هذه إذن عناصر (إبستيمية) العقل الإسلامي، التي أصبحت فيما بعد "سياجاً دوغمائيا انغلق داخله العقل الإسلامي" [29]، بحيث أنه لا يستطيع أن يفكر ذلك العقل خارج إطارها . وهو أيضاً يمثل "ملخص الاعتقاد الإسلامي كثّفناه هنا بشكل حرفي. إنه يمثل النواة الصلبة التي يعود إليها وينطلق منها في آن معاً نظام العقائد/ اللاعقائد الخاص بالمسلمين. ومن هذه النواة الصلبة تستمد الشيفرات المعيارية الشعائرية، والأخلاقية، والتشريعية، والاجتماعية، والاقتصادية، وطرق التحقق أو التجلي المعنوية والفنية والثقافية" [30]. "باختصار؛ فإن كل التوسعات والانتشارات في الزمان والمكان لعمل العقل والذاكرات الاجتماعية" [31] تنطلق من هذه النواة الصلبة .
هذه النواة الصلبة، هي محل نقد العقل الإسلامي عند أركون، وهي موضوع (الإسلاميات التطبيقية) .
يقول أركون "إن هذه النواة الصلبة للاعتقاد الإسلامي مُتجاهلة أو مُهملة من قبل البحّاثة المتبحّرين في العلم (المستشرقين)، كما أنها متجاهلة من قبل الخبراء الغربيين في الشؤون الإسلامية ... وحده (الباحث - المفكر) يوضح نقطة أبحاثه وتحرياته. فهو يهتم بدراسة هذه النواة الصلبة للاعتقاد الإسلامي، ثم دراسة مضامينها وتوسعاتها العديدة (أو انتشارها). ثم يطبق عليها عمليات الزحزحة، والتجاوز. هذه العمليات التي لم يحاولها إطلاقا الفكر الإسلامي نفسه" [32].

"وهذا ما سأفعله الآن ... إن التحري الذي يفرض نفسه منهجيا وابستمولوجيا علينا هو التحري التاريخي، الذي يقوم به المؤرخ، ولا أقصد المؤرخ الفيلولوجي على طريقة القرن التاسع عشر فقط. وإنما أيضاً المؤرخ الذي يمزج بين الأداة الفيلولوجية والأداة الألسنية، والأداة النفسية - الاجتماعية، والأداة الدلالية السيميائية، والأداة الأتنولوجية - السوسيولوجية، والأداة الأنثربولوجية" [33].

هذه يعني أن أركون بحسب تلميذه هاشم صالح "سوف يجيّش ترسانة من الأسلحة المنهجية والمفهومية لكي يستطيع تفكيك النواة الصلبة للاعتقاد الإسلامي، ويحررها من الداخل ويحررنا من وطأة هيمنتها على مدار القرون. فهو يريد تجيش علم الألسنيات الحديثة، وعلم السيميائيات أو الدلالات، وعلم النفس التاريخي على طريقة مدرسة الحوليات، وأركيولوجيا المعرفة على طريقة ميشيل فوكو، وعلم الاجتماع الحديث على طريقة بورديو، وتفكيك الميتافيزيقا على طريقة دريدا، ... إلخ، من أجل تنفيذ مشروعه الكبير في نقد العقل الإسلامي" [34].

بناء على هذه العناصر المشتركة؛ يمكننا - بحسب أركون - أن نتحدث عن (عقل إسلامي) كبير، متسمٍ بنظام فكري محدد، تنضوي تحته كافة مختلف العقول الفرعية التي تشكَّلت عبر التاريخ الإسلامي.

ومحمد أركون إذْ يرسم هذه الفكرة للعقل الإسلامي، فهو إنما يستعير ويوظِّف نظرية (الإبستميه) Episteme للمفكر الفرنسي (ميشيل فوكو)، الذي طالما يبدي أركون إعجابه به، إلى درجة أنه لا يخفي التشبه والتأثر بمنهجيته أثناء نقده للعقل الغربي: "إن الثورة التي أحدثها ميشيل فوكو في الساحة الفرنسية عندما فكك أسس الإنسية البرجوازية والعنجهية والتقليدية الأوربية تشبه ما نفعله نحن في الساحة الإسلامية والعربية" [35].

