






فجأة, الإنسان يكون راسمًا خِططًا لعشرين سنة، نقطة دم في الدماغ تجمدت، خثرة بالدماغ شُلَّ، دخل بخط آخر، تمييع الدم، يلزمه معالجة فيزيائية، وتمرينات شاقة، ساعتان كل يوم، والحركة ضعيفة جداً، وكلها خثرة دم, لا تزيد على رأس الدبوس, تجمدت في شرايين الدماغ, قال تعالى:
﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾
[سورة البروج الآية: 12]
في هذه الآية: -ألا بذكر الله تطمئن القلوب-, ما المراد بأداة الحصر فيها؟
قال تعالى:
﴿فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾
[سورة النحل الآية: 51]
لو قسنا على هذه الآية, آية أخرى:
﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾
[سورة الرعد الآية: 28]
لو أن الله قال: تطمئن القلوب بذكر الله، وقد تطمئن بغير ذكر الله، أما عندما قال ربنا عز وجل:
﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾
[سورة الرعد الآية: 28]
أي أن القلوب لا تطمئن إلا بذكر الله حصراً، معاني القصر والحصر في القرآن مهمة جداً, هذا كلام خالق الكون .
مرة استفدت من قضية: إنسان أقام تعهد في وزارة من وزارات الدولة, فلما استلموا المشروع منه, خصم المهندسون الذين تسلموا المشروع خمسمئة ألف ليرة، لوجود نقص ومواد, كانت من الدرجة الثانية، فأقام دعوى، من هو الحكم؟ بدفتر السلوك على المتعهد, أن يستخدم المواد من أفضلِها, فاحتكموا لمجمع اللغة العربية، ما معنى كلمة من أفضلِها؟ ليس معنى من أفضلِها أفضَلها، مادة جيدة، لكن لا تعني هذه العبارة, أنها أفضل ما في السوق، فلما جاءت فتوى مجمع اللغة العربية أن (من) لا تعني الأفضلية المطلقة، تعني الأفضلية النسبية، ما معنى كلمة من؟ إذا كان كلام البشر دفتر شروط, عادوا إلى معنى كلمة (من), وإلى الأفضلية النسبية والمطلقة، والمحكمة حكمت للمتعهد, أن يسترد المبلغ المخصوم عليه، فكيف بالقرآن الكريم، وهو كلام خالق الأكوان؟ يجب أن تقف عند كل حرف من حروفه .
الله عز وجل قال:
﴿فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾
[سورة النحل الآية: 51]
لا تخف إلا من الله، لأنه لا إله إلا الله، وما من إله إلا الله .
من مشاهد هذه الآية :
الآية الثانية, قال تعالى:
﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾
[سورة البروج الآية: 12]
وما تسمعونه من أخبار, تفسير لهذه الآية، خمسمئة ألف طفل, يموتون كل عام من الجوع في بلد, وأطفال كثر ماتوا، وأيديهم في أيدي آبائهم من شدة البرد، ودفنوا في الطريق, سماع الخبر شيء، ومعاينته شيء آخر.
العوام لهم كلمة: إذا عدّ الرجل العصي غير إذا كان يأكلها, فنحن نعد العصي، ونرى القصف، أما الذين يتحملون, هذا شيء لا يحتمل, قال تعالى:
﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا﴾
[سورة البقرة الآية:286]
كلمة من ورائها غاية :
أنا أقول كلمة: عندما تعرف الله عز وجل وتطيعه, قطعت أربعة أخماس المسافة، تعبير آخر أوضح: عندما تفهم على الله، هذه مقابلها هذه، وأنت كأب، وممكن أن تؤدب ابنك تأديبًا شديدًا، وتبقى ساكتاً, لا تبين له السبب، هذا اسمه تشفٍّ، التربية شيء، والتشفي شيء آخر، إذا ضرب إنسان ابنه ضربًا مبرّحًا، ولم يتكلم ولا كلمة, هذا يعني أنه تشفٍّ، وليس أبًا, ضربته لهذا السبب، الأب العادي لا يؤدب إلا ويبين السبب، فكيف بخالق الأكوان يسوق للإنسان المصيبة، ويعطي فروعه السبب؟ هذه من أجل كذا .
قال لي رجل: شخص يلوذ بي, يريد أن يعمر ملحقاً صغيراً لابنه، كلما عمره يهدم، فجاء ووسّطه، ويبدو أن هناك معرفة مع المكلف بالمراقبة، قال: يسرها، قال: مساء طُرِق الباب, وضع مبلغ من المال جيد, قال: عندما علمت, أرغيت، وأزبدت، وغضبت، وتكلمت بحقه كلاما قاسياً، أنا خدمته لله، أنا لا آخذ شيئاً .
