باب في التواضع

قال النبي ‏:‏ مَن تَوَاضَع لله رَفعه الله‏.‏ وقال عبدُ الملك بن مَرْوان رَفعه إلى النبي ‏:‏ أفضَل الرجال مَن تَوَاضع عن رِفْعة وزَهِد عن قُدْرة وأنصف عن قوة‏.‏ وقال ابن السماك لعيسى بن موسى‏:‏ تواضُعك في شَرَفك أكبرُ من شرَفك‏.‏ وأصبح النّجاشيّ يوماً جالساً على الأرض والتّاجُ عليه فأعظمت بَطارقتُه ذلك وسألُوه عن السَّبب الذي أوْجبه فقال‏:‏ إني وَجدت فيما أنزل الله على المَسِيح‏:‏ إذا أنعَمْتُ عَلَى عَبْدِي نِعمةً فَتَواضَع أتمَمتُها عليه وإنه وُلد لي هذه الليلةَ غلامٌ فتواضعتُ شكراً للّه‏.‏ خرج عمرُ بن الخطّاب رضي الله عنه ويدُه على المُعلَّى بن الجارود العَبْديِّ فَلقيَتْه امرأةٌ من قُرَيش فقالت له‏:‏ يا عُمر فَوَقف لها فقالت‏:‏ كنَا نَعْرفك مُدةً عُميراً ثم صِرْت من بعد عُمير عُمر ثم صِرْت من بعد عُمر أميرَ المؤمنين فاتق اللهّ يا بن الخطّاب وانظُر في أمور الناس فإنه مَن خاف الوَعيد قَرُبَ عليه البَعيد ومَن خاف الموتَ خَشيَ الفَوْت‏.‏ فقال المُعلّى‏:‏ إيهاً يا أمةَ الله فقد أبكيتِ أميرَ المؤمنين‏.‏ فقال له عُمر‏:‏ اسكت أتَدْري مَن هذه ‏"‏ ويحك ‏"‏ هذه خَوْلة بنت حَكيم التي سمع الله قولَها من سمائه فعُمَر أحرى أن يَسمع قولَها ويَقْتدي به‏.‏ وقال أبو عَبّاد ‏"‏ الكاتب ‏"‏‏:‏ ما جَلس إليَّ رجل قَطَ إلا خيِّل إليَ أنّي سأجلس إليه‏.‏ وسُئل الحسنُ عن التواضع فقال‏:‏ هو أن تخرج من بَيْتك فلا تلْقى أحداً إلا رأيتَ له الفضلَ وقال رجل لبَكر بن عبد الله‏:‏ عَلِّمني التواضع فقال‏:‏ إذا رأيتَ مَن هو أكبَرُ منك فقُل‏:‏ سَبَقني إلى الِإسلام والعَمل الصالح فهو خير مني وإذا رأيت ‏"‏ من هو ‏"‏ أصغرُ منك فقُل‏:‏ سبقتُه إلى الذُّنوب والعمل السيئ فأنا شرٌّ منه‏.‏ وقال أبو العتاهية‏:‏ يا مَن تشرًّف بالدُّنيا وزينتها ليسَ التشرُّف رَفْعَ الطّين بالطيّن إذا أردتَ شريفَ الناس كلِّهِمُ فانظُرْ إلى مَلِك في زِيِّ مِسْكينَ ‏"‏ ذاك الذي عَظُمت في الناس هِمَّته وذاكَ يَصْلح للدُّنيا وللدِّين ‏"‏ الرفق والأناة قال النبي ‏:‏ مَن أًوتِيَ حظَّه من الرِّفق فقد أوتي حظَّه من خَيْر الدُنيا والآخرة‏.‏ وقالت الحُكماء‏:‏ يُدْرَك بالرِّفق ما لا يُدْرَك بالعًنْف ألاَ تَرى أنّ الماء على لِينه يَقْطع الْحَجَر على شِدَته وقال أشجعُ ‏"‏ بن عمرو ‏"‏ السُّلَميّ لجعفر بنِ يحيى بنِ خالد‏:‏ وقال النابغة‏:‏ الرِّفْقُ يُمْن والأَناةُ سعادةٌ فاْسْتَأْنِ في رِفْق تُلاَق نَجَاحَا وقالوا‏:‏ العَجل بَرِيدُ الزَّلل‏.