

كوابيس قرآنية 2
وجه آخر ، مألوف بشكل مزعج، من تلك الوجوه التي تراها فترتاح إليها.. وجه يمتلك القبول. يمتلك زمام تلك الكيمياء الغامضة التي تحدث بين الأرواح والنفوس. فيستطيع أن يجذب الناس دونما سبب واضح.أتأمله بفرح لأنه لست أنا!.. واقرر: لو كان هذا داعية لتغير على يده ربما مائة ألف.. (أو يزيدون..).ينادون على الشهود والضحايا. فإذا بكلهن نساء!.أذن كان يستعمل قبوله من اجل أن يحصل على قبولهن بعروضه!. وكيمياء الأرواح والنفوس كانت تستعمل من اجل تلك المعادلة الأخرى؟ - كيمياء أيضا، رغم الفرق بينهما.(يا إبليس الغواية. يا شيطان الإقناع. يا معسول الكلام. يا بعيد الوعود. يا كذوب العهود. يا أفعى اللمسات. يا فحيح الهمسات.يا زير النساء. يا سيد الإغواء.يا بارع الصمت – يا مفخخ الدهاء..تلك كانت أيامك، كانت لك – واليوم – اليوم صارت عليك..).ينادون على الشهود – الضحايا. بعضهن بنات “عوائل”. وأخريات مجرد “بقايا “والبعض بين هاتيك وهاتيك..واحدة ستقول انك كنت زلتها الأولى. وستتهمك طبعا بكل زلاتها التالية. وواحدة ستكون أنت زلتها العاشرة. لكنها ستتهمك أيضا بكل زلاتها الأخرى.واحدة ستقول انك كنت مجرد ثمن. نقود. دفعتها وانتهى الأمر بينكما..وواحدة ستقول انك السبب في كل انحرافها – وإنها ابتدأت معك بإعجاب حقيقي وأخذها (قصدك الشريف) إلى أن صارت مومسا..واحدة تلو الأخرى تلو الأخرى.. بعضهن سيظهرن في محاكمات أخرى لأشخاص آخرين – ستتداخل المحاكمات وتتعقد- وهو التداخل الذي يسبب عادة العدوى والالتهابات (طبعا تفهم ما اعنيه.. يا إبليس الغواية يا زير النساء..) وستنتظر أن يأتي دورك للدفاع. وستستعيد في ذهنك كل ما أقنعه بك شيطانك في فن الإقناع – يا شيطان الإقناع – تريد أن تقول انك كنت شابا ككل الشباب وان هؤلاء الفتيات كن يردن مثلما كنت تريد، وربما اكثر، وأنهن كلهن كن يعرفن ماذا تريد منهن.. لكنها أصول اللعبة – لعبة جر الحبل – أن تكذب، وتعد، وتقنع بمعسول الكلام ومخدره وسامه.تريد أن تقول ذلك.لكن من فمك سيخرج لسانك. سيخرج عن مكانه وسيقف في منصة الشهادة. وسيعترف وسيشهد.نعم قلت كذا. نعم وعدت كذا. نعم استدرجت إلى كذا..مشدوها ستقف: طالما سمعت بذلك. هاهو يحدث لك الآن.وبعد اللسان ستخرج عنك كل الأعضاء (التي استعملتها في ذلك!) لتشهد عليك.لقد تبرؤوا منك جميعا. أين أذن شيطان الإقناع – إبليس الغواية – الذي جرك إلى هذا المكان؟ لا تبحث عنه. لا تتعب نفسك في البحث. انه أول المتبرئين….- يا مالك – دعني لا اكمل هذا المشهد.. أبعدني عنه – إني اعرف نهايته: وقلبي يتفطر لان لسانه و ادواته و امكانياته لم تستخدم من اجل اقناع الناس بأن يستيقظوا من نومهم ، ولم يتغير على يديه مائة ألف.يا مالك، كمم فمي.. دعني لا اعلق بشيء.- (يدهشني تماما انه يطيعني هذه المرة).
