قررت هكذا أن أتركك بلا اسم. هنالك أسماء لا تستحقالذكر.

لنفترض أنك امرأة كان اسمها "حياة"، وربما كان لها اسم آخر.. فهل مهماسمك حقاً؟

وحدها أسماء الشهداء غير قابلة للتزوير، لأن من حقهم علينا أننذكرهم بأسمائهم كاملة. كما من حق هذا الوطن علينا أن نفضح من خانوه، وبنوا مجدهمعلى دماره، وثروتهم على بؤسه، مادام لا يوجد هناك من يحاسبهم.

وأدري.. ستقولإشاعة ما إن هذا الكتاب لك. أؤكد لك سيدتي تلك الإشاعة.

سيقول نقّاد يمارسونالنقد تعويضاً عن أشياء أخرى، إن هذا الكتاب ليس رواية، وإنما هذيان رجل لا علم لهبمقاييس الأدب.

أؤكد لهم مسبقاً جهلي، واحتقاري لمقاييسهم. فلا مقياس عنديسوى مقياس الألم، ولا طموح لي سوى أن أدهشك أنتِ، وأن أبكيك أنت، لحظة تنتهين منقراءة هذا الكتاب..

فهناك أشياء لم أقلها لك بعد.

اقرئي هذا الكتاب.. وأحرقي ما في خزانتك من كتبٍ لأنصاف الكتاب، وأنصاف الرجال، وأنصافالعشاق.

من الجرح وحده يولد الأدب. فليذهب إلى الجحيم كل الذين أحبوكبتعقّل، دون أن ينزفوا.. دون أن يفقدوا وزنهم ولا اتزانهم..

تصفّحيني بشيءمن الخجل.. كما تتصفّحين ألبوم صور مصفرّة، لطفلة كانت أنتِ.

كما تطالعينقاموساً لمفردات قديمة معرّضة للانقراض والموت.

كما تقرأين منشوراً سرياً،عثرت عليه يوماً في صندوق بريدك.

افتحي قلبك.. واقرأيني.

كنت يوماًأريد أن أحدثك عن سي الطاهر وعن زياد وعن آخرين.. عن كل ما كنت تجهلين.

ولكنمات حسان.. ولم يعد اليوم وقت للحديث عن الشهداء.. أصبح كل واحد منا مشروعشهيد.

يحزنني ألا أهبك غزالة. "الغزلان لا تكون غزلاناً إلا عندما تكونحيّة". ولم يبق لي ما يمكن أن أهديكِ اليوم.

لقد أخذت مني كل من أحببت،الواحد بعد الآخر، بطريقة أو بأخرى. وتحول القلب إلى مقبرة جماعية ينام فيها دونترتيب كل من أحببت. وكأن قبر (أمّا) قد اتسع ليضمهم جميعاً.

ولم أعد أنا سوىشاهد قبر لسي الطاهر.. لزياد ولحسان. شاهد قبر للذاكرة.

كنت أدري الكثير عنحماقة القدر، الكثير عن ظلمه وعن عناده، عندما يصرّ على ملاحقة أحد.

ولكنأكان يمكن لي أن أتوقع أن شيئاً كذلك يمكن أن يحدث؟
كنت اعتقد أنني دفعت لهذاالقدر الأحمق ما فيه الكفاية، وأنه حان لي بعد هذا العمر، وتلك السنوات التي تلتفجيعة زياد، وفجيعة زواجك، أن أرتاح أخيراً.

فكيف عاد القدر اليوم ليأخذ منيأخي، أخي الذي لم يكن لموته من منطق. لا كان في جبهة، ولا كان في ساحة قتال ليموتميتة سي الطاهر، وميتة زياد، رمياً بالرصاص.. أيضاً.


***


ذات يوم من أكتوبر 88، جاء خبر موته هكذا صاعقةيحملها خط هاتفي مشوش، وصوت عتيقة الذي تخفيه الدموع.

ظلت تجهش بالبكاءوتردد اسمي، وأنا أسألها مفجوعاً:

- "
واش صار..؟"

كنت على علم بتلكالأحداث التي هزّت البلاد، والتي كانت الجرائد ونشرات الأخبار الفرنسية تتسابقبنقلها مصور، مفصلة، مطوّلة، باهتمام لا يخلو من الشماتة.
كنت أعرف تفاصيلها،وأدري أنها مازالت وهي في يومها الثاني مقتصرة على العاصمة. فمن أين لي أن أتوقّعالذي حدث؟

كان صوت عتيقة يردد مقطّعاً:

-
قتلوه.. آ خالد.. يا وخيدتيقتلوه..

وصوتي يردد مذهولاً:

-
كيفاش.. كيفاش قتلوه؟

كيف ماتحسان؟

هل مهم السؤال، وموته كان أحمق كحياته، ساذجاً كأحلامه.

