وأما حديث ابن عباس ففي المسند أيضا: عنه أن رسول الله ص قال: إن الله حرم الخمر والميسر والكوبة وكل مسكر حرام والكوبة الطبل قاله سفيان وقيل: البربط والقنين هو الطنبور بالحبشية والتقنين: الضرب به قاله ابن الأعرابي
وأما حديث أبي هريرة رضي الله عنه فرواه الترمذي عنه قال: قال رسول الله ص إذا اتخذ الفىء دولا والأمانة مغنما والزكاة مغرما وتعلم العلم لغير الدين وأطاع الرجل امرأته وعق أمه وأدنى صديقه وأقصى أباه وظهرت الأصوات في المساجد وساد القبيلة فاسقهم وكان زعيم القوم أرذلهم وأكرم الرجل مخافة شره وظهرت القينات والمعازف وشربت الخمر ولعن آخر هذه الأمة أولها فليرتقبوا عند ذلك ريحا حمراء وزلزلة وخسفا ومسخا وقذفا وآيات تتابع كنظام بال قطع سلكه فتتابع قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب
وقال ابن أبي الدنيا: حدثنا عبد الله بن عمر الجشمى حدثنا سليمان بن سالم أبو داود حدثنا حسان بن أبي سنان عن رجل عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ص يمسخ قوم من هذه الأمة في آخر الزمان قردة وخنازير قالوا: يا رسول الله أليس يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله قال: بلى ويصومون ويصلون ويحجون قيل: فما بالهم قال: اتخذوا المعازف والدفوف والقينات فباتوا على شربهم ولهوهم فأصبحوا وقد مسخوا قردة وخنازير
وأما حديث أبي أمامة الباهلي فهو في مسند أحمد والترمذي عنه عن النبي ص قال: يبيت طائفة من أمتي على أكل وشرب ولهو ولعب ثم يصبحون قردة وخنازير ويبعث على أحياء من أحيائهم ريح فينسفهم كما نسف من كان قبلكم باستحلالهم الخمر وضربهم بالدفوف واتخاذهم القينات في إسناده فرقد السبخي وهو من كبار الصالحين ولكنه ليس بقوى في الحديث وقال الترمذي: تكلم فيه يحيى بن سعيد وقد روى عنه الناس
وقال ابن أبي الدنيا: حدثنا عبد الله بن عمر الجشمي حدثنا جعفر بن سليمان حدثنا فرقد السبخي حدثنا قتادة عن سعيد بن المسيب قال: حدثني عاصم بن عمرو والبجلي عن أبي أمامة عن رسول الله ص قال: يبيت قوم من هذه الأمة على طعم وشرب ولهو فيصبحون وقد مسخوا قردة وخنازير وليصيبنهم خسف وقذف حتى يصبح الناس فيقولون: خسف الليلة بدار فلان خسف الليلة ببني فلان وليرسلن عليهم حجارة من السماء كما أرسلت على قوم لوط على قبائل فيها وعلى دور فيها وليرسلن عليهم الريح العقيم التي أهلكت عادا بشربهم الخمر وأكلهم الربا واتخاذهم القينات وقطيعتهم الرحم
وفي مسند أحمد من حديث عبيد الله بن زحر عن علي بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة عن النبي ص قال: إن الله بعثني رحمة وهدى للعالمين وأمرني أن أمحق المزامير والكبارات يعني البرابط والمعازف والأوثان التي كانت تعبد في الجاهلية
قال البخاري: عبيدالله بن زحر ثقة وعلى بن يزيد ضعيف والقاسم بن عبد الرحمن أبو عبد الرحمن ثقة
وفي الترمذي ومسند أحمد بهذا الإسناد بعينه: أن النبي ص قال: لا تبيعوا القينات ولا تشتروهن ولا تعلموهن ولا خير في تجارة فيهن وثمنهن حرام وفي مثل هذا نزلت هذه الآية 31: 6 ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله الآية
وأما حديث عائشة رضي الله عنها فقال ابن أبي الدنيا حدثنا الحسن بن محبوب حدثنا أبو النضر هاشم بن القاسم حدثنا أبو معشر عن محمد بن المنكدر عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت قال رسول الله ص يكون في أمتي خسف ومسخ وقذف قالت عائشة يا رسول الله وهم يقولون لا إله إلا الله فقال إذا ظهرت القينات وظهر الزنى وشربت الخمر ولبس الحرير كان ذا عند ذا
