ثم دخلت سنة ثلاث وثمانين ومائة

ذكر الخبر عن الأحداث التي كانت فيه

فمن ذلك خروج الخزر بسبب ابنه خاقان من باب من الأبواب وإيقاعهم بالمسلمين هناك وأهل الذمة، وسبيهم - فيما ذكر - أكثر من مائة ألف. فانتهكوا أمرًا عظيمًا لم يسمع في الإسلام بمثله، فولى الرشيد إرمينية يزيد بن مزيد مع أذربيحان، وقواه بالجند؛ ووجهه، وأنزل خزيمة بن خازم نصيبين ردءًا لا أهل إرمينية.
وقد قيل سبب دخول الخزر إرمينية غير هذا القول؛ وذلك ما ذكره محمد بن عبد الله، أن أباه حدثه أن سبب دخول الخزر إرمينية في زمان هارون كان أن سعيد بن سلم ضرب عنق المنجم السلمي بفأس، فدخل ابنه بلاد الخزر، واستجاشهم على سعيد، فدخلوا إرمينية من الثلمة، فانهزم سعيد، ونكحوا المسلمات، وأقاموا فيها - أظن - سبعين يومًا، فوجه هارون خزيمة بن خازم ويزيد بن مزيد إلى إرمينية حتى أصلحا ما أفسد سعيد، وأخرجا الخزر، وسدت الثلمة.
وفيها كتب الرشيد إلى علي بن عيسى بن ماهان وهو بخراسان بالمصير إليه؛ وكان سبب كتابه إليه بذلك؛ أنه كان حمل عليه، وقيل له: إنه قد أجمع على الخلاف، فاستخلف علي بن عيسى ابنه يحيى على خراسان، فأقره الرشيد، فوافاه علي، وحمل إليه مالًا عظيمًا، فرده الرشيد إلى خراسان من قبل ابنه المأمون لحرب أبي الخصيب، فرجع.
وفيها خرج بنسا من خراسان أبو الخصيب وهيب بن عبد الله النسائي مولى الحريش.
وفيها مات موسى بن جعفر بن محمد ببغداد ومحمد بن السماك القاضي وفيها حج بالناس العباس بن موسى الهادي بن محمد بن عبد الله بن محمد بن علي.
ثم دخلت سنة أربع وثمانين ومائة

ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
ففيها قدم هارون مدينة السلام في جمادى الآخرة منصرفًا إليها من الرقة في الفرات في السفن، فلما صار إليها أخذ الناس بالبقايا.
وولي استخراج ذلك - فيما ذكر - عبد الله بن الهيثم بن سام بالحبس والضرب، وولي حماد البربري مكة واليمن، وولي داود بن يزيد بن حاتم المهلبي السند، ويحيى الحرشي الجبل، ومهرويه الرازي طبرستان، وقام بأمر إفريقية إبراهيم الأغلب، فولاها إياه الرشيد.
وفيها خرج أبو عمرو الشاري فوجه إليه زهير القصاب فقتله بشهرزور.
وفيها طلب أبو الخصيب الأمان، فأعطاه ذلك علي بن عيسى، فوافاه بمرر فأكرمه.
وحج بالناس فيها إبراهيم بن محمد بن عبد الله بن محمد بن علي.
ثم دخلت سنة خمس وثمانين ومائة

ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
فمن ذلك ما كان من قتل أهل طبرستان مهرويه الرازي وهو واليها، فولى الرشيد مكانه عبد الله بن سعيد الحرشي.
وفيها قتل عبد الرحمن الأبناوي أبان بن قحطبة الخارجي بمرج القلعة.
وفيها عاث حمزة الشاري بباذغيس من خراسان، فوثب عيسى بن علي بن عيسى على عشرة آلاف من أصحاب حمزة فقتلهم، وبلغ كابل وزايلستان والقندهار، فقال أبو العذافر في ذلك:
كاد عيسى يكون ذا القرنين ** بلغ المشرقين والمغربين
لم يدع كابلًا ولا زابلستا ** ن فما حولها إلى الرخجين
وفيها خرج أبو الخصيب ثانية بنسا، وغلب عليها وعلى أبيورد وطوس ونيسابور، وزحف إلى مرو، فأحاط بها، فهزم، ومضى نحو سرخس، وقوي أمره.
وفيها مات يزيد بن مزيد ببرذعة، فولي مكانه أسد بن يزيد.
وفيها مات يقطين بن موسى ببغداد.
وفيها مات عبد الصمد بن علي ببغداد في جمادى الآخرة، ولم يكن ثغر قط؛ فأدخل القبر بأسنان الصبي، ومانقص له سن.
وشخص فيها الرشيد إلى الرقة على طريق الموصل.
واستأذنه فيها يحيى بن خالد في العمرة والجوار، فأذن له، فخرج في شعبان، واعتمر عمرة شهر رمضان، ثم رابط بجدة إلى وقت الحج، ثم حج. ووقعت في المسجد الحرام صاعقة فقتلت رجلين.
وحج بالناس فيها منصور بن محمد بن عبد الله بن محمد بن علي.
ثم دخلت سنة ست وثمانين ومائة

ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
ففيها كان خروج علي بن عيسى بن ماهان من مرو لحرب أبي الخصيب إلى نسا، فقتله بها، وسبى نساءه وذراريه، واستقاما خراسان.
وفيها حبس الرشيد ثمامة بن أشرس لوقوفه على كذبه في أمر أحمد بن عيسى بن زيد.
وفيها مات جعفر بن أبي جعفر المنصور عند هرثمة. وتوفي العباس بن محمد ببغداد.
ذكر حج الرشيد ثم كتابته العهد لأبنائه

وحج بالناس فيها هارون الرشيد؛ وكان شخوصه من الرقة للحج في شهر رمضان من هذه السنة، فمر بالأنبار، ولم يدخل مدينة السلام؛ ولكنه نزل منزلًا على شاطئ الفرات يدعى الدارات، بينه وبين مدينة السلام سبعة فراسخ، وخلف بالرقة إبراهيم بن عثمان بن نهيك، وأخرج معه ابنيه: محمدًا الأمين وعبد الله المأمون؛ وليي عهده؛ فبدأ بالمدينة، فأعطى أهلها ثلاثة أعطية؛ كانوا يقدمون إليه فيعطيهم عطاء، ثم إلى محمد فيعطيهم عطاءً ثانيًا، ثم إلى المأمون فيعطيهم عطاء ثالثًا، ثم صار إلى مكة فأعطى أهلها، فبلغ ذلك ألف ألف دينار وخمسين ألف دينار.
وكان الرشيد عقد لابنه محمد ولاية العهد - فيما ذكر محمد بن يزيد عن إبراهيم بن محمد الحجبي - يوم الخميس في شعبان سنة ثلاث وسبعين ومائة، وسماه الأمين، وضم إليه الشأم والعراق في سنة خمس وسبعين ومائة، ثم بايع لعبد الله المأمون بالرقة في سنة ثلاث وثمانين ومائة، وولاه من حد همذان إلى آخر المشرق، فقال في ذلك سلم بن عمرو الخاسر:
بايع هارون إمام الهدى ** لذي الحجى والخلق الفاضل
المخلف المتلف أمواله ** والضامن الأثقال للحامل
والعالم النافذ في علمه ** والحاكم الفاضل والعادل
والراتق الفاتق حلف الهدى ** والقائل الصادق والفاعل
لخير عباس إذا حصلوا ** والمفضل المجدي على العائل
أبرهم برًا وأولاهم ** بالعرف عند الحدث النازل
لمشبه المنصور في ملكه ** إذا تدجت ظلمة الباطل
فتم بالمأمون نور الهدى ** وانكشف الجهل عن الجاهل
وذكر الحسن بن قريش أن القاسم بن الرشيد، كان في حجر عبد الملك بن صالح، فلما بايع الرشيد لمحمد المأمون، كتب إليه عبد الملك بن صالح:
يأيها الملك الذي ** لو كان نجمًا كان سعدا
اعقد لقاسم بيعة ** واقدح له في الملك زندا
الله فرد واحد ** فاجعل ولاة العهد فردا
فكان ذلك أول ما حض الرشيد على البيعة للقاسم. ثم بايع للقاسم ابنه، وسماه المؤتمن، وولاه الجزيرة والثغور والعواصم، فقال في ذلك:
حب الخليفة حب لا يدين به ** من كان لله عاصٍ يعمل الفتنا
الله قلد هارونًا سياستنا ** لما اصطفاه فأحيا الدين والسننا
وقلد الأرض هارون لرأفته ** بنا أمينًا ومأمونًا ومؤتمنا
قال:
ولما قسم الأرض بين أولاده الثلاثة، قال بعض العامة: قد أحكم أمر الملك، وقال بعضهم: بل ألقى بأسهم بينهم، وعاقبة ما صنع في ذلك مخوفة على الرعية، وقالت الشعراء في ذلك، فقال بعضهم:
أقول لغمة في النفس مني ** ودمع العين يطرد اطرادا
خذي للهول عدته بحزمٍ ** سنلقى ما سيمنعك الرقادا
فإنك إن بقيت رأيت أمرًا ** يطيل لك الكآبة والسهادا
رأى الملك المهذب شر رأيٍ ** بقسمته الخلافة والبلادا
