








- بالمناسبة.. أتدري أن الرواق قد باع تلك اللوحة بـ 50 ألف فرنك؟ كسب 20 ألف فرنك مندون حتى أن تتحرك اللوحة من مسمارها. كان يكفي أن تتصل كارول هاتفياً بأحد زبائنهاوتخبره أن الرسام مات , ليتضاعف السعر.
قلت بغضب:
- مكر سماسرة الفنون. ينتظرون موت الرسام, ليصنعوا ثروتهم من فنّ لم يستطع صاحبه التعيّش منه, ولا أنيضمن به موتاً كريماً.
سألتها بفضول:
- من اشتراها بهذه السرعة وبهذاالثمن؟
كنت أتوقع أن يكون المشتري أحد أثرياء المهجر الجزائريين الذين, وقدانتفخت حساباتهم بالمال المنهوب, درجوا على تبييض سمعتهم بالتسابق إلى شراء كل مايعرض لكبار المبدعين الجزائريين, فلا أرى غير أحدهم بإمكانه أن يدفع خمسين ألف فرنكلشراء لوحة تعرض عليه بالهاتف, وقد سمعت أحد هؤلاء يقول مرة في مجلس مبرراً ولعهالمفاجئ بالفن " إن كسب المال موهبة, وإنفاقه ثقافة". أثبت بما اختلس من أموال أنه " موهوب" لم يبق عليه إلا أن يثبت بما يقتني أنه مثقف!
غير أن فرانسواز فاجأت كلتوقعاتي وهي تقول:
- إنه فرنسي ثري من ذوي " الأرجل السوداء" يملك لوحات نادرةمنها مجموعة من لوحات " Les orientalistes ", وأخرى لمحمد راسيم. اشترى مؤخراًلوحات لأطلان عرضت للبيع. حتماً سمعت بأطلان.. رسام يهودي قسنطيني يعتبر أحد وجوهالفن التجريدي, مات في الستينات.. إشتهر بولعه بقسنطينة وبسجنه أكثر من مرة بسببمساندته للحركات التحررية.
كنت لا أزال تحت وقع الدهشة عندما واصلت:
- أخبرتني كارول أنه كان يريد أن يشتري لوحات أكثر لزيان, ولكن لم يكن من حق الرواقبيع شيء بعد الآن, عدا لوحتك أنت طبعاً, لأنها بيعت قبل وفاة زيان.
ثم أمام مابدا عليَّ من حزن قامت وجلست جواري تواسيني:
- لا تحزن هكذا, إنه رجل يحب الفنومعروف عنه هوسه بكل ما له علاقة بقسنطينة.
زيان عندما عاد لأول مرة إلى قسنطينةأحضر له أشياء صغيرة من هناك. أظنه كان صديق طفولته, أو أنهما درسا معاً أو شيئاًمن هذا القبيل.
سألتها وقد ضاع صوتي:
أتعتقدين أن زيان كان سيبيعهاله؟
قالت:
- لا أظن ذلك, فزيان كان يرفض في جميع الحالات بيعها لأيِّ كان. ولولا إحساسه بالموت وثقته فيك لما باعها حتى لك. أظنه كان يود الاحتفاظ بها لنفسه, لكنه ما وجد أحداً ليورثه إياها. ابن أخيه اغتاله الإرهابيون بطريقة شنيعة منذسنتين. وابن أخيه الآخر اختفى قبل سنوات ويعتقد أنه التحق بالإرهابيين, أو مات.أماأخوه الوحيد فقد اغتيل منذ عشر سنوات في أحداث 88.
لا أصعب على فنان من أن لايجد في آخر عمره أحداً يطمئن إليه.. ويأتمنه على أعماله.
قلت بتهكم الحسرة:
- تدرين أن تسمية " الأرجل السوداء" أطلقت على المعمرين الفرنسيين الذين أرسلواللاستيطان في الجزائر بعد الغزو الكولونيالي أوساط القرن التاسع عشر, إذ كانواينتعلون أحذية سوداء سميكة أثناء إشرافهم على المزارع و الأراضي. حتماً هذا الثريما توقع أن يواصل انتعال التاريخ أباً عن جدّ. ولا توقع أن يأتي يوم لا يبقى فيهلهذه اللوحة من قريب سواه.. بعد أن انقرض أهلها في الحروب العبثية. كان عليه انتظارأن ينتهوا من الإجهاز على بعضهم البعض فيحظى بميراث كامل.
