسْتَبِيعة وعَبداً يَحْقِرك وولداً يَنتهرك فانظُر أين مَوْضِع جَهْدك في الهرَب‏:‏ لرجل من قُريش‏:‏ وإذا ما الله أَسْدَى نِعْمَةً لم يَضِرْها قولُ أعداءِ النِّعَم وقيل‏:‏ إذا سرك أن تَسْلم من الحاسد فعَمِّ عليه أمْرَك‏.‏ وكانت عائشةُ رضى اللهّ عنها تتمثّل بهذين البيتين‏:‏ إذا ما الدهر جَرَّ على أناس حوادثَه أناخَ بآخرِينَا فقُلْ للشَّامِتين بنا أفِيقُوا سيَلْقى الشامِتون كما لَقِينا ولبعضهم‏:‏ إياك والحسدَ الذي هو آفةٌ فَتَوَقَّه وتَوَقَّ غِيرة مَنْ حَسد إِنَّ الحَسُودَ إذا أرك مَوَدَّةً بالقَوْل فهو لك العَدُوُّ المُجْتَهِدْ الليثً بن سَعْد قال‏:‏ بَلَغني أنَّ إبليس لقي نُوحًا فقال له إبليس‏:‏ اتّق الحَسْد والشح فإني حَسَدتُ آدمَ فخرجتُ من الجنة وشَحَّ آدم على شَجرة واحدة مُنِع منها حتى خَرج من الجنًة‏.‏ وقال الحسنُ‏:‏ أصول الشَّرِّ ‏"‏ ثلاثة ‏"‏ وفُروعه ستَّة فالأصول الثلاثة‏:‏ الحَسَد والحِرْص وحُبًّ الدُّنيا‏.‏ والفُروع الستة‏:‏ ‏"‏ حُبّ النوم وحُبّ الشِّبع وحُبُّ الراحة وحُبُّ الرئاسة وحُبُّ الثناء وحُبُّ الفَخْر‏.‏ وقال الحسن‏:‏ يَحْسُد أحدُهم أخاه حتى يَقَعَ في سَرِيرته وما يَعْرِف علانِيَته ويَلُومه على ما لا يَعْلمه منه وَيتعلم منه في الصّداقة ما يُعَيِّره به إذا كانت العداوة والله ما أرى هذا بمُسْلِم‏.‏ ابن أبي الدُّنيا قال‏:‏ بَلغني عن عُمر بن ذَرّ أنه قال‏:‏ اللهم من أرادنا بشّرٍ فاكفِناه بأيِّ حُكمَيْك شِئت إمّا بتَوْبة وإمّا براحة‏.‏ قال ابن عباس‏:‏ ما حسدتُ أحداً على هاتين ‏"‏ الكلمتين ‏"‏‏.‏ وقال ابن عبَّاس‏:‏ لا تَحْقِرَنَ كلمة الحكمة أن تَسْمعها من الفاجر فإنما مَثَلُه كما قال الأول‏:‏ رُبَّ رَمْيَة من غير رام‏.‏ وقال بعضُ الحكماء‏:‏ ما أمحقَ للإيمان ولا أهتكَ للستر من الحسد وذلك أنّ الحاسدَ مًعاند لحكم الله‏.‏ باغٍ على عباده عاتٍ على ربه يَعْتَدّ نِعم اللهّ نِقَما ومَزِيده غِيَرا وعَدْل قضائة حَيْفا للناس حال وله حال ليس يهدأ ولا يَنام جَشَعه ولا ينْفعه عَيْشُه مُحْتقر لِنَعم الله عليه مُتسخِّط ما جرت به أقدارُه لا يَبردُ غَليله ولا تُؤْمَن غوائله إن سالمتَه وَتَرَك وأن وَاصلتَه قَطَعك وإن صَرَمتْه سَبَقك‏.‏ ذُكِر حاسدٌ عند بعض الحكماء فقال‏:‏ يا عَجَبا لرجل أسلكه الشيطانُ مهاوِي الضَّلالة وأورده قُحَم الهَلَكة فصار لنعم الله تعالى بالمرصاد إن أنالها من أحب مِن عِباده أشْعِر قلبُه الأسف على ما لم يُقْدَر له وأغاره الكَلَفُ بما لم يكن لِينالَه‏.