ما المقصود بالإبستميه؟
يقول ميشيل فوكو: هي "مجموع العلاقات التي بإمكانها أن توجد في فترة معينة بين الممارسات الخطابية التي تفسح المجال أمام أشكال إبستمولوجية" [36]. بعبارة أخرى هي: "مجموع العلاقات التي يمكننا الوقوف عليها في فترة ما بين العلوم حينما نحلل مستوى انتظاماتها الخطابية" [37].

ويمكن أن نشرح هذا فنقول: إن الإبستميه هو نظام الفكر العميق الذي يسيطر على البشر طيلة فترة معينة من الزمن، أو هي النظرية النموذجية التي تسيطر على جماعة المفكرين طيلة فترة معينة من الزمن، والتي يفسرون من خلالها كل شيء، وذلك قبل أن تسقط وتنهار وتحل محلها نظرية جديدة، فهناك الإبستميه الأرسطوطاليسي، وهناك الإبستميه الغاليليوي، وهناك إبستميه نيوتن، وإبستميه اينشتاين، وكل واحدٍ من هذه الإبستيميات كان يستخدم في وقته لتفسير الكون والعالم، وبالتالي فالإبستميه يعني نظام الفكر المسيطر في مرحلة تاريخية ما وبيئة ما [38].
لقد سعى أركون وفق نظرية الإبستميه إلى إخراج الفكر الإسلامي من مجال البعثرة التي لا جامع لها - كما يقول [39] - إلى مجال النظام، وذلك من خلال بحثه عن المبادئ المشتركة بين مختلف العقول الإسلامية، ليصوغ لنا في النهاية النظام الفكري العام أو الأفق الفكري المعرفي الذي يؤطِّر كافة العقول الإسلامية.
هذا بالنسبة لأركون وتحديده لمفهوم العقل من خلال نظرية الإبستميه لميشيل فوكو، ولكن إذا أردنا أن نعود إلى المقارنة من جديد بين أركون والجابري، فيمكننا أن نقول: إن أثر ميشيل فوكو لم يكن مقتصراً على أركون فحسب، بل نجده أيضاً حاضراً عند محمد عابد الجابري [40].

حيث وظَّف الجابري أيضاً نظرية الإبستميه أو (النظام المعرفي)؛ في تحديد مفهوم العقل العربي بوصفه كما يقول: "النظام المعرفي القائم الذي يؤسس المعرفة وكيفية إنتاجها داخل الثقافة العربية" [41].
ماذا يقصد الجابري بـ(النظام المعرفي)؟
يجيب: "يمكن أن نتلمس لمفهوم النظام المعرفي Episteme تعريفاً أولياً في العبارة التالية: النظام المعرفي هو جملة من المفاهيم والمبادئ والإجراءات تعطي للمعرفة في فترة تاريخية ما؛ بنيتها اللاشعورية. ويمكن اختزال هذا التعريف كما يلي: النظام المعرفي في ثقافة ما، هو بنيتها اللاشعورية [42] " [43].

ثم يشير في الهامش قائلاً: "واضح أننا نستوحي هنا، على صعيد التعريف، ميشيل فوكو، كما سيلاحظ القارئ المطلع على أعمال هذا المفكر الفرنسي. ولكن لا نحذو حذوه، حذو النعل بالنعل كما يقال، بل نتلمس لعملنا مفاهيمه وتوجيهاته من طبيعة موضوعه الخاص: الثقافة العربية" [44].

