








بموعد" لكنني وجدت في تلك الصيغةاستجداءً لا يليق بامرأة لا تحب إلا رجلاً عصيّ العاطفة. قلبت جملتي في صيغة لاتسمح لها سوى بتحديد الوقت. قلت:
- أي ساعة أراك غداً؟
- أأنت على عجل؟
- أنا على امتلاء.
أضفت كما لأصحح زلة لسان كنت تعمدتها:
- في جعبتي كثير منالكلام إليك.
قالت:
- لماذا تتبدد في المشافهة؟ بما كان ما في جعبتك يصلحلكتابة رواية.
كان لها دهاء الأنوثة الفطري. فتنة امرأة تكيد لك بتواطؤ منك. امرأة مغوية , مستعصية, جمالها في نصفها المستحيل الذي يلغي السبيل إلى نصف آخر, يوهمك أنها مفتوحة على احتمال رغباتك.
هي المجرمة عمداً. الفاتنة كما بلا قصد. تتعاقد معها على الإخلاص وتدري أنك تبرم صفقة مع غيمة. لا يمكن أن تتوقع في أي أرضستمطر أو متى.
امرأة لها علاقة بالتقمص. تتقمص نساء من أقصى العفة إلى أقصىالفسق, من أقصى البراءة إلى أقصى الإجرام.
قلت:
- حواراتنا تحتاج إلى غرفةمغلقة.
ردت:
- لا أحب الثرثرة على شراشف الضجر.
أجبتها بما كنت واثقاً أنهسيقنعها:
- لن تضجري.. هيأت لك موقداً أنت حطبه.
لفظت هذه الجملة وأنا ابتسم, فوحدي كنت أعرف ما أعنيه. لكنني واصلت بنبرة أخرى:
- كيف تقاومين هذا المطربمفردك؟ نحن في باريس, إن لم يهزمك الحنين إليَّ ستهزمك النشرة الجوية, إلا إذا كنتأحضرتِ في حقائب سفرك من يتكفل بتدفئتك!
غرقت لأول مرة في صمت طويل.
لاحظت فيصوتها نبرة حزن لم أعهدها منها.. ثم واصلت كأنها تحادث نفسها:
- سامحكالله..
ولم تضف شيئاً.
شعرت بحزن من أساء إلى الفراشات, ولم أجد سبباًلشراستي معها. ربما لفرط حبي لها. ربما لإدراكي بامتلاكي المؤقت لها. لم أستطع أنأكون إلا على ذلك القدر من العنف العشقي.
قلت معتذراً :
سامحيني لم أكن أقصدإيلامك.
قالت بعد صمت:
- يؤلمني أنك ما زلت لا تعي كم أنا جاهزة لأدفع مقابللقاء معك. عيون زوجي مبثوثة في كل مكان.. وأنا أجلس إليك في مقهى غير معنية إن متبسببك في حادث حب. أنا التي أن لم أمت بعد, فلكوني عدلت عن الحب وتخليت عن الكتابة. الشبهتان اللتان لم يغفرهما لي زوجي.
أمسكت بيدها قصد تقبيلها, بدا لي خاتمالزواج, أعدت وضعها وأخذت الأخرى. طبعت قبلة طويلة عليها وتمتمت كما لنفسي:
- حبيبتي...
سألتها وأنا أرفع شفتي عن يدها:
- كيف سمح لك أن تسافري مندونه؟
قالت:
- جئت مع والدتي بذريعة أن أراجع طبيباً مختصاً في العقمالنسائي. نحن هنا لنلتقي بأخي ناصر. حضر من ألمانيا خصيصاً ليرانا. أخاف أن تموتأمي بدون أن تراه.. أصبحت هذه الفكرة ذعري الدائم, هرول العمر بها سريعاً منذغيابه.
قلت وأنا ممسك بيدها:
- كم تمنيت أن ألتقي بوالدتك. كثيراً ما شعرتأنها أمي. لا بسبب يتمي فحسب, بل لأحاسيسي المتداخلة المتقاطعة دوماً مع جسدك. أحياناً أشعر أننا خرجنا من الرحم نفسه. وأحياناً أن جسمك هو الذي لفظني إلى الحياةومن حقي أن أستوطنه. أعطيني تصريحاً للإقامة فيه تسعة أشهر.. أطالب باللجوء العاطفيإلى جسدك!
ابتسمت وعلا وجنتيها احمرار العذارى, وارتبكت خصلات شعرها حتى بدتكأنها صغيرتي.
كنت أحب جرأتها حيناً, وحيناً حياءها. أحب تلك الأنوثة المترفعةالتي لا يمكن أن تستبيحها عنوةً إلا بإذن عشقي.
قالت وهي ترفع خصلة شعرهاببطء:
- معك أريد حملاً أبدياً.
أجبت ممازحاً:
- لن أستطيع إذن أن أستولدكطفلة جميلة مثلك. أتدرين خسارة ألاَّ تتكرري في أنثى أخرى؟ ستتضائل كمية الأنوثة فيالعالم!
- بل أدري خسارة أن أتحسس بطني بحثاً عنك كل مرة, ولا أفهم ألا تكونتسربت إليَّ. لا بد أن تكون امرأة لتدرك فجيعة بطن لم يحبل ممن أحب. وحدها المرأةتدرك ذلك.
سألتها بعد صمت:
- حياة هل أحببتني؟
- لن أجيبك. أرى في سؤالكاستخفافاً بي, وفي جوابي عنه استخفافاً بك. كل المشاعر التي تستنجد بالبوح هي مشاعرنصف كاذبة. إن خدش حميمية الآخر لا تتأتى إلا بالتعري الدميم للبوح.
هذا كلامتعلمته منك في ذلك الزمن البعيد أيام كنت أستجدي منك اعترافاً بحبي فتجيب:" أي طبقشهي للبوح لا يخلو من توابل الرياء. وحده الصمت هو ذلك الشيء العاري الذي يخلو منالكذب."
قلت مندهشاً:
- متى حفظت كل هذا؟
- في تلك الأيام التي عشتها عندأقدام أريكتك, بصبر قطة, ألعق من صحن الانبهار كل ما تتفوه به. قلت مازحاً:
- وعندما كانت تشبع تلك القطة, تحولني إلى كرة صوفية تلعب بها حيناً وأحياناً أخرىتنتف بمخالبها خيوطها. كم غرستِ مخالب ساديتك في طيبوبتي.. ثم لعقت جراحي إمعاناًفي إيلامي.
ضحكنا بتواطؤ الزمن الجميل. وعندما رأيتها تنظر إلى ساعتها معلنةتأخرها, قلت:
- أريد أن أراكِ.. لا بد أن تتدبري لنا موعداً.
- لا أظننيأستطيع التحايل على ناصر وآماً معاً. سيلحق بي أحدهما حتماً حيثما أذهب.
قلتضاحكاً:
- ولماذا أنتِ روائية إذن؟
***
افترقنا في المقهى خشية أن نصادف أحد التجارالجزائريين من المترددين على المعرض, بعد أن تركت لها رقم هاتفي الجوال.
█║S│█│Y║▌║R│║█
الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)
مواقع النشر (المفضلة)