رأى ما لو تعقبه بعلمٍ ** لبيض من مفارقه السوادا
أراد به ليقطع عن بنيه ** خلافهم ويبتذلوا الودادا
فقد غرس العداوة غير آلً ** وأورث شمل ألفتهم بدادا
وألقح بينهم حربًا عوانًا ** وسلس لاجتنابهم القيادا
فويل للرعية عن قليل ** لقد أهدى لها الكرب الشدادا
وألبسها بلاءً غير فانٍ ** وألزمها التضعضع والفسادا
ستجري من دمائهم بحور ** زواخر لا يرون لها نفادا
فوزر بلائهم أبدًا عليه ** أغيًا كان ذلك أم رشادا
قال: وحج هارون ومحمد وعبد الله معه وقواده ووزراؤه وقضاته في سنة ست وثمانين ومائة، وخلف بالرقة إبراهيم بن عثمان بن نهيك العكي على الحرم والخزائن والأموال والعسكر، وأشخص القاسم ابنه إلى منبج، فأنزله إياها بمن ضم إليه من القواد والجند، فلما قضى مناسكه كتب لعبد الله المأمون ابنه كتابين، أجهد الفقهاء والقضاة آراءهم فيهما، أحدهما على محمد بما اشترط عليه من الوفاء بما فيه من تسليم ما ولي عبد الله من الأعمال، وصير إليه من الضياع والغلات والجواهر والأموال، والآخر نسخة البيعة التي أخذها على الخاصة والعامة والشروط لعبد الله على محمد وعليهم، وجعل الكتابين في البيت الحرام بعد أخذه البيعة على محمد، وإشهاده عليه بها الله وملائكته ومن كان في الكعبة معه من سائر ولده وأهل بيته ومواليه وقواده ووزرائه وكتابه وغيرهم.
وكانت الشهادة بالبيعة والكتاب في البيت الحرام، وتقدم إلى الحجبة في حفظهما، ومنع من أراد إخراجهما والذهاب بهما، فذكر عبد الله بن محمد ومحمد بن يزيد التيمي وإبراهيم الحجبي، وأن الرشيد حضر وأحضر وجوه بني هاشم والقواد والفقهاء، وأدخلوا البيت الحرام، وأمر بقراءة الكتاب على عبد الله ومحمد، وأشهد عليهما جماعة من حضر، ثم رأى أن يعلق الكتاب في الكعبة، فلما رفع ليعلق وقع، فقيل إن هذا الأمر سريع انتقاضه قبل تمامه. وكانت نسخة الكتاب: " بسم الله الرحمن الرحيم ". هذا كتاب لعبد الله هارون أمير المؤمنين، كتبه محمد بن هارون أمير المؤمنين، في صحة من عقله، وجوازٍ من أمره، طائعًا غير مكره. إن أمير المؤمنين ولاني العهد من بعده، وصير البيعة لي في رقاب المسلمين جميعًا، وولى عبد الله بن هارون العهد والخلافة وجميع أمور المسلمين بعدي، برضًا مني وتسليم، طائعًا غير مكره، وولاه خراسان وثغورها وكورها وحربها وجندها وخراجها وطرزها وبريدها، وبيوت أموالها، وصدقاتها وعشرها وعشورها، وجميع أعمالها، في حياته وبعده. وشرطت لعبد الله هارون أمير المؤمنين برضًا مني وطيب نفسي، أن لأخي عبد الله بن هارون علي الوفاء بما عقد له هارون أمير المؤمنين من العهد والولاية والخلافة وأمور المسلمين جميعًا بعدي، وتسليم ذلك له؛ وما جعل له من ولاية خراسان وأعمالها كلها، وما أقطعه أمير المؤمنين من قطعية، أو جعل له من عقدة أو ضيعة من ضياعه، أو ابتاع من الضياع والعقد، وما أعطاه في حياته وصحته من مال أو حلي أو جوهر، أو متاع أو كسوة، أو منزل أو دواب، أو قليل أو كثير؛ فهو لعبد الله بن هارون أمير المؤمنين، موفرًا مسلمًا إليه. وقد عرفت ذلك كله شيئًا شيئًا.