








لك تكن تصور ما تراه أنت, بل ما تتصور أن ذلكالطفل رآه حد الخرس.
عندما كنت ألتقط صورة لذلك الطفل, حضرني قول مصور أمريكيأمام موقف مماثل:"كيف تريدوننا أن نضبط العدسة وعيوننا مليئة بالدموع؟"
ولم أكنبعد لأصدق, أنك كي تلتقط صورتك الأنجح, لا تحتاج إلى آلة تصوير فائقة الدقة, بقدرحاجتك إلى مشهد دامع يمنعك من ضبط العدسة.
لا تحتاج إلى تقنيات متقدمة في انتقاءالألوان, بل إلى فيلم بالأبيض والأسود, مادمت هنا بصدد توثيق الأحاسيس لاالأشياء.
أول فكرة راودتني, عندما علمت بنيلي تلك الجائزة العالمية عن أفضلصورة صحفية للعام, هي العودة إلى تلك القرية, للبحث عن ذلك الطفل.
كانت فكرةلقائي به تلح علي, وتتزايد يومابعد آخر, لتأخذ أحيانا بعدا إنسانيا, وأحيانا أخرشكل مشاريع فوتوغرافية أصور فيها عودة تلك القرية إلى الحياة.
حتى قبل أن أحصلعلى مال تلك الجائزة, كنت قد قررت أن أخصص نصفه لمساعدة ذلك الصغير على الخروج منمحنة يتمه. ونويت بيني وبين نفسي, أن أتكفل به مادمت حيا, بالقدر الذيأستطيعه.
لا أدري ماالذي كان يجعلني متعاطفا مع ذلك الطفل: أيتمنا المشترك؟ أمكونه أصبح ابنا لآلة التصوير بالتبني؟
وماالذي جعلني أستعجل التخلص من شبهة مالكانت تفوح منه رائحة مريبة,لجريمة كان جرمي الوحيد فيها توثيق فظاعات الآخرين. كأنني كنت أريد تبييض ذلك المال وغسله, مما علق به من دم , باقتسامه مع الضحيةنفسها.
طبعا كانت تحضرني قصة زميلي حسين الذي من أربع سنوات حصل على الجائزةالعالمية للصورة, عن صورته الشهيرة لامرأة تنتحب, سقط شالها لحظة ألم, فتبدت فيوشاح حزنها جميلة ومكابرة وعزلاء أمام الموت, حد استدراجك للبكاء. لكأنها تمثال" العذراء النائحة" لمايكل أنجلو.
وكان حسين, عند وصوله إلى قرية بن طلحة, وجدنفسه أمام أكثر من ثلاثمائة جثة ممدة في أكفانها. فتوجه إلى مستشفى بن موسى حيث أخذصورة لتلك المرأة التي فاجأها تنتحب, والتي قيل له إنها فقدت أولادها السبعة في تلكالمذبحة.
بعد ذلك, عندما انتشرت الصورة وجابت العالم, اكتشف حسين أن المرأةماكانت أم الأولاد بل خالتهم.
كان قد أخذ صورة للموت في كامل خدعته. فكل عبثيةالحرب كانت تختصر في صورة لامرأة وجدت مصادفة حيث عدسة المصور, وأطفال وجدوا مصادفةحيث براثن الموت.
الموت, كما الحب, فيه كثير من التفاصيل العبثية. كلاهماخدعة المصادفات المتقنة.
أما الأكثر غرابة فكون تلك المرأة , التي لم تقم دعوىضد القتلة, ولا طالبت الدولة بملاحقة الجزارين الذين نحروا الأجساد الصغيرةلأقاربها السبعة, جاء من يقنعها بأن ترفع دعوى على المصور الذي صنع "مجده" وثراءهبفجيعتها, عندما اكتشفت أن للصورة حقوقا في الغرب لا يملكها صاحبها في العالمالعربي. فتطوعت جمعيات لرفع الدعاوى على المجلات العالمية الكبرى التي نشرت الصورة, بذريعة الدفاع عن حياء الجزائري وهو ينتحب بعد مرور الموت!
لا أصعب على البعض منأن يرى جزائريا آخر ينجح. فالنجاح أكبر جريمة يمكن أن ترتكبها في حقه. ولذا قد يغفرللقتلة جرائمهم, لكنه لن يغفر لك نجاحاتك.
وكلما , بحكم المهنة أو بحكم الجوار, ازدادت قرابته منك, ازدادت أسباب حقده عليك, لأنه لا يفهم كيف وأنت مثله في كل شيء, تنجح حيث أخفق هو.
جارك الذي لعبت وتربيت معه منذ الطفولة, لو غرقت لجازف بحياتهلإنقاذك من الغرق. لكنك لو نجحت في البكالوريا, ورسب فيها, وستذهب إلى الجامعة, ويبقى هو مستندا إلى حائط الإخفاق. وذات يوم , ستخرج من مسدسه الرصاصة سترديك قتيلامكفنا بنجاحاتك.
عندما ظهر خبر نيلي الجائزة, أسفل الصفحة الأولى من الجريدةالأكثر انتشارا, تحت عنوان" جثة كلب جزائري تحصل على جائزة الصورة في فرنسا", وتلاهفي الغد مقال آخر في جريدة بالفرنسية عنوانه" فرنسا تفضل تكريم كلاب الجزائر", أدركت أن ثمة مكيدة تتدبر, وأن الأمر يتجاوز مصادفة الاتفاق في وجهة نظر.
كانتلعنة النجاح قد حلت بي, وانتهى الأمر.
لكن, كان لا بد أن يمر بعض الوقت, لأكتشفأن خلف ذلك الكم من الحقد والتجني جهد "صديق". كان جاري في قسنطينة وتوسطت لهلينتقل إلى العمل في العاصمة, في الجريدة نفسها التي أعمل فيها, فوفر علي بكيده كلطعنات الأعداء, وجعلني أرى في جثة ذلك الكلب من الوفاء ما يغني عن إخلاص الأصدقاء, بعدما قدمت له من الخدمات ما يكفي لأجعل منه عدوا.
غير أن الموضوع عاد بعدذلك ليشغلني في طرحه الآخر:
█║S│█│Y║▌║R│║█
الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)
مواقع النشر (المفضلة)