








والد أسامة مقاتلاً
وكان الوالد رحمه الله كثير المباشرة للحرب وفي بدنه جراح هائلة ومات على فراشه، وحضر يوما القتال وهو لابس وعليه خوذه إسلامية بآنف فزرقه رجل بحربه - وكان معظم قتاله مع العرب في ذلك الزمان فوقعت الحربة في أنف الخوذة فأنطوى وادمى انفه ولم يؤذيه. ولو كان قدر سبحانه ان يميل المزراق عن أنف الخوذه أهلكه، وضرب مرة أخرى بنشابة في ساقه وفي خفه دشني فوقع السهم في الدشن فانكسر فيه ولم يجرحه، هذا الحسن دفاع الله الله تعالى.
وشهد رحمه الله يوم الأحد تاسع وعشرين شوال سنة سبع وتسعين وأربعمائة مع سيف الدولة خلف بن ملاعب الأشهبي صاحب أفامية بأرض كفر طاب فلبس جوشنه، وعجل الغلام عن طرح كلاب الجوشن من الجانب فجائه خشت فضربه في ذلك الموضع الذي أخل الغلام بسترة فوق بزه الأيسر خرج الخشت من فوق بزه الأيمن، فكانت أسباب السلامة لما جرت بها المشيئة من العجب، والجرح لما قدره الله سبحانه من العجب. فطعن رحمه الله في ذلك اليوم فارساً أحرف حصانه وثنى يده برمحه وجذبه من المطعون. فحدثني قال حسست شيئاً قد لذع زندي، فظننته من حرارة صفائح الجوشن، إلا أن رمحي سقط من يدي، فردتها فإذا قد طعنت في يدي وقد استرخت لقطع شيء من الأعصاب، فحضرته يرحمه الله وزيد الجرائحي يداوي جرحه وعلى رأسه غلام واقف، فقاليا زيد اخرج هذه الحصاة من الجرح، فما كلمه الجرائحي فعاد فقال يا زيد ما تبصر هذه الحصاة؟ ما تزيلها من الجراح! فلما أضجره قالأين الحصاة؟ هذا رأس عصب قد انقطع. وكان بالحقيقة ابيض كأنه حصاة من حصا الفرات. وأصابه ذلك اليوم طعنه أخرى وسلم الله حتى مات على فراشه رحمه الله يوم الاثنين ثامن شهر رمضان سنه إحدى وثلاثين وخمس مائة.
والد أسامة ناسخاً
وكان يكتب خطاً مليحاً، فما غيرت تلك الطعنة من خطه، وكان لا ينسخ سوى القرآن، فسألته يوماً فقلتيا مولاي كم كتبت ختمه؟ قالالساعة تعلمون. فلما حضرته الوفاة قال في ذلك الصندوق مساطر كتبت على كل مسطرة ختمة ضعوها يعني المساطر تحت خدي في القبر فعددناها فكانت ثلاثاً وأربعين مسطرة. فكانت كتب بعدتها ختماتختمه كبيره ختمها بالذهب وكتب فيها علوم القرآن قراأته وغريبة وعربيته وناسخه ومنسوخة وتفسيره وسبب نزوله وفقهه بالحبر والحمرة والزرقة، وترجمه بالتفسير الكبير وكتب ختمه أخرى بالذهب مجردة من التفسير، وباقي الخاتمات بالحبر مذهبة الأعشار والأخماس والآيات ورؤوس السور ورؤوس الأجزاء. وما يقتضي الكتاب ذكر هذا وإنما ذكرته لا يستدعي له ممن وقف عليه.