لعلها لم تفهم كلامي. قالت:
- في سوق الفن, الأمر قضية وقت لا غير. عليك أن تنتظر فقط, وبشيء منالصبر, وبما يلزم من مال, أنت تحصل في النهاية على أية لوحة تريدها. يكفي أن تقتنصالفرصة. أحياناً تصادفك ضربة حظ وتستفيد من لحظة غفلة كما هذه المرة, أثناء انشغالالناس بأعيادهم وقبل أن ينتشر خبر موت الرسام.
قلت وأنا أسكب شيئاً منالخمر:
- حتماً.. ما التاريخ إلا نتاج لحظات الغفلة!
ما كنت أبا عبد الله, ولا وجدتني مرغماً على تسليم مفاتيح غرناطة, فلم البكاء؟ إنها خسارات غير قابلةللشماتة, ما دمت اخترتها بنفسي.
عندما كانت تزورني حياة لساعة أو ساعتين علىعجل, ثم تعود مذعورة إلى بيتها, قلت لها مرة:" لا يعنيني أن أمتلكك بالتقسيط. أرفضأن أربحك لساعات تذهبين بعدها لغيري, تلك الأرباح الصغيرة لا تثريني. أنا لست بقّالالحيّ, أنا عاشق يفضّل أن يخسرك بتفوق. أريد معك ربحاً مدمراً كخسارة".
لم أكنأدري أن أرباحاً فادحة تتوالد خساراتها, كتلك الجائزة التي مذ ربحتها وأنا أشتريبها خساراتي.
أعادني الموقف إلى زيان الذي, في هذا المكان عينه, رقص بين خرائبهبذراعه الوحيدة, كبطل إغريقي مشوّه في تلك الليلة التي تخلَّى فيها عن أكثر لوحاتهلفرانسواز وذهب ليدفن أخاه.
كم تمنيت ألا أتماهى معه في هذا المشهد العبثيالأخير, أنا الذي جئت فرنسا لأستلم جائزة. أكان القدر قد جاء بي, فقط لأكون اليدالتي تسلِّم لوحة وتستلم جثماناً؟
وضعت موسيقى زوربا وجلست أشرب نخبه.
عممساءً يا خالد.
الآن وقد أصبحت جزءاً من هذا الخراب الجميل الذي لا يشبه شيئاًمما عرفت, ستحتاج إلى الرقص كثيراً يا صديقي. فارقص غير معنيّ بأن تفسد سكينةالموتى.
لا تقل تأخر الوقت. أنت تعيش في منطقة عزلاء من الزمن. لا جدوى من النظرإلى ساعتك, ليست هنا لتدلّك على الوقت, بل لتضع رفات الوقت بيننا.
انتهى الآن كلشيء. عندما أصبح كل ذلك الوقت, ما عدت معنياً بالزمن, ترى الأشياء بوضوح, لم يعدبإمكانك أن ترسمها. دخلت منطقة غياب الألوان, ذاهب صوب التراب.
تراب كنتتتوق إليه, أسميته وطنك. (وطنك؟) بإمكانك أن تذهب إليه على حسابك, دون أن تستعدكعادتك قبل موعد. لا جدوى من أناقتك, ففي ضيافة الديدان تتساوى الأجساد يا صديقي, ولن يوجد من يتنبّه لعطبك, لذراعك التي كلّما تعرَّيت أخفيتها عن الآخرين.
ترابيحتفي بك, وديدان أصبحت وليمتها تهزأ من نساء أحببنك وترفعت عن إمتاعهن. كنت ترفضإغراء عاهرة إسمها الحياة, وجئت اليوم تهدي جسد شيخوختك للحشرات.
أيها الأحمق, بعد الآن, كل ما ينسب لغيرك في الفسق أنت فاعله. كل خطيئة يحاسب عليها غيرك أنتمقترفها. كل حكمة يلفظها رجل أنت قائلها. كل امرأة تحبل, أنت من تسلَّل إلىمخدعها.
الآن وقد أصبح كل شيء خلفك, أنت أكثر حكمة من أي وقت مضى, فقموارقص.
ارقص, لأنّ امرأة أحببتها خانتك معي.. وستخوننا معاً.
لأنّ بيتاً كانلك قد صار لسواك.
لأنّ لوحات رسمتها ذهبت إلى أيدٍ لم تتوقعها.
لأنّ جسوراًمجَّدتها تنكرت لك, ووطناً عشقته تخلى عنك.
لأنّ أشياء سخيفة احتقرتها, ستعيشبعدك.
لأنّ حسّان سيكون قريباً منك بعد الآن.
لأنّ أولاده الذين ربَّيتهمسقطوا في خندق الكراهية ولن يكونوا في جنازتك
█║S│█│Y║▌║R│║█
الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)
مواقع النشر (المفضلة)