* * *
اكثر ما كمم فمي و سيطر علي هو ذلك السؤال الذي كان يخيم على كل المحاكمات، و على كل الاستجوابات..انه سؤال بسيط ، بسيط جدا، لكن جوابه معقد جدا..و يلخص القصة كلها..قصتنا و قصة غيرنا..انه سؤال : هل فكرت ان تترك هذه الارض و هي مكان افضل مما دخلته؟ هل جاء ذلك اصلا في بالك؟ام انك كنت تخوض مع الخائضين؟
************************************************
..وجوه أراها في القعر. اعرفها ولا تعرفني. اكرهها بصدق. انهم مجموعتك السابقة. صحبة السوء التي يمكن أن تؤدي بك إلى جهنم.لم اكن أريد أن أراهم في الدنيا. وبالتأكيد لا أريد أن أراهم في جهنم. لا اشعر بالشماتة ولا بالفرح ولا بأي شئ. لدي ما يهمني وسحقا لهم..قبل أن أشيح بوجهي، ألاحظ انهم يتشاكسون ويتخاصمون. الويل لهم: حتى في جهنم لازمتهم أخلاقهم السيئة..اركز فيما يقولون. يبدو انهم قد افتقدوا واحدا من عصبتهم. يريدونه معهم. في عذابهم، في جحيمهم – لا حبا به – بل حتى يتعذب معهم.. – انهم يستخسرون فيه أن ينجو.(وقالوا: ما لنا لا نرى رجالا كنا نعهدهم من الأشرار. اتخذناهم سخريا..أم زاغت عنهم الأبصار..أن ذلك لحق: تخاصم أهل النار ..)ابتعد عنهم متمنيا أن يكون تخاصمهم فيك. وانهم يفتقدونك أنت. وان الأبصار لم تزغ عنك إلا لأنك نجوت. لأنك في المكان الآخر. رغم عمق الكابوس، أرى ثمة أمل.* * *
النار.. تلتهم كل شئ.الوجوه، الذكريات والذاكرة.لا أرى شيئا.النار أكلت كل شئ. لم يعد هناك زحام وجوه.لم يعد هناك أحد.حتى مالك.. لم يعد يجيب – لا ادري أين ذهب..وحدها النار – أحاول أن أتوقف عن الصراخ.أفكر في أن اصلي، أتسائل إذا كانت ستنفعني – صلاة النار، هذه –اعني انه مجرد كابوس وان عملي لم ينقطع بعد..أحاول أن اصلي، قبل أن انهي سجودي يتفتق وعي عن ذكرى مرعبة.لقد حزرته!. ذلك الوجه الذي طاردني وطاردته والذي لم اكن أميزه رغم أني كنت أكاد اقسم إني اعرفه.لقد كان على طرف لساني طيلة الوقت. ولم اكن اعرفه.لكني الآن عرفته: ذلك الوجه. تلك الملامح. وهذه العلامة الفارقة: الذقن الذي اعشق. ذقن ابني الذي ورثها مني والتي ورثتها أنا عن أمي..برعب اعي: انه وجه ابني – ابن الخمس سنوات – ولم اعرفه لأني رأيت وجهه وهو شاب، كيف لم افطن إلى ذلك..من عمق الكابوس أصحو. وبعمق جهنم اقرر: عندما ينتهي هذا الأمر، سأكرس حياتي من اجل أن امنع ذلك.
* * *
صوت ما، حنون وعميق، يتسلل.ومع تسلله تنطفئ النيران. وبالتدريج تخبو، بهدوء تكاد تنطفئ.انه صوت الأذان، يتسلل من كل مكان وتحسه يكاد ينبع من قلبك.تختفي النيران.افتح عيناي: لا نار. لا في الوسادة، ولا على الستائر. ولا في رأسي..فقط صوت الأذان ..وللمرة الأولى انتبه كم هو حنون وهادئ صوت هذا المؤذن. لا ادري لماذا لم انتبه لذلك من قبل. انه يكاد يخرج من الأعماق كما لو كان صوت بلال نفسه أو كما لو كان نابعا من أعماق قلبك – لو لم اكن اعرفه شخصيا وعالجت له أسنانه لقلت شيئا كهذا.يكمل المؤذن. الصلاة خير من النوم (خصوصا مع نوم كهذا..).أقوم. لأتوضأ. في الطريق أتأمل وجوه أولادي التي اعشق. واستذكر الكابوس كله. واستذكر كل تلك الوجوه التي يمكن أن أكرس حياتي لأمنع عنها هذا الكابوس. (عندما يصير الحق حقا).. وعن نفسي…اذهب لأصلي، بخوف وبحزن – لكن بأمل، دونما يأس، بطريقة غير تقليدية، أقول: إن شاء الله.
من كتاب “كن نبأي العظيم” للدكتور أحمد خيري العمري
ضمن سلسلة غريب في المجرة
السلسلة قصصية تتميز بأسلوب أدبي راقي ضمن إطار إسلامي عصري
ضحكتُ فقالوا : ألا تحتشم----بكيتُ فقالوا: ألا تبتســـم
بسـمتُ فقالوا : يرائي بـها----عبستُ فقالوا: بدا ما كتم
صمتُ فقالوا: كليل اللسـان----نطقتُ فقالوا : كثير الكلم
فأيــقنتُ أنـي مهـمــــا أُرد----رضى الناس لابدَ أن أُذم
الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)
مواقع النشر (المفضلة)