غلام يفدي مولاه
أعود إلى ما تقدم. وفي ذلك اليوم أصاب غلام كان لعمي عز الدولة أبي المرهف نصر رحمه الله يقال له موفق الدولة شمعون طعنه عظيمة التقاها دون عمي عز الدين أبي العساكر سلطان رحمه الله. واتفق ان عمي أرسله رسولاً إلى الملك رضوان بن تاج الدولة تتش إلى حلب، فلما حضر بين يديه قال لغلمانهمثل هذا يكون الغلمان وأولاد الحلال في حق مواليهم. وقال لشمعون حدثهم حديثك أيام والدي وما فعلته مع مولاك. فقاليا مولانا بالأمس حضرت القتال مع مولاي فحمل عليه فارس يطعنه، فدخلت بينه وبين مولاي لأفديه بنفسي فطعنني، قطع من أضلاعي ضلعين وهما - ونعمتك - عندي قمطره. فقال له الملك رضوانوالله ما أعطيك الجواب حتى تنفذ تحضر القمطرة والأضلاع. فأقام عنده وأرسل من أحضر القمطرة وفيها عظمان من أضلاعه. فعجب رضوان من ذلك وقال لأصحابهكذا اعملوا في خدمتي. فأما الأمر الذي سأله عنه أيام والده تاج الدولة فإن جدي سديد الملك أبا الحسن علي بن مقلد بن نصر بن منقذ رحمه الله سير ولده عز الدولة نصراً رحمه الله إلى خدمته تاج الدولة وهو معسكر بظاهر حلب فقبض عليه واعتقله ووكل به من يحفظه، وكان لا يدخل إليه سوى مملوكه هذا شمعون والموكلون حول الخيمة فكتب عمي إلى أبيه رحمهما الله يقول تنفذ لي في الليلة الفلانيه وعينها قوم من أصحابه ذكرهم وخيل أركبها إلى الموضع الفلاني. فلما كانت تلك الليلة دخل شمعون خلع ثيابه فلبسها مولاه وخرج على الموكلين في الليل، فما أنكره، ومضى إلى أصحابه وركب وسار، ونام شمعون في فراشه. وجرت العادة أن يجيئه شمعون في السحر بوضوئه فكان رحمه الله من الزهاد القائمين ليلهم يتلون كتاب الله تعالى، فلا أصبحوا لم يروا شمعون دخل كعادته دخلوا الخيمة فوجدوا شمعون وعز الدولة قد راح، فانهوا ذلك إلى تاج الدولة فأمر بإحضاره، فلما حضر بين يديه قال كيف عملت؟ قالأعطيت مولاي ثيابي لبسها وراح ونمت أنا في فراشه قالوما خشيت أن أضرب رقبتك؟ قال يا مولاي إذا ضربت رقبتي وسلم مولاي وعاد إلى بيته فأنا السعيد بذلك، ما اشتراني ورباني إلا لأفديه بنفسي. فقال تاج الدولة رحمه الله لحاجبه سلم إلى هذا الغلام خيل مولاة ودابته وخيامه وجميع ركبه وسير يتبع صاحبه وما أنكر عليه وما احنقه ما فعل في خدمت مولاه، فهذا الذي قال له رضوان حدث أصحابي ما عملته أيام والدي مع مولاك. أعود إلى حديث الحرب المقدم ذكرها مع ابن ملاعب.
عم أسامه يطعن في جفن عينه
و جرح عمي عز الدولة رحمه الله في ذلك اليوم عده جراح منها طعنه طعنها في جفن عينيه السفلاني من ناحية المأق، ونشب الرمح في المأزق عند مؤخر العين فسقط الجفن جميعه وبقي معلقا بجلده من مؤخر العين، والعين تلعب لا تستقر، وأنما الجفون التي تمسك العين، فخاطبها الجرائحي وداواها فعادت كحالها الأوله لا تعرف العين المطعونة من الأخرى.
شجاعة عم أسامه ووالده
وكانا رحمهما الله من أشجع قومهما، ولقد شهدتهما يوما وقد خرجا إلى الصيد بالبزاة نحو تل ملح وهناك طير ماء كثير، فما شعرنا إلا وعسكر طرابلس قد أغار على البلد ووقفوا عليه، فرجعنا وكان الوالد من أثر المرض، فأما عمي فخف بمن معه من العسكر وسار حتى عبر المخاض إلى الإفرنج وهم يرونه، وأما الوالد فسار والحصان يخب به وأنا معه صبي وفي يده سفرجله يمتص منها، فلما دنونا من الإفرنج قال لي أمض أنت أدخل من السكر وعبر هو من ناحية الإفرنج. ومره أخرى شاهدته وقد أغارت علينا خيل محمود بن قراجا، ونحن على فسحه من البلد، وخيل محمود أقرب إليه منها، وأنا قد حضرت القتال ومارست الحرب، فلبست كزاغندي وركبت حصاني وأخذت رمحي، وهو رحمه الله على بغله. فقلت يا مولاي ما تركب حصانك! قال بلى وسار كما هو غير منزعج ولا مستعجل، وأنا لخوفي عليه ألح عليه في ركوبه حصانه إلى أن وصلنا إلى البلدة وهو على بغلته، فلما عاد أولئك وأمنا قلت يا مولاي ترى العدو قد حال بيننا وبين البلد وأنت لا تركب بعض جنائبك وأنا أخاطبك فلا تسمع! قال يا ولدي، في طالعي أنني لا ارتاع. وكان رحمه الله له اليد الطولى في النجوم مع ورعه ودينه وصومه الدهر وتلاوة القرآن، وكان يحرضني على معرفة علم النجوم فآبى وأمتنع، فيقول فاعرف أسماء النجوم ما يطلع منها ويغرب. وكان يريني النجوم ويعرفني أسماءها.
