









إن كل تفكير يعتمد على التعرف , وعلى الذاكرة, ولكي يتم التعرف لا بدأولاً من التأثر بالمراد التعرف عليه, ثم لا بد من الاحتفاظ بهذه المعرفة ( الذاكرة ) . و يجب تصنيف هذه التأثرات وذلك بالاعتماد على تمييز تأثيرات كل منها عن الآخر, وهذا يتم بمقارنتها مع بعضها لتمييز الفروقات بينها . فالتعرف يتضمن التمييز, والتمييز لا بد من للمقارنة, لذا فالتعرف ليس عملية بسيطة وهو الأساس الذي يبنىعليه كل تفكير , والتعرف بالنسبة للعقل البشري يتم ببناء ألهويات أو المفاهيم التيترمز الأشياء التي تم التعرف عليها .
إن ما يفعله كل مفكر في تعامله مع الوجود , هو تعيين الثوابت الأساسية في هذا الوجود , لكي ينطلق منها ويبني عليها أفكاره . فالوجود لا يمكن التعامل معه إلا بعد فهمه ومعرفته , وهذا لا يتم إلا بعد تثبيتهوتحديده وتعيينه , و عمل العقل الأساسي هو التعرف على هذا الوجود وفهمه . فأهموظيفة للعقل البشري هي كشف البنيات المضمرة في الوجود , وذلك ببناء نماذج فكريةتمثلها . فكما يقول كانت" أن المعرفة وليدة فعل الذهن في الأشياء والعقل لا يدركإلا ما ينتجه على صورته ومثاله" .
لقد قام العقل من أجل التعامل المجدي معالواقع وفهمه , باعتماد ما يلي :
تمثيل أشياء وعناصر الوجود وصيرورتها , بنوعينمن ألهويات أو المفاهيم الثابتة المحددة , المعينة , يستطيع التعامل بها .
ا - مفاهيم تدل على الأشياء وتحدد هويتها وخصائصها
ب - مفاهيم تدل على حركة أوتغيرات أو صيرورة الأشياء , أي المفاهيم التحريكية
- وتثبيت المفهوم هو منعه منالتغير والحركة والصيرورة , وهذا هو أساس مبدأ الهوية الذي هو : ( أ ) تبقي هي ( أ ) .
- وتحديد المفهوم ( أو البنية الفكرية ) هو فصله عن غيره من المفاهيموتحديده .
- وتعيين المفهوم هو تعيين صفاته وتأثيراته , فعدم تعيين خصائصه وتأثيراته هو عدم تعيينه , مثال على ذلك : الإلكترون تعيّن صفاته و تأثيره بالنسبةللبروتون أو بالنسبة لمجال كهربائي أو مغناطيسي أو بالنسبة للجاذبية . فلابد منتعيين صفات وتأثيرات الشيء إذا أردنا تعيينه . وصفات وتأثيرات أي شيء لا يمكن أنتعين بشكل مطلق , فصفات وتأثيرات أي شيء تابع للبنية أو البنيات التي يؤثر فيها .
وقام العقل بتحريك المفاهيم أو ألهويات الممثلة للأشياء , بواسطة المفاهيمالتحريكية التي يشكلها العقل , والتي تمثل تغيرات و صيرورة هذه الأشياء . فبذلكيستطيع تمثيل أحداث الوجود فكرياً , وبناء التنبؤات أو التوقعات لما سوف يحدث , أولما حدث . فهو بذلك يحول اختلافات وصيرورة الأشياء , إلى اختلافات محددة معينة بينوحدات أو هويات معرّفة لديه , عندما يشكل البنيات الفكرية الممثلة للوجود وحوادثه . فالعقل يقوم بالتحريك الفكري ( أي المعالجات الفكرية أو التفكير ) لهذه البنياتالفكرية التي شكلها , وذلك خطوة , خطوة . أي يقوم بالتحريك الفكري للهويات الشيئيةأو الإسمية , بواسطة ألهويات التحريكية .