وقال ابن أبي الدنيا أيضا حدثنا محمد بن ناصح حدثنا بقية بن الوليد عن يزيد بن عبد الله الجهني حدثني أبو العلاء عن أنس بن مالك أنه دخل على عائشة رضي الله عنها ورجل معه فقال لها الرجل يا أم المؤمنين حدثينا عن الزلزلة فقال إذا استباحوا الزنى وشربوا الخمر وضربوا بالمعازف غار الله في سمائه فقال تزلزلي بهم فإن تابوا وفزعوا وإلا هدمتها عليهم قال قلت يا أم المؤمنين أعذاب لهم قالت بل موعظة ورحمة وبركة للمؤمنين ونكال وعذاب وسخط على الكافرين قال أنس ما سمعت حديثا بعد رسول الله ص أنا أشد به فرحا مني بهذا الحديث
وأما حديث علي فقال ابن أبي الدنيا أيضا حدثنا الربيع بن تغلب حدثنا فرج بن فضالة عن يحيى بن سعيد عن محمد بن علي عن علي رضي الله عنه قال قال رسول الله ص إذا عملت أمتي خمس عشرة خصلة حل بها البلاء قيل يا رسول الله وما هن قال إذا كان المغنم دولا والأمانة مغنما والزكاة مغرما وأطاع الرجل زوجته وعق أمه وبر صديقه وجفا أباه وارتفعت الأصوات في المساجد وكان زعيم القوم أرذلهم وأكرم الرجل مخافة شره وشربت الخمور ولبس الحرير واتخذت القيان ولعن آخر هذه الآمة أولها فليرتقبوا عند ذلك ريحا حمراء وخسفا ومسخا
حدثنا عبد الجبار بن عاصم قال حدثنا أبو طالب قال حدثنا اسمعيل بن عياش عن عبد الرحمن التميمي عن عباد بن أبي علي عن علي رضي الله عنه عن النبي ص أنه قال تمسخ طائفة من أمتي قردة وطائفة خنازير ويخسف بطائفة ويرسل على طائفة الريح العقيم بأنهم شربوا الخمر ولبسوا الحرير واتخذوا القيان وضربوا بالدفوف
وأما حديث أنس رضي الله عنه فقال ابن أبي الدنيا حدثنا أبو عمرو هرون بن عمر القرشي حدثنا الخصيب بن كثير عن أبي بكر الهذلي عن قتادة عن أنس رضي الله عنه قال قال رسول الله ص ليكونن في هذه الأمة خسف وقذف ومسخ وذاك إذا شربوا الخمور واتخذوا القينات وضربوا بالمعازف
قال وأنبأنا أبو إسحق الأزدي حدثنا إسمعيل بن أبي أويس حدثني عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أحد ولد أنس بن مالك وعن غيره عن أنس بن مالك قال قال رسول الله ص ليبيتن رجال على أكل وشرب وعزف فيصبحون على أرائكهم ممسوخين قردة وخنازير
وأما حديث عبد الرحمن بن سابط فقال ابن أبي الدنيا حدثنا إسحاق بن إسماعيل حدثنا جرير عن أبان بن تغلب عن عمرو بن مرة عن عبد الرحمن بن سابط قال قال رسول الله ص يكون في أمتي خسف وقذف ومسخ قالوا فمتى ذاك يا رسول الله قال إذا أظهروا المعازف واستحلوا الخمور
وأما حديث الغازي بن ربيعة فقال ابن أبي الدنيا حدثنا عبد الجبار بن عاصم حدثنا إسمعيل بن عياش عن عبيدالله بن عبيد عن أبي العباس الهمداني عن عمارة بن راشد عن الغازي بن ربيعة رفع الحديث قال ليمسخن قوم وهم على أريكتهم قردة وخنازير بشربهم الخمر وضربهم بالبرابط والقيان
قال ابن أبي الدنيا وحدثنا عبد الجبار بن عاصم قال حدثني المغيرة بن المغيرة عن صالح بن خالد رفع ذلك إلى النبي ص أنه قال ليستحلن ناس من أمتي الحرير والخمر والمعازف وليأتين الله على أهل حاضر منهم عظيم بجبل حتى ينبذه عليهم ويمسخ آخرون قردة وخنازير