مكيدة أفرنجيه على شيرز
ورأيت من أقدام الرجال ونخواتهم في الحرب أنا أصبحنا وقت صلاه الصبح رأينا سربه من الإفرنج نحوا من عشرة فوارس جاءوا إلى باب المدينة قبل أن يفتح فقالوا للبواب أي شيء اسم هذا البلد؟ والباب خشب بينهما عوارض وهو داخل الباب. قال شيزر فرموه بنشاب من خلل الباب ورجعوا وخيلهم تخب بهم. فركبنا فكان عمي رحمه الله أول راكب وأنا معه والإفرنج رائحون غير منزعجين يلحقنا من الجند نفر، فقلت لعمي على أمرك آخذ أصحابنا واتبعهم اقلعهم وهم غير بعيدين. قال لا وكان أخبر مني بالحرب في الشام إفرنجي لا يعرف شيزر؟ هذه مكيدة. ودعا فارسين من الجند على فرسين سوابق وقال أمضيا اكشفا تل ملح وكان مكمنا للإفرنج. فلما شارفاه خرج عليها عسكر انطاكيه جمعيه فأستقبنا متسرعيهم نريد الفرصه فيهم قبل ركود الحرب ومعنا جمعه النميري وابنه محمود وجمعه فارسنا وشيخنا، فوقع ابنه محمود في وسطهم فصاح جمعه يا فرسان الخيل! ولدي! فرجعنا معه في سته عشر فارسا طعنا سته عشر فارسا من الفرنج وأخذنا صاحبنا من بينهم اختلطنا نحن وهم حتى أخذ واحد رأس ابن جمعه تحت إبطه فخلص ببعض تلك الطعنات.
أسامة وجمعة يهزمان ثمانية فرسان
ومع هذا فلا يثق إنسان بشجاعته ولا يعجب بأقدامه، فوالله لقد سرت مع عمي رحمه الله أغرنا على أفامية، وأتفق أن رجالها خرجوا ليسيروا قافلة فسيروها وعادوا، ونحن لقيناهم فقتلنا منهم قدر عشرين رجلاً، ورأيت جمعة النميري رحمه الله وفيه نصف قنطارية قد طعن بها في لبد السرج وخرج الرمح من البداد إلى فخذه ونفذ إلى خلفه فانكسرت القنطارية فيه فراعني ذالك. فقاللا بأس، أنا سالم. ومسك سنان القنطارية وجذبها منه وهو وفرسه سالمان. فقلتيا أبا محمود اشتهي أتقرب من الحصن أبصره. قالسر. فرحت أنا وهو نخب فرسينا، فلما أشرفنا على الحصن إذا من الإفرنج ثمانية من الفرسان وقوف على الطريق وهي مشرفة على الميدان من ارتفاع لا ينزل منه إلا من تلك الطريق. فقال لي جمعة قف حتى أريك ما أصنع فيهم. قلت ما هذا أنصاف، بل نحمل عليهم أنا وأنت. قالسر، فحملنا عليهم فهزمناهم ورجعنا نحن نرى إنا قد فعلنا شيئاً ما يقدر يفعله غيرنا، نحن اثنان قد هزمنا ثمانية فرسان من الإفرنج.
عفوا تعف نساؤكم في المحرم وتجنبوا ما لا يليق بمسلم
((فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا))
حمل toolbar alexa لتصفح أسرع و حماية أكبر
يداً بيد نبني سورية الغد
الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)
مواقع النشر (المفضلة)