لم يبقَ أمامي متّسع منالوقت لأعود إليك هذه الأيام، وليس في حوزتي أية صورة. يمكنك أن تستعين بصورتيالموجودة على ظهر كتابي، في انتظار أن أعود.

أعترف أنني لم أفهم في ذلكالحين أيضاً، إذا كان في جوابك شيء من التلميح لي بأنك لن تعودي إلى هذا البيت، أمأنك كنت تجيبيني بتلقائية بريئة لا أكثر؟

ألست أنت التي كنت تلحّين عليّ أنأرسمك؟
فلماذا حوّلت هذه اللوحة إلى قضية شخصية أنا وحدي معنيّ بها؟

لمأناقشك كثيرا. كنت أدري أنني في جميع الحالات سأرسمك. ربما لأنني لا أعرف كيف أرفضلك طلباً، وربما لأنني لا أعرف كيف سأقضي الصيف دون استحضارك ولورسماً.

ذهبت ذلك اليوم بعدما وضعت قبلتين على خدّي، ووعدتني بلقاء قريب. لميعد ممكناً بعد قبلتنا أن نتصافح..

كنت أعي أنّ شيئاً ما قد تغيّر فيعلاقتنا، ولم يعد ممكناً بعد اليوم لذلك المارد الذي انطلق فجأة من أعماقنا، أنيعود إلى قلب الزجاجة التي أغلقناها عليه لأسابيع كاملة.

كنت أعي أنني أنتقلمعك في بضع لحظات من الحب إلى العشق. من العاطفة البريئة إلى الشهوة، وأنه سيكون منالصعب، بعد اليوم، أن أنسى مذاق قبلتك، وحرارة جسدك الملتصق بي للحظات.

كمدامت قبلتنا تلك.. دقيقتين؟ ثلاثاً؟ أم خمس دقائق للجنون لا غير؟

أيمكن أنتفعل تلك الدقائق القليلة كل الذي حلّ بي بعد ذلك؟

أيمكن أن تلغي خمس دقائق،خمسين سنة من عمري؟

وكيف لم أشعر بعدها بأيّ إحساس بالندم، بأيّ خجل تجاهذكرى سي الطاهر؟ أنا الذي كنت أقترف يومها أول خيانة بالمفهوم الأخلاقيللخيانة.

لا.. لم يكن في قلبي سوى الحب.

كنت ممتلئاً بالعشق،بالشهوة، بالجنون. كنت أخيراً سعيداً. فلماذا أفسد سعادتي بالندم، بالتساؤلات التيستوصلني إلى التعاسة؟

لا أذكر من قال " الندم هو الخطأ الثاني الذينقترفه.." ولم يكن في القلب مساحة أخرى ولو صغيرة، يمكن أن يتسلل منها شيء آخر غير؟الحبّ.
ألم يكن كلّ ذلك جنوناً.

كيف سمحت لنفسي أن أكون سعيداً إلى ذلكالحدّ، وأنا أدري أنني لم أمتلك منك شيئاً في النهاية، سوى بضع دقائق للفرحالمسروق، وأن أمامي متسعاً من العمر.. للعذاب؟


الفصل الرابع



كان لرحيلك مذاق الفجيعة الأولى. والوحدة التي أحالتني في أيام إلى مرتبة لوحة يتيمة على جدار، تحضرني جملة تبدأ بها رواية أحببتها يوماً..

"ما أعظم الله! فهو عظيم بقدر ما أنا وحيد. إني لأرى المؤلف فيبدو لي كلوحة.."

وكنت أنا في عزلتي ووحدتي، ذلك المؤلف وتلك اللوحة معاً. فما أكبر وأبرد ذلك الكون الذي كنت معلّقاً على جداره، في انتظارك!
كنت أدخل بعدك منحدرات الخيبات النفسية والعاطفية في الوقت نفسه. وأعيش ذلك القلق الغامض، الذي يسبق ويلي دائماً كل معرض لي. وكنت أقوم تلقائياً بجردة لأفراحي وخيباتي.
انتهى معرضي إذاً. لم تهتم به غير صحافة فرنسية مختصّة كالعادة. وبعض المجلات العربية المهاجرة.

ولكن يمكن أن أقول إنه حصل على تغطية إعلامية كافية، وأن الذين كتبوا عنه أجمعوا على أنه حدث فني عربي في باريس.
وحدها الصحافة الجزائرية تجاهلته، عن إهمال لا غير، كالعادة. جريدة ومجلة أسبوعية واحدة، كتبتا عنه بطريقة مقتضبة. وكأنهما تعانيان فعلاً من قلة الصفحات، وليس من قلة المواد الصحافية.