‏ اصبر على حَاسَد الحَسو د فإنّ صَبْرَكَ قاتلُه النَّارُ تأكل بعضها إن لم تَجدْ ما تاكله وقال عبدُ الملك بن مَرْوان للحجاح‏:‏ إنه ليس منَ أحدٍ إلا وهو يَعرف عَيب نفسه فصفْ لي عيوبك‏.‏ قال‏:‏ أعفِنى يا أمير المؤمنين قال‏:‏ لستُ أفعل قال‏:‏ أنا لَجُوج لَدُود حَقُود حَسُود قال‏:‏ ما في إبليس شرٌ من هذا‏.‏ وقال المنصور لسُليمان بنِ مُعاوية المُهلَبي‏:‏ ما أسرع الناسَ إلى قومك‏!‏ فقال‏:‏ يا أمير المؤمنين‏:‏ إن العَرَانين تَلْقَاها مُحَسِّدةً ولن تَرَى للئام الناس حُسَّادَا وأنشد أبو موسى لنَصرْ بن سيار‏:‏ إِنِّي نشأتُ وحُسَّادي ذَوُو عَدَدٍ يا ذا المَعارج لا تَنْقُص لهم عَدَدَا إنْ يَحْسُدًوني على حُسْنِ البَلاَء بهم فمِثْل حُسْن بَلاَئي جر لي حَسدا وقال آخر‏:‏ إن يَحْسُدُوني فإنّي غيرُ لائمهم قبْلي من الناس أهل الفضل قد حُسِدُوا فَدَام لي ولهم ما بي وما بهم وما أكثرْنا غَيظاً بما يَجِد إنَ الغُراب وكان يَمشي مِشْيَةً فيما مضى من سالف الأحْوَالِ حَسَد القطَاة فَرَام يمشي مَشْيَها فأصابَه ضَرْبٌ من العُقًال ‏"‏ فأضلّ مِشْيته وأخطأ مَشْيها فلذاك كنِّوه أبا مِرْقال ‏"‏ وقال حبيب الطائي‏:‏ وإذا أراد الله نَشرَ فَضيلةٍ طُوِيت أتاح لها لسانَ حَسُودِ لولا اشتعالُ النار فيما جاوَرَت ما كان يُعْرف طِيبُ عَرْف العُودِ وقال محمد بن مُناذر‏:‏ بأيُها العَائبي وما بيَ من عَيْبِ ألا تَرْعَوِي وتَزْدَجِرُ هلْ لك عِندي وِتْرٌ فتَطْلُبَه أم أنتَ مما أتيتَ مُعتَذِرُ إِنْ يَكُ قَسْمُ الإله فَضّلني وأنت صَلْدٌ ما فيك معْتَصر فالحمدُ والشُّكر والثَناء له وَللْحَسود الترَابُ والْحَجَرُ فما الذي يَجتني جَليسُك أوْ يَبْدُو لهُ منك حين يَختبر اقرأ لنا سورة تُذَكرنا فإنّ خيْرَ المواعِظ السُوَرُ أو مِن أعاجيب جاهِليتنا فإنها حِكمةٌ ومُخْتَبر أو آرْوِ عن فارس لنا مثلاً فإن أمثالَها لنا عِبَرُ فإن تكن قد جَهِلت ذاك وذا ففيكَ للناظِرينِ مُعْتَبَر فغَنً صوتاً تُشْجَى النفوس به وبعضُ ما قد أتيت يُغتفر الأصمعيّ قال‏:‏ كان رجلٌ من أهل البصرة بذيئاً شِرِّيراً يؤذي جيرانه ويَشتم أعراضهم فأتاهُ رجلٌ فوَعظه فقال له‏:‏ ما بالُ جيرانك يَشكونك قال‏:‏ إنهم يَحسدُونني قال له‏:‏ على أيّ شيء يَحسدُونك قال‏:‏ على الصَلْب قال‏:‏ وكيف ذاك قال‏:‏ أَقْبِلْ معي‏.