قال ابن أبي الدنيا حدثنا هارون بن عبيدالله حدثنا يزيد بن هرون حدثنا أشرس أبو شيبان الهذلي قال قلت لفرقد السبخي أخبرني يا أبا يعقوب من تلك الغرائب التي قرأت في التوراة فقال يا أبا شيبان والله ما أكذب على ربي مرتين أو ثلاثا لقد قرأت في التوراة ليكونن مسخ وخسف وقذف في أمة محمد ص في أهل القبلة قال قلت يا أبا يعقوب ما أعمالهم قال باتخاذهم القينات وضربهم بالدفوف ولباسهم الحرير والذهب ولئن بقيت حتى ترى أعمالا ثلاثة فاستيقن واستعد واحذر قال قلت ما هي قال إذا تكافأ الرجال بالرجال والنساء بالنساء ورغبت العرب في آنية العجم فعند ذلك قلت له العرب خاصة قال لا بل أهل القبلة ثم قال والله ليقذفن رجال من السماء بحجارة يشدخون بها في طرقهم وقبائلهم كما فعل بقوم لوط وليمسخن آخرون قردة وخنازير كما فعل ببني إسرائيل وليخسفن بقوم كما خسف بقارون
وقد تظاهرت الأخبار بوقوع المسخ في هذه الأمة وهو مقيد في أكثر الأحاديث بأصحاب الغناء وشاربي الخمر وفي بعضها مطلق
قال سالم بن أبي الجعد ليأتين على الناس زمان يجتمعون فيه على باب رجل ينتظرون أن يخرج إليهم فيطلبون إليه حاجة فيخرج إليهم وقد مسخ قردا أو خنزيرا وليمرن الرجل على الرجل في حانوته يبيع فيرجع إليه وقد مسخ قردا أو خنزيرا
وقال أبو هريرة رضي الله عنه لا تقوم الساعة حتى يمشي الرجلان إلى الأمر يعملانه فيمسخ أحدهما قردا أو خنزيرا فلا يمنع الذي نجا منهما ما رأى بصاحبه أن يمضي إلى شأنه ذلك حتى يقضي شهوته وحتى يمشي الرجلان إلى الأمر يعملانه فيخسف بأحدهما فلا يمنع الذي نجا منهما ما رأى بصاحبه أن يمشي لشأنه ذلك حتى يقضي شهوته منه
وقال عبد الرحمن بن غنم سيكون حيان متجاورين فيشق بينهما نهر فيستقيان منه قبسهم واحد يقبس بعضهم من بعض فيصبحان يوما من الأيام قد خسف بأحدهما والآخر حي
وقال عبد الرحمن بن غنم أيضا يوشك أن يقعد اثنان على رحا يطحنان فيمسخ أحدهما والآخر ينظر
وقال مالك بن دينار بلغني أن ريحا تكون في آخر الزمان وظلم فيفزع الناس إلى علمائهم فيجدونهم قد مسخوا
قال بعض أهل العلم إذا اتصف القلب بالمكر والخديعة والفسق وانصبغ بذلك صبغا تاما صار صاحبه على خلق الحيوان الموصوف بذلك من القردة والخنازير وغيرهما ثم لا يزال يتزايد ذلك الوصف فيه حتى يبدو على صفحات وجهه بدوا خفيا ثم يقوى ويتزايد حتى يصير ظاهرا على الوجه ثم يقوى حتى يقلب الصورة الظاهرة كما قلب الهيئة الباطنة ومن له فراسة تامة يرى على صور الناس مسخا من صور الحيوانات التي تخلقوا بأخلاقها في الباطن فقل أن ترى محتالا مكارا مخادعا ختارا إلا وعلى وجهه مسخة قرد وقل أن ترى رافضيا إلا وعلى وجهه مسخة خنزير وقل أن ترى شرها نهما نفسه نفس كلبية إلا وعلى وجهه مسخة كلب فالظاهر مرتبط بالباطن أتم ارتباط فإذا استحكمت الصفات المذمومة في النفس قويت على قلب الصورة الظاهرة ولهذا خوف النبي ص من سابق الإمام في الصلاة بأن يجعل الله صورته صورة حمار لمشابهته للحمار في الباطن فإنه لم يستفد بمسابقة الإمام إلا فساد صلاته وبطلان أجره فإنه لا يسلم قبله فهو شبيه بالحمار في البلادة وعدم الفطنة
إذا عرف هذا فأحق الناس بالمسخ هؤلاء الذين ذكروا في هذه الأحاديث فهم أسرع الناس مسخا قردة وخنازير لمشابهتهم لهم في الباطن وعقوبات الرب تعالى نعوذ بالله منها جارية على وفق حكمته وعدله
وقد ذكرنا شبه المغنين والمفتونين بالسماع الشيطاني ونقضناها نقضا وإبطالا في كتابنا الكبير في السماع وذكرنا الفرق بين ما يحركه سماع الأبيات وما يحركه سماع الآيات
وذكرنا الشبه التي دخلت على كثير من العباد في حضوره حتى عدوه من القرب فمن أحب الوقوف على ذلك فهو مستوفى في ذلك الكتاب وإنما أشرنا ههنا إلى نبذة يسيرة في كونه من مكايد الشيطان وبالله التوفيق
فصل