قال: في اليوم الثاني خفّ غضبي قليلاً، طبعاً في اليوم الأول نوى أن يرده له، في اليوم الثاني خف غضبه، في اليوم الثالث لم يعد هناك مشكلة، في اليوم الرابع قبل به، في اليوم الخامس صرفه .
قال: دخل لص إلى البيت, أخذ أربعة أضعاف المبلغ, فقالت له زوجته: أشكو هذا للشرطة، فقال: أنا أعرف ما الذي فعلته؟ لماذا تصل لمستوى تفهم فيه على الله؟ هذه مقابل هذه .
وصدقوني أيها الأخوة, الله عز وجل يلقي في الروع دائماً، قال: أعطني أربع قطع، قال: أنا لا أبيع مفرق باعتزاز، صاحب معمل، يبيع ثلاثمائة دزينة، ما هذا! أربع قطع؟ ليس عندي مفرق، فخرج هذا مكسور الخاطر .
قال: والله ثلاثة وثلاثون يوم, لم يدخل المحل زبون واحد .
لنا أخ, يبيع بكميات ضخمة جداً بعض الحاجات، أرقام فلكية، قالت له امرأة: أريد قطعة واحدة، فغضب أيضاً، وأرغى، وأزبد أيضاً، توقف البيع عنده شهراً كاملاً, قال: الآن تحل الدزينة، وتبيعها قطعة واحدة، أدباً مع الله، الله يؤدب الإنسان على مخالفات، وعلى تقصير، وعلى اعتزاز، وعلى شرك خفي، ويعلق الأمل بغير الله، فيلهم الله عز وجل هذا الشخص بالتخلي عنك، هكذا فعل الله عز وجل، البطولة فقط أن تفهم عليه، هذه من أجل هذه, وهذه من أجل هذه، يجب أن تعلم علم اليقين: أنه لا يقع شيء إلا بعدل مطلق، وبحكمة مطلقة ، ورحمة مطلقة، ولكن عقلنا قاصر عن إدراك هذا المطلق, يجب أن تسلم .
سجل هذه الآيات في دفترك اليومي :
قال تعالى:
﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾
[سورة هود الآية: 102]
هذا كلام الله عز وجل, قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآَخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾
[سورة هود الآية: 103]
لا ملجأ منه إلا إليه، قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾
[سورة عبس الآية: 34-37]
قد تقع عين الابن على أمه، أو عين الأم على ابنها يوم القيامة فتعرفه، تقول له: يا بني! لقد جعلت لك صدري سقاءً، وبطني وعاءً، وحجري وطاءً، فهل من حسنة يعود علي خيرها اليوم؟ يقول: ليتني أستطيع ذلك يا أمي, إنما أشكو مما أنت منه تشكين، فبكى النبي عليه الصلاة والسلام .
أحياناً: يساق إنسان إلى السجن, يأتيه مئة هاتف، أما بالآخرة فلا يوجد هاتف, قال
تعالى:
﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ﴾
[سورة الأنعام الآية: 94]
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾
[سورة الحج الآية: 1-2]
أخواننا الكرام, حقيقة مهمة جداً: كل صفات النساء لا تؤنث، تبقى مذكرة, تقول: امرأة طالق، وامرأة بكر، وامرأة ثيّب، وامرأة عانس, كل صفات النساء, تبقى مذكرة لا تؤنث ، أما كل صفة تشترك فيها المرأة مع الرجل, تُذكر وتؤنث، مدرسة ومدرس، عاملة وعامل، حاملة وحامل، ما معنى حاملة على ظهرها؟ في بطنها؟ تنفرد بها؟ نقول: امرأة حامل، أي في بطنها، حاملة على ظهرها، امرأة مرضعة، وامرأة مرضع، إذا قلنا: مرضع، ابنها يلتقم ثديها، أما إذا قلنا: امرأة مرضعة، ابنها على يديها، لأن الأب يستطيع أن يضع الابن على يديه, قال تعالى:
﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا﴾
[سورة الحج الآية: 2]
ابنها على يديها تلقيه، ولا تهتم له, من شدة الخوف, قال تعالى:
﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾
[سورة الحج الآية: 2]
محور هذا الدرس: يجب أن نخاف كي نطمئن، فإذا اطمأننا اطمئناناً ساذجاً نخاف، لأن حال المؤمن يجب أن يكون بين الخوف والرجاء، وكل إنسان لم يدخل في حسابه خوفه من الله, إنسان غبي, وأحمق, وشقي, قال تعالى:
﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ * قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ﴾
[سورة الطور الآية: 25-26]
كنا خائفين، فاستحققنا الطمأنينة هذا اليوم، لو كنا غير خائفين, لخفنا هذا اليوم .
