مظاهرة مسالمة مع عائلاتهم للمطالبة برفع حظر التجول المفروضعلى الجزائريين, فألقى البوليس بالعشرات منهم موثوقي الأطراف في تهر السين. ماتالكثيرون غرقا, وظلت جثثهم وأحذية بعضهم تطفو على السين لعدة أيام, لكون معظمهم لايعرف السباحة.
قلت وأنا أقاطعها حتى لا أبدو أقل معرفة منها بتاريخي:
-
أدري.. ما استطاع Papon المسؤول آنذاك عن الأمن في باريس, أن يبعث بهم إلى المحرقةكما فعل مع اليهود قبل ذلك, فأنزل عشرين ألفا من رجاله ليرموا بهم إلى " السين" . كان البوليس يستوقف الواحد منهم سائلا" محمد.. أتعرف السباحة؟" وغالبا ما يجيبالمسكين "لا" كما لو كان يدفع عنه شبهة. وعندها يكتفي البوليس بدفعه من الجسر نحو "السين" . كان السؤال لمجرد توفير جهد شد أطرافه بربطة عنقه!
واصلت المرأة بنبرةفرحة هذه المرة:
-
إن جمعية لمناهضة العنصرية استوحت من هذه اللوحة فكرة تخليدهالهذه الجريمة. قامت في آخر ذكرى لمظاهرات 17 أكتوبر بإنزال شباك في نهر السين تحتويعلى أحذية بعدد الضحايا. ثم أخرجت الشباك التي امتلأت أحذيتها المهترئة بالماء, وعرضتها على ضفاف السين للفرجة, تذكيرا بأولئك الغرقى.

فقدت صوتي فجأة أمامتلك اللوحة التي ماعادت مساحة لفظ نزاعات الألوان , بل مساحة لفظ نزاعاتالتاريخ.
شعرت برغبة في أن أضم إلى صدري هذه المرأة التي نصفها فرانسواز, ونصفهافرنسا. أن أقبل شيئا فيها, أن أصفع شيئا فيها, أن أؤلمها, أن أبكيها, ثم أعود إلىذلك الفندق البائس لأبكي وحدي.
أبدأت لحظتها أشتهيها؟
قطعت فرانسواز تفكيري, وفاجأتني معتذرة لارتباطها بموعد, وتركتني أمام تلك اللوحة مشتت الأفكار أتأملهاتغادر القاعة.

في المساء, لم يفارقني إحساس متزايد بالفضول تجاه ذلك الرسام, ولا فارقني منظر تلك اللوحة التي أفضت بي إلى أفكار غريبة, وأفسدت علاقة ود أقمتهامع نهر السين.
حتما, هذا الرسام تعمد رسم ما يتركه الموتى. فالشباك عذابنا لاالجثة.
تعمد أن يضعك أمام أحذية أكثر بؤسا من أصحابها, مهملة كأقدارهم, مثقلةبما علق بها من أوحال الحياة. تلك الأحذية التي تتبلل وتهترئ بفعل الماء, كما تتحللجثة. إنها سيرة حياة الأشياء التي تروي بأسمائها سيرة حياة أصحابها.

قضيتالسهرة متأملا في أقدار أحذية الذين رحلوا, هؤلاء الذين انتعلوها بدون أن يدرواأنهم ينتعلون حذائهم يومها لمشوارهم الأخير. ما توقعوا أن تخونهم أحذيتهم لحظة غرق. طبعا, ما كانت قوارب نجاة, ولكنهم تمسكوا بها كقارب. أحذية من زوج وأخرى من واحدة, مشت مسافات لا أحد يعرف وجهتها, ثم لفظت أنفاسها الأخيرة عندما فارقت أقدامأصحابها. كانوا يومها ثلاثين ألف متظاهر ( وستين ألف فردة حذاء). سيق منهم اثنا عشرألفا إلى المعتقلات والملاعب التي حجزت لإيوائهم. غير أن " السين" الذي عانى دائمامن علة النسيان, ما عاد يعرف بالتحديد عدد من غرق يومها منهم.

رحت أتصورضفاف السين بعد ليلة غرق فيها كل هؤلاء البؤساء, وتركوا أحذيتهم يتسلى المارةباستنطاقها. فهذه عليها آثار جير وأخرى آثار وحل وثالثة... ماذا ترى كان يعملصاحبها, أدهانا؟ أم بناء؟ أم زبالا؟ أم عاملا في طوابير الأيدي السمر العاملة علىتركيب سيارات "بيجو"؟ فلا مهنة غير هذه كان يمارسها الجزائري آنذاك فيفرنسا.
أحذية كان لأصحابها آمال بسيطة ذهبي مع الفردة الأخرى. فردة ما عادتحذاء, إنها ذلك الأمل الخالي من الرجاء, كصدفة أفرغت ما في جوفها, مرمية علىالشاطئ. ذلك أن المحار لا يصبح أصدافا فارغة من الحياة, إلا عندما يشطر إلى نصفين, ويتبعثر فرادى على الشاطئ.
كان آخر ما توصلت إليه, بعد أرق ذهب بي في كل صوب, أ،أقصد في الغد الرواق لأشتري لوحة الأحذية, كسبا لصداقة فرانسواز, ولأساهم في ذلكالمعرض الخيري بشراء لوحة وجدتني أعشقها.
في الواقع, كان هذا مشروعي العلني. أمامشروعي الآخر فأن ألتقي بفرانسواز مرة أخرى, وأواصل استنطاقها أكثر عن ذلكالرسام.




عاماً ونصف عام في سرير التشرد الأمني, عشت منقطعا عن العالم, أتنقل بحافة خاصةإلى ثكنة تم تحويلها لأسباب أمنية إلى بيت للصحافة يضم كل المطبوعات الجزائريةباللغتين, لا أغادرها إلا إلى إقامتي الجديدة.
كان مكاناً يصعب تسميته, فما كانبيتاً, ولا نزلاً , ولا زنزانة. كان مسكناً من نوع مستحدث اسمه " محمية" في شاطئكان منتجعا, وأصبح يتقاسمه " المحميون" ورجال الأمن. تحتمي فيه من سقف الخوف بسقفالإهانة. فما كانت القضية أن يكون لك سرير وباب يحميك من