بينما لم يحضر ذلك الصديق الصحافي، الذي وعدني بالحضور إلى باريس لقضايا شخصية، ولإجراء مقابلة مطوّلة معي بالمناسبة نفسها. ورغم أنني رجل غير مولع بالأضواء، والجلوس لعدة ساعات إلى صحافي للحديث عن نفسي، فإنني كنت أتمنى أن تتم تلك المقابلة، لأتمكن أخيراً من الحديث مطوّلاً إلى الشخص الوحيد الذي كان يعنيني حقاً.. القارئ الجزائري.

عبد القادر طلبني ليخبرني أنه اضطر للبقاء في الجزائر، لتغطية مهرجان ما من أحد المهرجانات التي ازدهرت هذه الأيام، لأسباب غامضة يعلمها الله.. وآخرون.

ولم أعتب عليه.. ليس هناك من مقارنة بين مهرجان أو ملتقى رسمي، يتم إعداده والإنفاق عليه بالعملة الصعبة وبين أي معرض مهما كان اسم صاحبه، والسنوات التي أخذتها منه تلك اللوحات.

في النهاية لا يمكن حتى أن أعتب على الصحافة الجزائرية.

ماذا يمكن أن يقدم معرض للوحات الفنية من متعة أو ترفيه للمواطن الجزائري الذي يعيش على وشك الانفجار، بل الانتحار، ولا وقت له للتأمل أو التذوق، والذي يفضّل على ذلك مهرجاناً لأغنية (الراي). يمكن أن يرقص.. ويصرخ.. ويغني فيها حتى الفجر، منفقاً على تلك الأغاني الشعبية المشبوهة، ما تجمّع في جيبه من دينارات، وما تراكم في جسده من "ليبيدو"؟

تلك "الثروة" الوحيدة التي يملكها شبابنا حقاً، والتي كعملتنا يدري أين ينفقها خارج الأسواق السوداء.. للبؤس.

بعضهم أدرك هذا قبل غيره.

سنة 1969، وفي عزّ الفراغ والبؤس الثقافي الذي كان يعيشه الوطن، اخترع أحدهم في بضعة أيام، أكبر مهرجان عرفته الجزائر وإفريقيا، كان اسمه "المهرجان الإفريقي الأول"، دعيت إليه قارة وقبائل إفريقية بأكملها لتغني وترقص _عارية أحياناً_ في شوارع الجزائر لمدة أسبوع كامل على شرف الثورة!

كم من ملايين أنفقت وقتها، على مهرجان للفرح ظلّ الأول والأخير. وكانت أهم إنجازاته التعتيم على محاكمة قائد تاريخي كان أثناء ذلك، يستجوب ويعذّب رجاله في الجلسات المغلقة.. باسم الثورة نفسها.

ودون أن تكون لي صداقة ما بذلك القائد، الذي كان اسمه الطاهر أيضاً، ولا أيّ عداء خاص لذلك الحاكم الذي كان يوماً مجاهداً وقائداً أيضاً، بدأت أعي لعبة السلطة، وشراهة الحكم. وأصبحت أحذر الأنظمة التي تكثر من المهرجانات والمؤتمرات.. إنها دائماً تخفي شيئاً ما!.

فهل هي مصادفة أن تبدأ مشكلاتي من ذلك الحين، ويولد أول مذاق للمرارة في حلقي يومها؟

عندما التقيت بذلك الصديق بعد أشهر، اعتذر لي بأسف صادق، ووعدني ألا يفوّت معرضي القادم.

ربّتّ على كتفه ضاحكاً وقلت:

- لا يهم.. بعد أيام لن يذكر أحد اسم ذلك المهرجان. ولكن التاريخ سيذكر اسمي لا محالة ولو بعد قرن!

قال لي بمزاحٍ لا يخلو من الجد:

- أتدري أنك مغرور؟

أجبته:

- أنا مغرور لكي لا أكون "محقوراً" فنحن لا نملك الخيار يا صاحبي. إننا ننتمي إلى أمة لا تحترم مبدعيها وإذا فقدنا غرورنا وكبريائنا، ستدوسنا أقدام الأميين والجهلة!

تساءلت بعدها أأكون مغروراً حقاً؟

اكتشفت بعد شيء من التفكير، أنني لا أكون مغروراً إلا لحظة أقف أمام لوحة بيضاء وأنا ممسك بفرشاة. كم بلزمني من الغرور لحظتها لأهزم بياضها وأفضّ بكارتها، وأتحايل على ارتباكي بفائض رجولتي، وعنفوان فرشاتي؟

ولكن..
ما أكاد أنتهي منها، وأمسح يدي من كل ما علق بها من ألوان حتى أرتمي على الأريكة المجاورة، وأتأملها مدهوشاً، وأنا أكتشف أنني الوحيد الذي كان يعرق وينزف أمامها..

وأنها أنثى عربية تتلقى ثورتي ببرود وراثي مخيف!

.. ولذا، حدث في لحظات انهياراتي وخيباتي الكبرى أن مزّقت إحداهنّ وألقيت بها في سلة المهملات، بعدما أصبح وجودها يضايقني.