وبذلك استطاع الدماغ أو العقل تشكيلنموذج مختصر وبسيط للوجود وصيرورته , بواسطة تلك البنيات الفكرية التي شكلها , تمكنه من تحريك أو مفاعلة النموذج الذي شكله للوجود , إلى الأمام إلى المستقبل وهذاهو التركيب , أو إلى الخلف إلى الماضي وهو التحليل . وذلك بسرعة أكبر من سرعةتغيرات الواقع الفعلية . لقد استطاع العقل التعامل مع صيرورة وعدم تعيين الوجودبتلك الطريقة , صحيح أنه لن يستطيع بلوغ المطلق, ولكنه سوف يصل إلى نسبة عالية جداًمن دقة التنبؤ تكفي متطلباته وأوضاعه .
وعندما أوجد عقل الإنسان الأفكار أوالبنيات الفكرية , التي استطاعت أن تمثل البنيات الواقعية وتمثل تفاعلاتها مع بعضها , تكون زمن فكري يمثّّل الحوادث و صيرورة الوقائع . فهو يستطيع أن يعرف أي يتنبأبالأحداث , أو نتائج تفاعلات بين بنيات , حدثت في الماضي أو سوف تحدث في المستقبل . وكذلك يستطيع أن يتنبأ بحوادث أو تفاعلات لم يتأثر إلا بجزء قليل منها , فهو يكملما ينقصه ويضع سيناريو للكثير من تلك الحوادث .
فالفكر يستطيع السير بتفاعلاتهالفكرية بسرعة أكبر من السرعة التي تجري فيها في الواقع , أي إلى المستقبل . وكذلكيستطيع السير إلى الماضي عن طريق عكسه التفاعلات أو التحليل , ووضعه لسيناريو لمايمكن أن يكون حدث أو ما سوف يحدث , وتزداد دقة تنبؤاته باستمرار لتقترب من الواقعالفعلي .
إن كشف بنيات الوجود المتنوعة و اللا متناهية – بتمثيلها ببنيات فكرية- هو ما قام به العقل البشري, فهو يقوم بكشفها وتحديدها وتعيين خصائصها وبدقة متزايدة . والبنيات الفكرية العلمية العالية الدقة التي يكشفها - أو يشكلها- العقل البشريبمساعدة التكنولوجيا والذكاء الصناعي - الكومبيوتر وما شابهه- تتزايد بسرعة هائلةسواء كان بكميتها أو بدرجة دقتها أو سعتها وشمولها .
ولا يمكن كشف كامل بنياتالوجود مهما فعلنا لأنها لا متناهية , وهي في صيرورة دائمة , وتتخلق باستمرار بنياتجديدة وتختفي بنيات , فبنية الوجود الكلية لا يمكن تحديدها وتعيين خصائصها بصورةتامة , أي أن عدم التعيين والصيرورة لهذا الوجود , موجودة مهما فعلنا.
لكن نحنلا يهمنا ولا نريد إلا ما نحن بحاجة إليه, صحيح أن ما يمكن أن نحتاجه يمكن أن يكونشبه لا متناه وغير محدد , ويظهر جديد باستمرار فكلما ظهرت حاجة أو دافع جديد نسعىإلى تحقيقه .
إن قدرات العقل البشري هائلة , وعندما يتعامل مع الواقع اللا معينو اللا متناه تكون الخيارات المتاحة لتفسيره هي أيضاً لا متناهية, فهو يستطيع تشكيلأغلب ما يريد من البنيات الفكرية ويعطي المعاني التي يريد لهذه البنيات.
وأول منعرف ذلك هم السفسطائيون , وقد اقتربوا بذلك من فهم الوجود بشكل كبير لأنهم عرفواأهم خصائص الوجود, وخصائص العقل , فاللعب بالأفكار المتاحة واسع جداً , وخاصةًبالنسبة للعقل الذي تعلم الكثير من الأفكار, فقد أدركوا الخيارات الهائلة المتاحةأثناء التفكير, وهذا جعل كل شيء متاح في التفكير, فكل فكرة مهما كانت يمكن الردعليها إما بتفنيدها ونقدها أو بتأييدها ودعمها
الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)
مواقع النشر (المفضلة)