









فقال شهربراز:
« إنّ الذين خرّبوا مدينتك، وبلغوا منك ومن جندك ما بلغوا أنا وأخي بشجاعتنا وكيدنا، وإنّ كسرى حسدنا، فأراد أن أقتل أخي فأبيت، ثم أمر أخي أن يقتلني. فقد خلعناه جميعا، فنحن نقاتله معك. » قال: « قد أصبتما ووفّقتما. » ثم أشار أحدهما إلى صاحبه: أنّ السرّ إنّما يكون بين اثنين، فإذا جاوز اثنين فشا.
قال صاحبه: « أجل! » فقاما جميعا إلى الترجمان بسكّينهما، فقتلاه! واتّفقا على قتال كسرى.
فمما اتفق في أيام كسرى من الحوادث التي تستفاد منها تجربة ما كان من يوم ذي قار وحرب العرب والفرس
وكان سبب ذلك قتل النعمان بن المنذر اللخمي، قتله كسرى لأسباب نذكر جملها إن شاء الله:
كان عديّ بن زيد العباديّ وابنه زيد بن عديّ سبب ولاية النعمان وسبب هلاكه جميعا.
قتل النعمان بن المنذر وأسبابه
وذلك أنّ عديّا وأخويه - وهما: عمار، وعمرو، ويعرف عمار ب « أبيّ »، وعمرو ب « سميّ» - كانوا في خدمة الأكاسرة، ولهم من جهتهم قطائع. وكان قابوس الأكبر عمّ النعمان وإخوته، بعث إلى كسرى أبرويز بعديّ بن زيد وأخويه، ليكونوا في كتّابه يترجمون له.
فلمّا مات المنذر بن المنذر ترك من أولاده اثنى عشر رجلا، وهم الأشاهب، سمّوا بذلك لجمالهم، وفيهم يقول الأعشى:
فبنو المنذر الأشاهب بالحيرة ** يمشون غدوة كالسيوف
فجعل المنذر ابنه النعمان في حجر عديّ، وجعل ابنه الأسود في حجر رجل يقال له: عديّ بن أوس بن مرينا. وبنو مرينا قوم لهم شرف وهم من لخم، وبنو المنذر الباقون، وهم عشرة، مستقلّون بأنفسهم.
وكان المنذر جعل على أمره كلّه، إياس بن قبيصة الطائي، فكان في مكانه أشهرا يدبّر أمر العرب كلّه. وطلب كسرى من يملّكه على العرب، فدعا عديّ بن زيد فقال له:
« من بقي من بنى المنذر، وما هم، وهل فيهم خير؟ » فقال: « بقيتهم من ولد هذا الميت - يعنى المنذر بن المنذر - وهم رجال نجباء. » فكتب إليهم، فقدموا عليه، فأنزلهم على عديّ بن زيد. فكان عديّ يفضّل اخوة النعمان عليه في النزل، ويريهم أنّه لا يرجوه، ويخلو بهم رجلا رجلا، ويقول لهم:
« إن سألكم الملك: أتكفونني العرب؟ فقولوا: نكفيكهم إلّا النعمان. » وقال للنعمان:
« إن سألك الملك عن إخوتك، فقل: إن عجزت عنهم فإني عن غيره أعجز. » وكان عديّ بن أوس بن مرينا داهية أريبا. فكان يوصى الأسود بن المنذر ويقول له:
« قد عرفت أنّى لك راج، وأنّ طلبتي ورغبتي إليك أن تخالف عديّ بن زيد في ما يشير به عليك، فإنّه والله لا ينصح لك أبدا. » فلم يلتفت الأسود إلى قوله. فلمّا أمر كسرى عديّ بن زيد أن يدخلهم عليه، جعل يدخلهم رجلا رجلا فيكلّمه. فكان الملك كسرى يرى رجالا قلّ ما رأى مثلهم. فإذا سألهم:
« هل تكفوننى ما كنتم تلون؟ » قالوا: « نكفيك العرب إلّا النعمان. » فلمّا دخل النعمان عليه، رأى رجلا دميما قصيرا أحمر، فكلّمه، وقال:
« أتستطيع أن تكفيني العرب؟ » قال: « نعم. » قال: « وكيف تصنع بإخوتك؟ » قال: « أيّها الملك، إن عجزت عنهم، فأنا عن غيرهم أعجز. » فملّكه، وكساه، وألبسه تاجا قيمته ستّون ألف درهم فيه اللؤلؤ، والذهب. فلمّا خرج وهو ملك على العرب، قال عديّ بن أوس بن مرينا للأسود:
« دونك، فإنّك خالفت الرأي. » ثم إنّ عديّ بن زيد صنع طعاما في بيعة، وأرسل إلى ابن مرينا أن: ائتنى مع من أحببت، فإنّ لي حاجة. فأتاه في ناس، فتغدّوا في البيعة غداءهم المعدّ، وشربوا. فقال عديّ بن زيد لعديّ بن أوس:
« يا عديّ! إنّ أحقّ من عرف الحقّ ثم لم يلم عليه، من كان مثلك. إني عرفت أنّ صاحبك الأسود بن المنذر كان أحبّ إليك من أن يملك من صاحبي النعمان، فلا تلمني على شيء كنت على مثله، وأنا أحبّ ألّا تحقد عليّ شيئا لو قدرت عليه ركبته، وأحبّ أن تعطيني من نفسك ما أعطيك من نفسي، فإنّ نصيبي من هذا الأمر ليس بأوفر من نصيبك. » فقام عديّ بن زيد إلى البيعة، فحلف ألّا يهجوه، ولا يبغيه غائلة أبدا، ولا يزوى عنه خيرا. فلمّا فرغ عديّ بن زيد، قام ابن مرينا فحلف على مثل يمينه ألّا يزال يهجوه أبدا، ويبغيه الغوائل ما بقي.
وخرج النعمان حتى نزل منزله بالحيرة، وافترق العديّان على وحشة كما ذكرت.
http://mgtrben.net/viewimages/e69639c596.jpg
مطلوب للأنتربول الدولي خرج تسلموني
الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)
مواقع النشر (المفضلة)