ما وراء هذه الأحاديث :
ورد في بعض الأحاديث القدسية: عن الحسن, عن النبي صلى الله عليه وسلم رفعه, قال:
((لا أجمع على عبدي خوفين وأمنين، وإن أخفته في الدنيا, أمنته في الآخرة، وإن أمنته في الدنيا, أخفته في الآخرة))
[أخرجه البزار في مسنده]
عَنْ أَبِي بَرْزَةَ الأَسْلَمِيِّ, أن رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:
((لا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ, حَتَّى يُسْأَلَ عن أربع: عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ؟ وَعَنْ عِلْمِهِ ما عمل به؟ وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ؟ وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلاهُ؟))
[أخرجه الترمذي في سننه]
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ:
((قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾
ثم قَالَ: أَتَدْرُونَ مَا أَخْبَارُهَا؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: فَإِنَّ أَخْبَارَهَا, أَنْ تَشْهَدَ عَلَى كُلِّ عَبْدٍ أو أَمَةٍ بِمَا عَمِلَ عَلَى ظَهْرِهَا، تَقُولَ: عملت كذا وَكَذَا، في يوم كَذَا وكذا، فَهَذِهِ أَخْبَارُهَا))
[أخرجه الترمذي عن أبي هريرة]
﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾
[سورة الزلزلة الآية: 4]
يومئذ تنقل الأرض كل ما فعله العباد على ظهرها .
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ يقول: ((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ خَافَ أَدْلَجَ، وَمَنْ أَدْلَجَ بَلَغَ الْمَنْزِلَ، أَلا إِنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ غَالِيَةٌ، أَلا إِنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ الْجَنَّةُ))
[أخرجه الحاكم في مستدركه عن أبي هريرة]
معنى أدلج: سار في أول الليل، وَمَنْ أَدْلَجَ بَلَغَ الْمَنْزِلَ، من خاف أن يبيت في العراء، يسرع في السير في أول الليل، كي يصل إلى بيته في وقت مناسب .
((مَنْ خَافَ أَدْلَجَ، وَمَنْ أَدْلَجَ بَلَغَ الْمَنْزِلَ، أَلا إِنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ غَالِيَةٌ، أَلا إِنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ الْجَنَّةُ))
عَن عَائِشَةَ رَضِي اللَّه عَنْهَا قَالَتْ: ((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: تُحْشَرُونَ حُفَاةً, عُرَاةً, غُرْلا، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ؟ فَقَالَ: الأَمْرُ أَشَدُّ مِنْ أَنْ يُهِمَّهُمْ ذَاك))
الآن: إذا ساقوا رجل إلى الإعدام، ووجد فتاة ترتدي ثيابا فاضحة يتأثر, ذاهب للإعدام، بالأصل لا يرى شيئا، الأمر أفظع من أن يعنيهم ذلك، هذا يوم الخوف، لذلك: العاقل، والذكي، والبطل، والفالح، والناجح، والقوي، والموفق, هو الذي يعد لهذا اليوم عدته، وهو الذي إذا بكى كل من حوله, ضحك وحده عند الموت .
هناك أناس صالحون, يتوفاهم الله عز وجل، كيف كان مستوى الجنازة ومستوى التعزية؟ وكيف كان الأمر بعده؟ هو دخل الجنة, قال تعالى: ﴿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ﴾
[سورة يس الآية: 26]
وهناك إنسان مهما احتفلنا، ومهما كانت الجنازة محترمة، وذبح الذبائح، وأُطعم الفقراء, إذا لم يكن وضعه مع الله جيد, هذا لا ينفعه إطلاقاً .