أقرأكل الجرائد لأفهم كيف مات أخي، بين الحلم والحلم.. بين الوهم والوهم.

ماالذي ذهب به إلى العاصمة ليقابل "جماعة" هناك، هو الذي لم يزر العاصمة إلانادراً.

ذهب هكذا في نهاية أسبوع.. ليبحث عن نهايته.

ضاقت بهقسنطينة، ولم توصله جسورها الكثيرة إلى شيء.

قالوا له: "في العاصمة ستكون لك "خيوط". ستوصلك الطرق القصيرة هناك.. ولن توصلك الجسور هنا!".

صدّق حسان،وذهب إلى العاصمة ليقابل "فلاناً" من قبل "فلان" آخر..

وكان مقرراً أن تحلقضيته أخيراً هذه المرة، بعد عدة سنوات من الوساطات والتدخلات، ويغادر نهائياً سلكالتعليم، لينتقل إلى العاصمة ويعيّن موظفاً في مؤسسة إعلامية.

ولكن القدر هوالذي حسم "ملفه" هذه المرة.

بين "فلان" و "فلان" مات حسان، خطأ برصاصةخاطئة، على رصيف الحلم.

فالحلم ليس في متناول الجميع أخي.. كان عليك ألاتحلم!

أحقاً "إن الشقاء يعرف كيف يختار صفاته" ولهذا اختارني أنا، واختار ليكل هذه الفجائع المذهلة، لأنفرد بها وحدي.

أنا الذي لم أكن أحلم سوى بأنأهبك غزالة..

كيف لي أن أفعل ذلك.. وأنت تهبينني كل هذا الدمار.. كل هذاالخراب؟


***


ويعود فجأة، حديث قديم بيننا إلى البال.

حديث مرّت عليه اليوم ست سنوات. في ذلك الزمن الذي كنت تجدين فيه شبهاً بيني وبين "زوربا". الرجل الذي أحببته الأكثر حسب تعبيرك، والذي كنتِ تحلمين بكتابة رواية كروايته، أو حب رجل مثله.

ترى لأنك كنت عاجزة عن كتابة رواية كتلك، اكتفيت بتحويلي إلى نسخة منه، وجعلتني مثله أتعلم أن أشفى من الأشياء التي أحبها بأكلها حتى التقيؤ..

جعلتني أعشق الخراب الجميل، وأتعلم كطائر يذبح أن أرقص من ألمي..

ها هوذا الخراب الجميل، الذي حدّثتني عنه يوماً بحماسٍ مدهش لم يثر شكوكي، يوم قلتِ:

"مدهش أن يصل الإنسان بفجائعه حد الرقص. إنه تميز في الخيبات والهزائم أيضاً. فليست كل الهزائم في متناول الجميع. لا بد أن تكون لك أحلام فوق العادة، وأفراح وطموحات فوق العادة، لتصل بعواطفك تلك إلى ضدها بهذه الطريقة..".

آه سيدتي لو تدرين!

كم كانت أحلامي كبيرة. وما أفظع هذا الخراب الذي تتسابق قنوات التلفزيون على نقله اليوم!

ما أفظع هذا الدمار، وما أحزن جثة أخي الملقاة على رصيف، يخترقها رصاص طائش!

ما أحزن جثته، وهي تنتظرني الآن في ثلاجة الموتى لأتعرف عليه، وأرافقه جثماناً إلى قسنطينة.

ها هي ذي قسنطينة مرة أخرى..
تلك الأم الطاغية التي تتربص بأولادها، والتي أقسمت أن تعيدنا إليها ولو جثة.

ها هي قد هزمتنا، وأعادتنا إليها معاً. في تلك اللحظة التي اعتقدنا فيها أننا شفينا منها، وقطعنا معها صلة الرحم.

لا حسان سيغادرها إلى العاصمة.. ولا أنا سأقدر على الهرب منها بعد اليوم..

ها نحن نعود إليها معاً..

أحدنا في تابوت.. والآخر أشلاء رجل.

وقع حكمك عليّ أيتها الصخرة.. أيتها الأم الصخرة..

فأشرعي مقابرك، وانتظريني. سآتيك بأخي.. افسحي له مكاناً صغيراً جوار أوليائك الصالحين، وشهدائك، وباياتك.. كان حسان كل هذا على طريقته.

كان غزالاً..

في انتظار ذلك.. تعالي سيدتي وتفرّجي على كل هذا الخراب الجميل!

فبعد قليل سيحضر زوربا ليمسك بكتفي ولنبدأ الرقص معاً.

تعالي..

لا بد ألا تخلفي هذا المشهد، سترين كيف يرقص الأنبياء