ومما يبين ما قلناه - من أن البليغ المتناهى في وجوه الفصاحة يعرف إعجاز القرآن، وتكون معرفته حجة عليه، إذا تحدى إليه وعجز عن مثله، وإن لم ينتظر وقوع التحدي في غيره، وما الذي يصنع ذلك بالغير - فهو ما روي في الحديث أن جبير بن مطعم ورد على النبي في مُعَنًّى حليف له، أراد أن يفاديه، فدخل والنبي يقرأ سورة { والطور وكتاب مسطور } في صلاة الفجر، قال: فلما انتهى إلى قوله: { إن عذاب ربك لواقع، ما له من دافع }، قال: خشيت أن يدركني العذاب. فأسلم.
وفي حديث آخر أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه سمع سورة طه فأسلم.
وقد روي أن قوله عز وجل في أول { حم } السجدة إلى قوله { فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون } نزلت في شيبة وعتبة ابني ربيعة، وأبي سفيان بن حرب، وأبي جهل. وذكر أنهم بعثوا هم وغيرهم من وجوه قريش، بعتبة بن ربيعة إلى النبي ليكلمه، وكان حسن الحديث، عجيب البيان بليغ الكلام،. وأرادوا أن يأتيهم بما عنده فقرأ النبي سورة حم السجدة، من أولها حتى انتهى إلى قوله: { فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود }، فوثب مخافة العذاب، فاستحكوه ما سمع فذكر أنه لم يفهم منه كلمة واحدة، ولا اهتدى لجوابه. ولو كان ذلك من جنس كلامهم لم يخف عليه وجه الاحتجاج والرد. فقال له عثمان بن مظعون: لتعلموا أنه من عند الله، إذ لم يهتد لجوابه.
وأبين من ذلك قول الله عز وجل: { وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه }. فجعل سماعه حجة عليه بنفسه، فدل على أن فيهم من يكون سماعه إياه حجة عليه.
فإن قيل: لو كان [ كذلك ] على ما قلتم، لوجب أن يكون حال الفصحاء الذين كانوا في عصر النبي ، على طريقة واحدة في إسلامهم عند سماعه.
قيل له: لا يجب ذلك، لأن صوارفهم كانت كثيرة، منها أنهم كانوا يشكون، ففيهم من يشك في إثبات الصانع، وفيهم من يشك في التوحيد، وفيهم من يشك في النبوة. ألا ترى أن أبا سفيان بن حرب لما جاء إلى رسول الله ليسلم عام الفتح، قال له النبي عليه السلام: أما آن لك أن تشهد أن لا إله إلا الله؟ قال: بلى. فشهد، قال: أما آن لك أن تشهد أني رسول الله؟ قال: أما هذه ففي النفس منها شئ.
فكانت وجوه شكوكهم مختلفة، وطرق شبههم متباينة، فمنهم من قلت شبههه وتأمل الحجة حق تأملها ولم يستكبر فأسلم. ومنهم من كثرت شبهه، أو أعرض عن تأمل الحجة حق تأملها، أو لم يكن في البلاغة على حدود النهاية، فتطاول عليه الزمان إلى أن نظر واستبصر، وراعى واعتبر، واحتاج إلى أن يتأمل عَجْزَ غيره عن الإتيان بمثله، فلذلك وقف أمره.
ولو كانوا في الفصاحة على مرتبة واحدة، وكانت صوارفهم وأسبابهم متفقة - لتوافوا إلى القبول جملة واحدة.
فإن قيل: فكيف يعرف البليغ الذي وصفتموه إعجاز القرآن، وما الوجه الذي يتطرق به إليه، والمنهاج الذي يسلكه، حتى يقف به على جلية الأمر فيه؟ قيل: هذا سبيله أن يفرد له فصل.





فإن قيل: فلم زعتم أن البلغاء عاجزون عن الإتيان بمثله مع قدرتهم على صنوف البلاغات، وتصرفهم في أجناس الفصاحات؟ وهلا قلتم: إن من قدر على جميع هذه الوجوه البديعة بوجه من هذه الطرق الغريبة - كان على مثل نظم القرآن قادرا، وإنما يصرفه الله عنه ضربا من الصرف، أو يمنعه من الإتيان بمثله ضربا من المنع، أو تقصر دواعيه [ إليه ] دونه، مع قدرته عليه، ليتكامل ما أراده الله من الدلالة، ويحصل ما قصده من إيجاب الحجة، لأن من قدر على نظم كلمتين بديعتين، لم يعجز عن نظم مثلها، وإذا قدر على ذلك قدر على ضم الثانية إلى الأولى، وكذلك الثالثة، حتى يتكامل قدر الآية والسورة؟
فالجواب: أن لو صح ذلك لصح لكل من أمكنه نظم ربع بيت أو مصراع من بيت أن ينظم القصائد ويقول الأشعار، وصح لكل ناطق قد يتفق في كلامه الكلمة البديعة نظم الخطب البليغة والرسائل العجيبة! ومعلوم أن ذلك غير سائغ ولا ممكن.
