









إن شعر قلد، المسكين، سواه فإنمّا وثق بمن أغواه، وإن بحث عن السِّرَّ وتبّصر، أقصر عن الخبر وقصَّر. والشيعة يزعمون أمنّ عبد الله بن ميمون القدّاح، وهو من باهلة، كان من علية أصحاب جعفر بن محمدٍ، وروى عنه شيئاً كثيراً، ثم أرتدّ بعد ذلك، فحدثني بعض شيوخهم أنّهم يروون عنه ويقولون: حدّثنا عبد الله بن ميمون القدّاح كأحسن ما كان، أي قبل أن يرتدّ. ويروون له:
هات اسقني الخمرة يا سنبر
فليس عندي أنَّني أنشر أما ترى الشِّيعة في فتنة
يغرها من دينها جعفر؟ قد كنت مغروراً به برهةً
ثمّ بدا لي خبر يستر وممّا ينسب إليه:
مشيت إلى جعفر حقبةً
فألفيته خادعاً يخلب يجرّ العلاء إلى نفسه
وكلّ إلى حبله يجذب فلو كان أمركم صادقاً
لما ظل مقتولكم يسحب ولا غضّ منكم عتيق ولا
سما عمر فوقكم يخطب والحلولّيهّ قريبة من مذهب التناسخ، وحدَّثت عن رجلٍ من رؤساء المنجمين من أهل حرانّ أقام في بلدنا زماناً، فخرج مرّة من قومّ يتنزهون، فمروا بثورٍ يكرب، فقال لأصحابه: لا أشك في أنّ هذا الثور رجل كان يعرف بخلفٍ بحرُّان، وجعل يصيح به: يا خلف، فيتفَّق أن يجوز ذلك الثّور، فيقول لأصحابه: ألا ترون إلى صحَّة ما خبرتكم به؟ وحكي لي عن رجلٍ آخر ممّن يقول بالتنّاسخ أنّه قال: رأيت في النّوم أبي وهو يقول لي: يا بنيّ، إنّ روحي قد نقلت إلى جملٍ أعور في قطار فلانٍ، وإنيّ قد اشتهيت بطيخةّ. قال: فاخذت بطيخة وسألت عن ذلك القطار وجدت فيه جملاً أعور، فدنوت منه بالبطيخة، فأخذها أخذ مريد مشتهٍ! أفلا يرى مولاي الشّيخ إلى ما رمي به هذا البشّر من سوء التمّييز، وتحيزهم إلى ما يمتنع من التحييز؟ وأمّا ابن الرّواندي فلم يكن إلى المصلحة بمهدي، وأمّا تاجه فلا يصلح أن يكون نعلاً، ولم يجد من عذابٍ وعلاً أي ملجأ، قال ذو الرّمة:
حتّى إذا لم يجد وعلاّ ونجنجها
مخافة الرّمي حتى كلهّا هيم ويجوز أن ينظم تاجه عقارب، فما كان المحسن ولا المقارب، فكيف له إذا توج شبواتٍ، أليس يمينه عن تلك الصبوات؟ وهل تاجه إلاّ كما قالت الكاهنة: أفّ وتف، وجورب وخف!؟ قيل: وما جورب وخف؟ قالت واديان في جهنم. ما تاجه بتاج ملك، ولكن دعي بالمهلك، ولا اتخّذ من الذّهب، وسوف يصوَّر من اللهّب، ولا نظم من درّ، بل وقع من عناء بقرّ، يقال: صابت بقرٍ، إذا وقعت في موضعها، وأكثر ما يستعمل ذلك في الشرّ. قال الشاعر:
ترجيَّها وقد صابت بقرٍ
كما ترجوا أصاغرها عتيب ما توَّج من الفضة،ولا يقنع له بالقضَّة، ما هو كتاج كسرى، لكن طرق بسوء المسرى، ولا تاج الملك انوشروان، ولكل أثقل وجرّ الهوان، ذلك تاج فرس عنقاً، فظن على من توِّج به محنقاً. ليس هو كتاج المنذر، ولكن مندية غويّ حذّر، ولا هو كخرزات النعّمان، بل شين يدخر في الأزمان. وما يفقر مثبه إلى أن ينقض منه وبه تقوضّ.
وأمّا الدامغ فما إخاله دمغ إلاّ من الفّه، وبسوء الخلافة خلفه. وفي العرب رجل يعرف بدميغ الشيطان، وهذا الرّجل كذاوي الخيطان. وإنمّا المنكر، أنَّه في الآونة يذكر. دلّ ممن وضعه على ضعف دماغ، فهل يؤذن لصوت ماغٍ؟ من قولهم: مغت الهرة إذا صاحت.
رماني بأمرٍ كنت منه ووالدي
بريئاً ومن جول الطوَّي رماني رجع عليه حجره، وطال في الآخرة بجره. بئس ما نسب إلى راوند، فهل قدح في دباوند؟ إنمّا هتك قميصه، وأبان للنظر خميصه. وأجمع ملحد ومهتد، وناكب عن المحجَّة ومقتدِ، أنّ هذا الكتاب الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم كتاب بهر بالإعجاز، ولقي عدّوه بالأرجاز. ما حذي على مثال، ولا أشبه غريب الأمثال. ما هو من القصيد الموزون، ولا الرَّجز من سهلّ وحزون. ولا شاكل خطابة العرب، ولا سجع الكهنة ذوي الأرب. وجاء كالشمس اللائحة، نوراً للمسرَّة والبائحة؛ لو فهمه الهضب الرّاكد لتصدع، أو الوعول المعصمة لراق الفادرة والصدّع: " وتلك الأمثال نضربها للنّاس لعلهم يتفكرون " وإنّ الآية منه أو بعض الآية، لتعترض في أفصح كلم يقدر عليهم المخلوقون، فتكون فيه كالشَّهاب المتلألئ في جنح غسق، والزّهرة البادية في جدوبٍ ذات نسق؛ فتبارك الله أحسن الخالقين.
وأمّا القضيب فمن عمله أخسر صفقة من قضيب. وخير له من إنشائه، لو ركب قضيباً عند عشائه، فقذفت به على قتاد، ونزعت المفاصل كنزع الأوتاد:
إن الطرٍّمّاح يهجوني لأشتمه
هيهات هيهات، عيلت دونه القضب كيف للنّاطق به أن يكون اقتضب وهو يافع، إذ ماله في العاقبة شافع. وودّ لو أنّه قضبه، أو تلتئم عليه الهضبة،وقد صح أن يكون مثل القائل:
وروحة دنيا بين حييّن رحتها
أسير عروضاً، أو قضيباً أروضها وقضيب وادٍ كانت فيه وقعة في الجاهلية بين كندة وبين بني الحارث ابن كعب فكيف لهذا المائق أن يكون قتل في قضيب، وسقط في إهابه الخضيب. فهو عليه شرّ من قضيب الشجرّة على السّاعية، ومن له ان يظفر بمنطق الناّعية؟ وكيف له أن يجدَّع بقضيب هندي ويلبس ممّا لفظ به ثوب المفديّ؟ لقد أنزل الله به من النكّال، ما لا يدفع بحمل الأنكال؛ فهو كما قال الأوّل:
فلم أر مغلوبين يفري فرينا
ولا وقع ذاك السَّيف وقع قضيب وهذا البيت يستشهد به، كما علم، لأنّه قال: مغلوبين يفري، وإنمّا يجب أن يقال: يفريان، ولكنّه أجرى الاثنين مجرى الجمع. ومثله قول الرّاجز:
مثل القارخ نتقت حواصله
الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)
مواقع النشر (المفضلة)