ثم دخلت سنة ثلثمائة

ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
فمن ذلك ما كان من ورود بغداد رسول من العامل على برقة، وهي من عمل مصر، إلى ما خلفها بأربع فرسخ، ثم ما بعد ذلك من عمل المغرب بخير خارجي خرج عليه، وأنه ظفر بعسكره، وقتل خلقًا من أصحابه، ومعه آذان وأنوف من قتله في خيوط وأعلام الخارجي.
وفي هذه السنة كثرت الأمراض والعلل ببغداد في الناس، وذكر أن الكلاب والذئاب كلبت فيها بالبادية، فكانت تطلب الناس والدواب والبهائم، فإذا عضت إنسانًا أهلكته.
وحج بالناس فيها الفضل بن عبد الملك الهاشمي.
ثم دخلت سنة إحدى وثلثمائة

ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
فمن ذلك عزل المقتدر محمد بن عبيد الله عن الوزارة وحبسه إياه مع ابنيه عبد الله وعبد الواحد وتصييره علي بن عيسى بن داود بن الجراح له وزيرًا.
وفيها كثر أيضًا الوباء ببغداد، فكان بها منه نوع سموه حنينًا، ومنه نوع سموه الماسرا؛ فأما الحنين فكانت سليمة، وأما الماسرا فكانت طاعونًا قتالة.
وفيها أحضر دار الوزير علي بن عيسى رجل - ذكر انه يعرف بالحلاج ويكنى أبا محمد - مشعوذ، ومعه صاحب له، سمعت جماعة من الناس يزعمون أنه يدعى الربوبية فصلب هو وصاحبة ثلاثة أيام، كل يوم من ذلك من أوله إلى انتصافه، ثم ينزل بهما، فيؤمر بهما إلى الحبس، فحبس مدة طويلة، فافتتن به جماعة منهم نصر القشوري وغيره، إلى أن ضج الناس، ودعوا على من يعيبه، وفحش أمره، وأخرج من الحبس، فقطعت يداه ورجلاه، ثم ضربت عنقه، ثم أحرق بالنار.
وفيها غزا الصائفة الحسين بن حمدان بن حمدون، فورد كتاب من طرسوس يذكر فيه أنه فتح حصونًا كثيرة، وقتل من الروم خلقًا كثيرًا.
وفيها قتل أحمد بن إسماعيل بن أحمد صاحب خراسان وما وراء النهر؛ قتله غلام له تركي - أخص غلمانه به - ذبحًا، وهو غلامان معه، ودخلوا عليه في قبته، ثم هربوا فلم يدركوا.
وفيها وقع الاختلاف بين نصر بن أحمد بن إسماعيل بن أحمد وعم أبيه إسحاق بن أحمد، فكان مع نصر بن أحمد غلمان أبيه وكتابه وجماعة من قواده والأموال والكراع السلاح، وانحاز بعد قتل أبيه إلى بخارى وإسحاق بن أحمد بسمرقند وهو عليل من نقرس به، فدعا الناس بسمرقند إلى مبايعته على الرئاسة عليهم، وبعث كل واحد منهما إلى السلطان كتبه خاطبًا على نفسه، عمل إسماعيل بن أحمد، وأنفذ إسحاق كتبه - فيما ذكر - إلى عمران المرزباني لإيصالها إلى السلطان، ففعل ذلك، وأنفذ نصر بن أحمد ابن إسماعيل كتبه إلى حماد ابن أحمد؛ ليتولى إيصالها إلى السلطان، ففعل.
وفيها كانت وقعة بين نصر بن إسماعيل وأصحابه من أهل بخارى وإسحاق بن أحمد عم أبيه وأصحابه من أهل سمرقند، لأربع عشرة بقيت من شعبان منها، هزم فيها نصر وأصحابه إسحاق وأهل سمرقند ومن كان قد انضم إليه من أهل النواحي، وتفرقوا عنه هاربين، وكانت هذه الوقعة بينهم على باب بخارى.
وفيها زحف أهل بخارى إلى أهل سمرقند بعدما هزموا إسحاق بن أحمد ومن معه، فكانت بينهم وقعة أخرى ظفر فيها أيضًا أهل بخارى بأهل سمرقند، فهزموهم، وقتلوا منهم مقتلة عظيمة، ودخلوا سمرقند قسرًا، وأخذوا إسحاق بن أحمد أسيرًا، وولوا ما كان إليه من عمل ابنًا لعمرو بن نصر بن أحمد.
وفيها أصحاب ابن البصرى من أهل المغرب بالرقة، وطرد عنها عامل السلطان.
وولى أبو بكر محمد بن علي بن أحمد بن أبي زنبور الماذرائي أعمال مصر وخراجها.
وفيها قتل أبو سعيد الجنابي كان بناحية البحرين وهجر، قتله - فيما قيل - خادم له.
وفيها كثرت الأمراض والعلل ببغداد، وفشا الموت في أهلها، وكان أكثر ذلك - فيما قيل - في الحربية وأهل الأرباض.
وفيها وافى قائد من قواد ابن البصرى في البرابرة والمغاربة الإسكندرية.
وفيها ورد كتاب تكين عامل السلطان من مصر يسأله المدد.
وحج بالناس فيها الفضل بن عبد الملك.
ثم دخلت سنة اثنتين وثلثمائة

ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
فمن ذلك ما كان من إشخاص الوزير بن عيسى بن عبد الباقي في ألفي فارس فيها لغزو الصائفة، معونة لبشر خادم ابن أبي الساج وهو والى طرسوس من قبل السلطان، فلم يتيسر لهم غزو الصائفة، فغزوها شاتية في برد وثلج.
وفيها تنحى الحسن بن علي العلوي الأطروس بعد غلبته على طبرستان عن آمل، وصار إلى سالوس فأقام بها.
ووجه صعلوك صاحب الرى إلى جيشًا، فلم يكن لجيشه بها ثبات، وعاد الحسن بن علي إليها، ولم ير الناس مثل عدل الأطروش وحسن سيرته وإقامته الحق.
وفيها دخل حباسة صاحب ابن البصرى الإسكندرية، وغلب عليها، وذكر أنه وردها في مائتي مركب في البحر.
وفيها وافى حباسة صاحب ابن البصرى موضعًا من فسطاط مصر على مرحلة، يقال لها سفط، ثم رجع منه إلى وراء ذلك، فنزل منزلًا بين الفسطاط والإسكندرية.
وفيها شخص مؤنس الخادم إلى مصر لحرب حباسة، وقوي بالرجال والسلاح والمال.
وفيها لسبع بقين من جمادى الأولى قبض على الحسين بن عبد الله المعروف بابن الجصاص وعلى ابنية، واستصفى كل شيء له، ثم حبس وقييد.
وفيها كانت وقعة بمصر بين أصحاب السلطان وحباسة وأصحابه لست بقين من جمادى الأولى منها، فقتل من الفريقين جماعة، وجرحت منهم جماعة، ثم أخرى ذلك بيوم نحو التي كانت في هذه، ثم ثالثة بعد ذلك في جمادى منها.
ولأربع عشرة بقيت من عشرة من جمادى الآخرة، ورد كتاب بوقعة كانت بينهم، هزم أصحاب السلطان فيها المغاربة.
وفيها ورد كتاب من بشر عامل السلطان على طرسوس على السلطان، يذكر فيه غزوة أرض الروم، وما فتح فيها من الحصون، وما غنم وسبي، وأنه أسر من البطارقة مائة وخمسين، وأن مبلغ السبي نحو من ألفي رأس.
ولإحدى عشرة بقيت من رجب ورد الخبر من مصر أن أصحاب السلطان لقوا حباسة وأهل المغرب يقاتلونهم.
فكانت الهزيمة على المغاربة، فقتلوا منهم وأسروا سبعة آلاف رجل، وهرب الباقون مفلولين، وكانت الوقعة يوم الخميس بسلخ جمادى الآخرة.
وفيها انصرف حباسة ومن معه من المغاربة عن الإسكندرية راجعين إلى المغرب بعد ما ناظر - فيما ذكر - حباسة عامل السلطان بمصر على الدخول إليه بالأمان، وجرت بينهما في ذلك كتب.
وكان انصرافه - فيما ذكر - لاختلاف حدث بين أصحابه في الموضع الذي شخص منه.
وفيها أوقع يانس الخادم بناحية وادي الذئاب، وما قرب من ذلك الموضع بمن هنالك من الأعراب، فقتل منهم مقتلة عظيمة، وذكر أنه قتل منهم سبعة آلاف رجل، ونهب بيوتهم، وأصاب في بيوتهم من أموال التجار وأمتعتهم التي كانوا أخذوها بقطع الطريق عليهم ما لا يحصى كثرته.
ولست خلون من ذي الحجة هلكت بدعة مولاة المأمون.
وحج بالناس فيها الفضل بن عبد الملك.