ومن صرامة الرأي وحصافته ما كان من أبي بكر رضي الله عنه.
وذلك أنّه لمّا مات النبي ارتدّت العرب واضطرمت الأرض واشتغل الناس بالمرتدّين وتروخى عن مسيلمة وطليحة. فاستغلظ أمرهما وارتدّت من كل قبيلة عامّة وخاصّة إلّا قريشا وثقيفا. فتشدّد أبو بكر وكان فيه لين، إلّا أنّه حزم وحصف وخالف الناس، وكانوا أشاروا عليه بالمقاومة. وذلك أنّ أسامة بن زيد كان غائبا بالجيش الذي جهّزه رسول الله معه إلى حيث قتل فيه أبوه زيد، وكان أهل المدينة في قلّة، وكان طليحة قد قوى بأسد وغطفان وطيّء. فبعثوا وفودا إلى أبي بكر - رضي الله عنه - من كلّ قبيلة، ونزلوا على وجوه الناس على أن يقيموا الصلاة ولا يؤتوا الزكاة، فجرّد أبو بكر العزيمة وقال: « لو منعوني عقالا لجاهدتهم عليه. » فرجعوا فأخبروا عشائرهم بقلّة من أهل المدينة وأطمعوهم فيها.
فكان من حصافة أبي بكر أن جعل على أنقاب المدينة بعد خروج الوفد عليّا والزبير وطلحة ونفرا معهم. وأخذ أهل المدينة بحضور المسجد، وقال لهم: « إنّ الأرض كافرة، وقد رأى وفدهم منكم قلّة، وإنّكم لا تدرون أليلا تؤتون، أم نهارا؟ وأدناهم منكم على بريد وقد كان القوم يأملون أن نوادعهم، ونقبل منهم وقد أبينا عليهم، ونبذنا إليهم فاستعدّوا وأعدّوا. » فما لبثوا إلّا ثلاثا حتى طرقوا المدينة غارّة مع الليل وخلّفوا ردءا لهم بذي حسى، فوافوا الأنقاب وعليها المقاتلة ودونهم أقوام يدرجون.
فنهنهوهم وأرسلوا إلى أبي بكر بالخبر. فخرج أبو بكر في أهل المسجد على النواضح إليهم فانهزموا واتّبعهم المسلمون على إبلهم حتى بلغوا ذا حسى. فخرج عليهم الردء بأنحاء قد نفخوها وجعلوا فيها الحبال، ثم دهدهوها بأرجلهم في وجوه الإبل فتدهده كل نحى في طوله فنفرت الإبل إبل المسلمين وهم عليها، ولا تنفر من شيء نفارها من الأنحاء. فعاجت بهم ما يملكونها حتى دخلت بهم المدينة، إلّا أنّه لم يصرع مسلم ولم يصب، وظنّ القوم بالمسلمين الوهن فبعثوا إلى الناس بالخبر فقدموا عليهم أعمارا.
وبات أبو بكر ليلته يتهيّأ، فعبّى الناس، ثم خرج في تعبئته من أعجاز ليلته يمشى، فما طلع الفجر إلّا وهم مع العدوّ في صعيد واحد. فما سمعوا لأحد من المسلمين همسا ولا حسّا حتى وضعوا فيهم السيوف. فما ذرّ قرن الشمس حتى ولّوهم الأدبار وغلبوهم على عامّة ظهرهم، وقتل رئيسهم حبال وكان صاحب طليحة، واتبعهم أبو بكر - فكان أول فتح - فلما بلغ ذا القصة وضع بها النعمان بن مقرّن في عدد، ورجع إلى المدينة، فذلّ المشركون وعزّ المسلمون بوقعة أبي بكر - رضي الله عنه - فوثب بنو ذبيان وعبس على من فيهم من المسلمين فقتلوهم كلّ قتلة، وفعل من وراءهم فعلهم. فحلف أبو بكر ليقتلنّ في كل قبيلة قتلة من قتلوا وليزيدنّ وليفعلنّ وليصنعنّ.
فوفى بذلك، فازداد المسلمون ثباتا على دينهم وتفرّق أمر المشركين، وطرقت المدينة صدقات صفوان والزبرقان وعديّ. فاستبشر لذلك أبو بكر والمسلمون، وذلك لستّين يوما من خروج أسامة.
ثم قدم أسامة واستخلفه أبو بكر على المدينة وقال له ولجنده: « أريحوا واستريحوا. » ثم خرج بنفسه مع الذين كانوا على الأنقاب، فقال له المسلمون: « ننشدك الله أن تعرّض نفسك، فإنّك إن تصب لم يكن للناس نظام. ومقامك أشدّ على العدوّ. فابعث رجلا إن أصيب أمّرت آخر. » فقال: « لا والله حتى أواسيكم بنفسي. » فخرج في تعبئته إلى ذي القصة والنعمان وأصحابه على ما كانوا عليه، حتى نزل على أهل الربذة بالأبرق. فاقتتلوا، فهزم القوم وأخذ الحطيئة أسيرا، وطارت عبس وبنو بكر. فأقام أبو بكر على الأبرق أيّاما وقد غلب بنى ذبيان على البلاد، وقال:
« حرام على بنى ذبيان البلاد أن يطأوها بعد أن غنّمناها الله. »
فلمّا غلب أهل الردّة ودخلوا فيما خرجوا منه، جاءت بنو ثعلبة ومن كان ينازلهم. فمنعوا منها فأتوه في المدينة فقالوا:
« علام نمنع من لزوم بلادنا؟ » فقال: « كذبتم، ليست لكم ببلاد. »
عقد أحد عشر لواء لمحاربة أهل الردة

ثم حمى بلاد الربذة كلّها لصدقات المسلمين وجاءت الصدقات الكثيرة. فلمّا أراح أسامة وجنوده ظهورهم وجمّوا، عقد أبو بكر أحد عشر لواء وقطع عليها البعوث: عقد لخالد بن الوليد وأمره بطليحة بن خويلد، فإذا فرغ منه سار إلى مالك بن نويرة بالبطاح إن قام له، وعقد لعكرمة بن أبي جهل وأمره بمسيلمة، وعقد للمهاجر بن أبي أمية وأمره بجنود الأسود العنسي ومعونة الأبناء على قيس بن المكشوح ومن أعانه من اليمن عليهم، ثم يمضى إلى كندة بحضرموت، وعقد لخالد بن سعيد بن العاص وكان قدم من اليمن، وترك عمله، ولعمرو بن العاص إلى جمّاع قضاعة ووديعة والحارث، ولحذيفة بن محصن، وأمره بأهل دبا، ولعرفجة بن هرثمة، وأمره بمهرة، ولشرحبيل بن حسنة على قضاعة، ولطريفة بن حاجز، وأمره ببني سليم وهوازن، ولسويد بن مقرّن وأمره بتهامة اليمن، وللعلاء بن الحضرمي، وأمره بالبحرين.
ففصل الأمر من ذي القصّة وقد كتب لهم عهدهم، فلحق بكلّ أمير جنده.