‏ أخذ القَطامىِ التَّغلبِيّ هذا المعنى فقال‏:‏ قد يُدْرِك المُتَأنِّي بعض حاجتِه وقد يكونُ معَ المُستَعْجل الزَّللُ وقال عَدِيُّ بن زَيد‏:‏ قد يُدْرِكُ المُبْطِىءُ مِن حظّه والْحَين قد يَسْبقُ جُهْدَ الحَرِيصْ استراحة الرجل بمكنون سره إلى صديقة تقول العرب‏:‏ أَفْضَيْتُ إليك بشُقوري‏.‏ وأَطلَعْتُك على عًجَري وبُجَري‏.‏ لوكان في جَسدي بَرص ما كَتَمتُه‏.‏ وقال اللهّ تبارك وتعالى‏:‏ ‏"‏ لِكُلِّ نَبَأٍ مُسْتَقَرّ ‏"‏‏.‏ وقالت الحكماء‏:‏ لكلّ سِرّ مُستودع‏.‏ وقالوا‏:‏ مكاتمة الأدْنين صرَيحُ العُقوق‏.‏ وأبثثتُ عَمراً بعضَ ما في جَوَانحي وجَرَّعتُه من مُرّ ما أتجرع ‏"‏ ولا بدَّ من شَكْوى إلى ذي حَفِيظةٍ إِذَا جَعلتْ أسرارُ نفس تَطَلَّع ‏"‏ وقال حبيب‏:‏ شكوت وما الشَّكْوَى لِمِثْليَ عادةٌ ولكنْ تَفِيضُ النفسُ عند امتلائها وأنشد أبو الحسن محمد الَبَصَريَّ‏:‏ لَعِبَ الهَوَى بمَعالمي ورُسومي ودُفِنْتُ حيًّا تحت رَدْم هُمُومِي وشكوتُ هَمِّي حين ضِقْتُ ومَن شكا هَمًّا يضِيقُ به فغير ملوم وقال آخر‏:‏ إِذا لم أطِق صَبراً رَجعتُ إلى الشكوى وناديتُ تحت اللًيل يا سامع النَّجْوَى وأَمطَرْت صَحْن الخَدِّ غيثاً من البُكا على كَبِد حَرَّى لِتَرْوَى فما تَرْوَى الاستدلال باللحظ على الضمير قالت الحكماء‏:‏ العينُ باب القَلْب فما كان في القلب ظهَر في العين‏.‏ أبو حاتم عن الأصمعي عن يونس بن مُصْعب عن عثمان بن إبراهيم بن محمد قال‏:‏ إني لأَعرف في العين إِذَا عَرفتْ وأَعرِف فيها إذا أنكرتْ وأعرف فيها إذا لم تَعرف ولم تُنكر أما إذا عرفت فتخواصّ وأما إذا أَنكرت فتَجْحظ وأما إذا لم تَعرف ولم تُنْكر فتَسْجُو‏.‏ وقال صريعُ الغَواني‏:‏ جَلنا عَلامات اْلمَوَدَّة بَيْننا مَصايِدَ لَحْظٍ هنَ أَخفي من السِّحْرِ فأعرفُ فيها الوَصْلَ في لِينِ طَرْفِها وأعرِف فيها الهَجْر في النَظر الشزْر وقال محمودٌ الورّاق‏:‏ إنّ العُيون على القُلوب شَوِاهدٌ فبغيضُها لكَ بَينٌّ وحبِيبُها وإذا تَلاحظت العُيون تَفاوضت وتحدثت عما تجن قلوبها يَنْطِقْنَ والأفْواهُ صامِتةٌ فما يَخْفي عليك بَريئُهَا ومُريبها وقال ابن أبي حازم‏:‏ خذْ مِن العَيْش ما كَفي ومِن الدَّهر ما صَفا عين من لا يُحب وَصْلك تُبْدِي لكَ آلْجَفَا ومن قولنا في هذا المعنى‏:‏ صاحب في الحب مَكْذُوبُ دَمْعة للشَّوق مَسْكوب وقال الحسنُ بن هانئ‏:‏ وإِنّي لِطَيْر العيَنْ بالعَينْ زاجِر فقد كِدْتُ لا يَخْفي عَلَيَّ ضَمِيرُ الاستدلال بالضمير على الضمير كتب حَكيمٌ إلى حَكيمٍ‏:‏ إذا أردتَ معرفةً مالَك عنِدي فضَع يَدَك على صدْرك فكما تَجدُني كذلك أجدُك‏.‏ وقالوا‏:‏ إيَّاكم ومَن تُبغضه