لكن تحديد الإبستميه أو النظام المعرفي للتراث عند الجابري يختلف عن تحديد الإبستميه عند أركون، فأركون - كما سبق معنا - يعود بالنظام المعرفي إلى (العقل المؤسّس) أي إلى القرآن أو الوحي، بخلاف الجابري الذي يجعل عصر التدوين منذ أواخر الدولة الأموية هو العصر الذي تكوّنت فيه الأسس النهائية للعقل العربي، حيث تم فيه جمع الأحاديث النبوية، ووضع تفاسير القرآن، وما تلا ذلك من بدء كتابة التاريخ الإسلامي، وأسس علم النحو، وقواعد الفقه، وعلم الكلام، وتشكيل المذاهب والفرق الإسلامية، فهو نقطة البداية لتكوين النظام المعرفي للثقافة العربية فيه اكتمل التكوين، ولم يتغير منذ ذلك الوقت ومازال سائدا في ثقافتنا حتى اليوم، وهو الإطار المرجعي للعقل العربي، وعلى هذا فإن بنية الثقافة العربية ذات زمن واحد، زمن راكد يعيشه الإنسان العربي اليوم مثلما عاشه أجداده في القرون الماضية .

هذه العلوم التراثية المتعددة والمذاهب والنظريات الإسلامية المختلفة تعود إلى بنية محددة، هذه البنية تتجلى من خلال ثلاثة أنظمة رئيسية، وهي: النظام البياني، والنظام العرفاني، والنظام البرهاني. وهذه الأنظمة مع وجود خصائص مميزة لكل نظام إلا أنها تشترك في معنى واحد حدده الجابري في آخر كتاب (بنية العقل العربي) .

والهدف عند الجابري من دراسة هذه الأنطمة الثلاثة ومحاولة استنباط البنية التي تقبع خلفها، هو من أجل التمهيد لطريق النهضة، فلا "يمكن بناء نهضة بعقل غير عقل ناهض، عقل لم يقم بمراجعة شاملة لآلياته ومفاهيمه وتصوراته ورؤاه" [45]، ولهذا فإن هذا المشروع "كان يجب أن ينطلق القول فيه منذ مائة سنة. إن نقد العقل جزء أساسي وأولي من كل مشروع للنهضة" [46].

المقصود أن الجابري يريد أن يتجاوز حالة الدراسة التراثية التقليدية من قبل الباحثين القدامى والجدد، الذين تعاطوا مع التراث بصورة تجزيئية يغيب فيها الترابط المعرفي الذي يعطي وحدة البنية المعرفية للتراث الإسلامي، ففرقوا بين أنواع الفلسفات والمذاهب والعلوم داخل المجتمع، مما يؤدي إلى تفكيك وحدة الفكر الفلسفي العربي إلى أجزاء متناثرة ولم يقفوا عند هذا الحد بل وصلوا إلى حد تفكيك وحدة المعارف والتفريق بين الفقه وعلم الكلام والأصول والتفسير والحديث، بل حتى وصل التفكيك للعلم الواحد، كالعلم النحو والصرف والبيان ونحو ذلك، مع العلم أن العالم في ذلك الزمان كان يجمع في ذاته جميع المعارف الرائجة آنذاك، فهو الفقيه و الأصولي والمتكلم، لهذا فدراسة التراث العربي ما زالت تخضع لهذه الرؤية التجزيئية العازلة اللاعلمية، فما زلنا ننظر إلى الفقه والفلسفة والنحو والادب والحديث والتفسير بوصفها علوماً لكل منها كيانه المستقل تمام الاستقلال، إذاً من خلال هذه النظرة الموجزة يتبين أن الجابري يحث على وحدة البنى الفكرية للتراث العربي الإسلامي، حتى يمكن الإمساك على الإحداثيات المنهجية في هذا العقل التراثي، هذه الإحداثيات التي يمكن عبر مراجعتها ونقدها وإعادة تشكلها إلى تحديث العقل العربي .




[1] ندوة حصيلة العقلانية والتنوير في الفكر العربي المعاصر، مركز دراسات الوحدة العربية، ص 42 .

[2] كمال عبداللطيف، قراءات في الفلسفة العربية المعاصرة، ص 80 .

[3] كمال عبداللطيف، قراءات في الفلسفة العربية المعاصرة، ص 80 .

[4] محمد الجابري، تكوين العقل العربي، ص 11 .

[5] نفس المصدر، ص 13 .

[6] نفس المصدر، ص 11 .

[7] محمد أركون، الفكر الإسلامي نقد واجتهاد، ص 297 .

[8] محمد الجابري، تكوين العقل العربي، ص 11 .