على أن ذلك لو لم يكن معجزا على ما وصفناه من جهة نظمه الممتنع، لكان مهما حط من رتبة البلاغة فيه، ومنع من مقدار الفصاحة في نظمه، [ كان ] أبلغ في الاعجوبة، إذا صرفوا عن الإتيان بمثله، ومنعوا من معارضته، وعدلت دواعيهم عنه، فكان يستغنى عن إنزاله على النظم البديع، وإخراجه في المعرض الفصيح العجيب.
على أنه لو كانوا صرفوا على ما ادعاه، لم يكن من قبلهم من أهل الجاهلية مصروفين عما كان يعدل به في الفصاحة والبلاغة وحسن النظم وعجيب الرصف، لأنهم لم يتحدوا إليه، ولم تلزمهم حجته.
فلما لم يوجد في كلامه من قبله مثله، علم أن ما ادعاه القائل " بالصرفة " ظاهر البطلان.
وفيه معنى آخر، وهو أن أهل الصنعة في هذا الشأن إذا سمعوا كلاما مطمعا لم يخف عليهم، ولم يشتبه لديهم.
ومن كان متناهيا في فصاحته لم يجز أن يطمع في مثل هذا القرآن بحال.
فإن قال صاحب السؤال: إنه قد يطمع في ذلك.
قيل له: أنت تزيد على هذا فتزعم أن كلام الآدمي قد يضارع القرآن، وقد يزيد عليه في الفصاحة ولا يتحاشاه، ويحسب أن ما ألفه في الجزء والطفرة هو أبدع وأغرب من القرآن لفظا ومعنى! ولكن ليس الكلام على ما يقدره مقدر في نفسه ويحسبه ظان من أمره. والمرجوع في هذا إلى جملة الفصحاء دون الآحاد. ونحن نبين بعد هذا وجه امتناعه عن الفصيح البليغ، ونميزه في ذلك عن سائر أجناس الخطاب، ليعلم أن ما يقدره من مساواة كلام الناس به تقدير ظاهر الخطأ ببين الغلط، وأن هذا التقدير من جنس من حكى الله تعالى قوله في محكم كتابه: { إنه فكر وقدر فقتل كيف قدر، ثم قتل كيف قدر، ثم نظر، ثم عبس وبسر، ثم أدبر واستكبر، فقال إن هذا إلا سحر يؤثر، إن هذا إلا قول البشر } فهم يعبرون عن دعواهم: أنهم يمكنهم أن يقولوا مثله، وأن ذلك من قول البشر، لأن ما كان من قولهم فليس يقع فيه التفاضل إلى الحد الذي يتجاوز إمكان معارضته.
ومما يبطل ما ذكروه من القول بالصرفة أنه لو كانت المعارضة ممكنة - وإنما منع منها الصرفة - لم يكن الكلام معجزا. وإنما يكون المنع هو المعجز، فلا يتضمن الكلام فضيلة على غيره في نفسه.
وليس هذا بأعجب مما ذهب إليه فريق منهم: أن الكل قادرون على الإتيان بمثله، وإنما يتأخرون عنه لعدم العلم بوجه ترتيبٍ لو تعلموه لوصلوا إليه به.
ولا بأعجب من قول فريق منهم: إنه لا فرق بين كلام البشر وكلام الله تعالى في هذا الباب، وإنه يصح من كل واحد منهما الإعجاز على حد واحد.





فإن قيل: فهل تقولون بأن غير القرآن من كلام الله عز وجل معجز، كالتوراة والإنجيل والصحف؟
قيل: ليس شئ من ذلك بمعجز في النظم والتأليف، وإن كان معجزا كالقرآن فيما يتضمن من الإخبار عن الغيوب.
وإنما لم يكن معجزا لأن الله تعالى لم يصفه بما وصف به القرآن، ولانا قد علمنا أنه لم يقع التحدي إليه كما وقع التحدي إلى القرآن.
ولمعنى آخر، وهو أن ذلك اللسان لا يتأتي فيه من وجوه الفصاحة، ما يقع به التفاضل الذي ينتهى إلى حد الإعجاز، ولكنه يتقارب.
وقد رأيت أصحابنا يذكرون هذا في سائر الألسنة، ويقولون: ليس يقع فيها من التفاوت ما يتضمن التقديم العجيب. ويمكن بيان ذلك بأنا لا نجد في القدر الذي نعرفه من الألسنة للشئ الواحد، من الأسماء ما نعرف من اللغة، وكذلك لا نعرف فيها الكلمة الواحدة تتناول المعاني الكثيرة على ما تتناوله العربية، وكذلك التصرف في الاستعارات والإشارات، ووجوه الاستعمالات البديعة، التي يجئ تفصيلها بعد هذا.
ويشهد لذلك من القرآن: أن الله تعالى وصفه بأنه: { بلسان عربي مبين }. وكرر ذلك في مواضع كثيرة، وبين أنه رفعه عن أن يجعله أعجميا.