أروي قصة: رئيس المنافقين, كان يجلس إلى جنب النبي، كتفه بكتفه، وهو على فراش الموت, طلب قميص النبي, ألبسه النبي القميص بيديه, فلما مات، قال:
((الآن استقر في جهنم حجر, كان يهوي به سبعين خريفاً))
لكن قيل: إنه يوجد صحابي آخر, طلب قميص النبي ولبسه، فقيل له: ((لماذا؟ قال: إذا جاءني الملك, وقال لي: من ربك؟ أقول: الله ربي، وما دينك؟ الإسلام ديني، ومن نبيك؟ قال: هذا قميصه))
((تُحْشَرُونَ حُفَاةً, عُرَاةً, غُرْلا، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ؟ فَقَالَ: الأَمْرُ أَشَدُّ مِنْ أَنْ يُهِمَّهُمْ ذَاكِ))
آخر حديث: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: ((بَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, عَنْ أَصْحَابِهِ شَيْءٌ, فَخَطَبَ فَقَالَ: عُرِضَتْ عَلَيَّ الْجَنَّةُ والنار، فَلَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ، وَلَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ، لَضَحِكْتُمْ قَلِيلا، وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا))
[أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح عن أنس بن مالك]
خلاصة القول :أيها الأخوة, الآن الملخص: يجب أن تخاف إلى درجة, ألا تيئس من رحمة الله، ويجب أن ترجو رحمة الله إلى درجة, ألا تنسى بعض الطاعات، أحياناً الرجاء ينقلك إلى البحبوحة، وإلى التساهل في الطاعة، وأحياناً أخرى الخوف الشديد ينقلك إلى اليأس، فالتوازن ضروري جداً بين الرجاء والخوف، يريد رجاء لا ينقل إلى التساهل، ويريد خوفاً لا ينقل إلى اليأس، يجب أن تعبد الله خوفاً وطمعاً، رجاءً وخشية، رغباً ورهباً .
وأنت كأب, ممكن أن تكون سهل، والقضية سهلة، ممكن أن تكون عنيف جداً, والقضية سهلة، ولكن بطولتك كأب أو مرب, ألا يعرف من حولك قوي, وشديد, ورحيم, وليّن, في آن واحد، ألا تيئّسهم من رحمتك، وألا تطمعهم في فضلك، بين الطمع واليأس .
هذا باب الخوف إن شاء الله, إن أحيانا الله في الدرس القادم في باب الرجاء، إذا جمعنا الدرسين معاً نتوازن, اليوم خوف، إن شاء الله في درس قادم نتحدث عن الرجاء، يجب أن نرجو رحمة الله، وأن نخاف عقابه .
نهاية المطاف :
ورد في بعض الأحاديث القدسية, عن ابن عباس, أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
((إن داود عليه السلام قال فيما يخاطب ربه عز وجل: يا رب، أي عبادك أحب إليك أحبه بحبك؟ قال: يا داود, أحب عبادي إلي, نقي القلب، نقي الكفين، لا يأتي إلى أحد سوءا، ولا يمشي بالنميمة، تزول الجبال ولا يزول، أحبني وأحب من يحبني، وحببني إلى عبادي، قال: يا رب, إنك لتعلم إني أحبك وأحب من يحبك، فكيف أحببك إلى عبادك؟ قال: ذكرهم بآلائي, وبلائي, ونعمائي))
العلماء قالوا: ((ذكرهم بآلائي كي يعظموني، وذكرهم بنعمائي كي يحبوني، وذكرهم ببلائي كي يخافوني))
إذا دخل أحد إلى مستشفى, يجد شيئا مخيفا، أمراضا وبيلة، هذا مشلول، هذا معه أزمة قلبية, هذا معه تشمع كبد، هذا معه فشل كلوي، ولو دخل الإسعاف, لوجد شيئاً أصعب، حوادث سير، ودهساً، وتكسير جمجمة، وقطع عمود فقري، وبتر يد، وبتر رجل، هذا بلاء الله عز وجل، أي إنسان فقد حريته عشرين سنة فرضاً بساعة غضب، أو أسرة مشردة، أو فقر مدقع، وأحياناً تجد إنسانا في بحبوحة، وفي مكانة علية، وصحة طيبة، وأولاده أبرار، وزوجته صالحة، ومنزله واسع، ومركبه وطيء، ورزقه في بلده، وله عمل صالح كبير، رجل يطمعك برحمة الله، والآخر يخوفك، أنت بحاجة للخوف والطمع في آن واحد .
في الجسم هرمون التجلط، وهرمون التمييع، لو أطبقنا هرمون التمييع وحده, أصبح الدم سائل, لدرجة ينزف دمه كله من نقرة دبوس, ولو سمحنا لهرمون التجلط وحده, أصبح الدم وحل بالأوعية، يموت الإنسان فوراً, الإنسان يموت فوراً من تميع الدم, وتجلط الدم، أما هذان الهرمونان يفرزان مفرزاتهما بحكمة بالغة في توازن، ليس هو مانعاً لدرجة النزف، وليس هو لزجاً لدرجة التجمد، والحياة تحتاج إلى توازن، والإسلام متوازن ووسطي ومعتدل، والإنسان الناجح معتدل, لا يوجد عنده تطرف, ولا إفراط, ولا تفريط، ولا مبالغة, ولا تقصير ، ولا إجحاف, ولا تثيب، هذا الموقف المعتدل هو الكامل، والفضيلة وسط بين طرفين.والحمد لله رب العالمين
الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)
مواقع النشر (المفضلة)