[9] محمد أركون، الفكر الإسلامي نقد واجتهاد، ص 236 .

[10] نفس المصدر .

[11] نفس المصدر .

[12] نفس المصدر .

[13] محمد أركون، تاريخية الفكر العربي الإسلامي، ص 88 .

[14] المصدر السابق : ص 67 .

[15] الرائز: هو المجرِّب والمختبِر . ورازَه : أي جرَّبهُ وقدَّرهُ وامتحنهُ لينظر ما ثقلهُ، والدينارَ وزنهُ ليعلم قدرهُ. والرجل اختبرهُ ليعلم ما عندهُ . انظر: لسان العرب، مادة رازه .

[16] أركون، تاريخية الفكر العربي الإسلامي : ص 67 .


[17] أركون، الفكر الأصولي واستحالة التأصيل : ص 7 .

[18] الشافعي، الرسالة، تحقيق أحمد شاكر : ص 19 - 20 .

[19] نفس المصدر: ص 21 - 25 .

[20] نفس المصدر: ص 508 .

[21] نفس المصدر: ص 390 .

[22] نفس المصدر: ص 32 .

[23] أركون، نحو نقد للعقل الإسلامي : ص 102 .

[24] انظر على سبيل: نصر حامد أبو زيد في كتابه (الإمام الشافعي وتأسيس الأيديولوجية الوسطية). وأدونيس في كتابه (الثابت والمتحول - الجزء الثاني). هذا على المستوى العلماني. وأما على المستوى العصراني فعبدالمجيد الصغير في كتابه (الفكر الأصولي وإشكالية السلطة العلمية في الإسلام). ولؤي صافي في كتابه (إعمال العقل).

[25] أركون، نحو نقد العقل الإسلامي : ص 97 .

[26] الشافعي، الرسالة : ص 50 .


[27] أركون، نحو نقد العقل الإسلامي : ص 98 .

[28] أركون، الفكر الأصولي واستحالة التأصيل: ص 330 .

[29] أركون، الفكر الأصولي واستحالة التأصيل : ص 330 .

[30] نفس المصدر : ص 331 .

[31] نفس المصدر .

[32] المصدر السابق : ص 332 .

[33] نفس المصدر .

[34] نفس المصدر، حاشية رقم 3 : ص 333 .

[35] محمد أركون، الفكر الإسلامي نقد واجتهاد، ص 334 .

[36] ميشيل فوكو، حفريات المعرفة، ص 183 .

[37] نفس المصدر .

[38] هاشم صالح، مدخل إلى التنوير الأوربي، ص 131 .

[39] محمد أركون، الفكر الإسلامي نقد واجتهاد، ص 242 .

[40] بل إن أثر ميشيل فوكو يطال كثيراً من المفكرين المحدثين في الساحة العربية، خاصة المغاربية، انظر: الزواوي بغورة، ميشيل فوكو في الفكر العربي المعاصر .

[41] محمد الجابري، تكوين العقل العربي، ص 37 .


[42] (البنية اللاشعورية) هي: مجموع الأحكام والمسلمات الذهنية الخفية التي تتحكم في عملية المعرفة لدى الفرد ويستعملها في تفكيره بطريقة لاشعورية. وقد استفاد الجابري هذا المفهوم من عالم النفس البنوي الشهير (جان بياجيه)، والذي استعمل مفهوم اللاشعور المعرفي Linconscient cognitive في دراسته لتكوين العقل الفرد وعلاقته بالثقافة السائدة. واضح أن الجابري يرى أن اللاشعور المعرفي عند بياجيه هو الإبستميه عند فوكو . انظر: محمد عابد الجابري، تكوين العقل العربي، ص 40 . وبالمناسبة لجورج طرابيشي نقد قوي على الجابري في توظيفه الخاطئ والانتقائي لنظرية الإبستميه عند فوكو . انظر: إشكاليات العقل العربي، ص 277 .

[43] محمد الجابري، تكوين العقل العربي، ص 40 .

[44] نفس المصدر، ص 55 .

[45] الجابري، الحداثة والتراث: ص 22 .

[46] نفس المصدر .