‏ فأقبل معه إلى جيرانه فقعد مُتحازِناً فقالوا له‏:‏ ما لَك قال‏:‏ طَرَق الليلة كتاب مُعاوية أنا أصلب أنا ومالك بن المنذر وفلان وفلان - فذكر رجالاً من أشراف أهل البصْرَة - فوَثبوا عليه وقالوا‏:‏ يا عدوّ اللهّ أنت تُصْلب مع هؤلاء ولا كرامةَ لك‏!‏ فالتفت إلى الرجل فقال‏:‏ أما تراهم قد حَسدوني على الصَّلب فكيف لو كان خيراً‏!‏ وقيل لأبي عاصم النبيل‏:‏ إنّ يحيى بن سَعيد يَحْسُدك وربما قَرَّضك فأَنشأَ يقول‏:‏ فلستَ بحيٍّ ولا ميتٍ إذا لم تُعادَ ولم تُحْسَدِ كتب عُمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى أبي موسى الأشعريّ‏:‏ مُر ذَوي القَرَابات أن يتزَاورُوا ولا يتجاورُوا‏.‏ وقال أكثم بن صَيْفيّ‏:‏ تباعَدُوا في الدار تقاربُوا في المودَّة‏.‏ وقالوا‏:‏ أَزْهدُ الناس في عالمٍ أهلُه‏.‏ فَرَج بن سلام قال‏:‏ وَقف أميِّة بن الأسكر عِلى ابن عم له فقال‏:‏ نَشَدْتُك بالبَيت الذي طافَ حولَه رجالٌ بَنوه من لؤَيّ بن غالبِ فإنك قد جَرَّبتني فوجدتنيِ أُعينك في الجُلّى وأكفيك جانبي وإن دبَّ من قومي إليك عداوةً عقاربهُم دبَّت إليهم عَقارِبي قال أكذلك أنتَ قال‏:‏ نعم قال‏:‏ فما بالُ مِئبرك لا يزال إليَّ دسيسا قال‏:‏ لا أعود قال‏:‏ قد رضيتُ وعفا الله عما سلف وقال يحيى بن سعيد‏:‏ من أراد أن يَبِين عملُه ويَظهر علمُه فَلْيَجلس في غير مَجْلس رهْطه‏.‏ وقالوا الأقارب هم العقارب‏.‏ وقيل لعطاء بن مصعب‏:‏ كيف غلبتَ على البرامكة وكان عندهم من هو آدبُ منك قال‏:‏ كنتُ بعيدَ الدار منهم غريب الاسم عظيمَ الكِبْر صغير الجرْم كثيرَ الالتوإء فقرّبني إليهم وقال رجلٌ لخالد بنِ صَفْوان‏:‏ إنِّي أحبك قال‏:‏ وما يَمنعك من ذلك ولستُ لك بجار ولا أخٍ ولا ابن عم‏.‏ يريد أن الحسد مُوكل بالأدنى فالأدنى‏.‏ الشِّيباني قال‏:‏ خَرجِ أبو العبَّاس أميرُ المؤمنين متنزِّها بالأنبار فأمعن في نزهتة وانتبذ من أصحابه فوافي خباءً لأعرَابيّ‏.‏ فقال له الأعرابيّ‏:‏ ممن الرجل قال‏:‏ مِن كِنانة قال‏:‏ من أيّ كِنانة قال‏:‏ من أبغض كِنانة إلى كِنانة قال‏:‏ فأنت إذاً من قُريش قال‏:‏ نعم قال‏:‏ فمن أيّ قريش قال‏:‏ من أبغض قريش إلى قُريش قال‏:‏ فأنت إذاً من ولد عبد المطلب قال‏:‏ نعم قال‏:‏ فمن أيّ وَلد عبد المطّلب أنت قال‏:‏ من أبغض ولد عبد المطلب إلى ولد عبد المُطلب قال‏:‏ فأنت إذاً أميرُ المؤمنين السلام عليك يا أميرَ المؤمنين