









من عجيب ما ركبه خالد
ومن عجيب ما ركبه خالد بن الوليد في سفرته هذه التي خرج فيها من العراق لمعاونة أبي عبيدة على الروم، أنّه: لمّا هزمت الروم خالد بن سعيد بن العاص، وقتلوا ابنه وقتلوا الجيش الذي معه، واجتمعت الروم باليرموك، قالوا:
« والله لنشغلنّ أبا بكر والعرب في أنفسهم عن تورّد بلادنا. » ثم نزلوا الواقوصة مستعلين.
فبلغ ذلك أبا بكر، فقال: « والله لأنسينّ الروم وساوس الشيطان بخالد بن الوليد. » فكتب إليه أن: « سر حتى تأتى جموع المسلمين باليرموك، فانّهم قد شجوا بالروم، وإنّه لم يشج الجموع من الناس بعون الله شجاك، ولم ينزع الشجا من الناس نزعك، فلتهنئك - أبا سليمان - النية والحظوة، فأتمم - تمّم الله لك - ولا يدخلنّك عجب فتخسر وتخذل، وإياك أن تدلّ بعمل، فإنّ الله له المنّ وهو وليّ الجزاء، فاستخلف المثنّى بن الحارثة بالعراق، فإذا فتح الله على المسلمين الشام فارجع إلى عملك بالعراق. » فقال خالد: « كيف لي بطريق أخرج فيه من وراء جموع الناس. » فجمع الأدلّاء وأهل الخيرة، فكلّهم قالوا: « لا نعرف إلّا طريقا لا يحمل جيشا، يأخذه الفذّ والراكب. » ونهوه أن يغرّر بالمسلمين. فعزم عليه، ولم يجبه أحد إلّا رافع بن عميرة على تهيّب شديد. فقام فيهم وقال: « يا قوم لا يخلفنّ هديكم، ولا يضعفنّ يقينكم، واعلموا أنّ المؤونة تأتى على قدر النيّة، والأجر على قدر الحسبة. » فأجابه نفر، وقالوا لخالد: « أنت رجل مصنوع لك، فشأنك. » فطابقوه ونووا، واحتسبوا.
فقال لهم رافع: « تروّوا للشفة لخمس. » فظمّأ كلّ قائد من الإبل الشرف الجلال ما يكتفى به، ثم سقوها العلّ بعد النهل، ثم صرّوا آذان الإبل وكعّموها وخلّوا أدبارها.
ثم ركبوا من قراقر مفوّزين إلى سوى وهي إلى جانبها الآخر ممّا يلي الشام. فلما ساروا يوما افتظّوا لكل من الخيل كروش عشر من تلك الإبل فمزجوا ما في كروشها بما كان من الألبان. ثم سقوا الخيل وشربوا للشفة جرعا، فعلوا ذلك أربعة أيّام. فلمّا نزلوا بسوى وخشي أن يفضحهم حرّ الشمس نادى خالد رافعا: « ما عندك يا رافع؟ » قال: « خير، أدركتم الريّ وأنتم على الماء. » وكان يشجعهم وهو متحيّر به رمد.
ثم قال: « أيها الناس، انظروا عليمين كأنّهما ثديان. » فأتوا عليهما وقالوا: « علمان. » فقام عليهما فقال: « اضربوا يمنة ويسرة لعوسجة كقعدة الرجل. » فقالوا: « لا نرى شيئا. » فقال: « إنّا لله، هلكتم وهلكت معكم، انظروا. » فنظروا فوجدوا جذمها، فقالوا: « جذم، ولا نرى شجرة. » فقال: « احتفروا حيث شئتم. » فاستثاروا أوشالا وأحساء رواء. فقال رافع: « أيها الأمير، ما وردت هذا الماء منذ ثلاثين سنة، وما وردته إلّا مرّة وأنا غلام مع أبي. » فانحاز خالد من سوى على مضيّح بهراء، وإنّهم لغارّون وناس منهم يشربون خمرا لهم في جفنة قد اجتمعوا عليها ومغنّيهم يقول:
ألا علّلانى قبل جيش أبي بكر ** لعلّ منايانا قريب وما ندري
أظنّ خيول المسلمين وخالدا ** سيطرقكم قبل الصّباح من البشر
فهل لكم في السّير قبل قتالهم ** وقبل خروج المعصرات من الخدر
فيزعمون أنّ مغنيهم قتل، وسال دمه في الجفنة عند الغارة. وقال شاعر المسلمين:
لله عينا رافع أنّى اهتدى ** فوّز من قراقر إلى سوى
خمسا إذا ما سارها الجيش بكى ** ما سارها قبلك إنسيّ أرى
فلما انتهى خالد إلى سوى أغار على أهله وقد خلّف ثغور الروم وجنودها ممّا يلي العراق، فصار بينهم وبين اليرموك، ثم صمد لهم الطريق حتى صار إلى دمشق، ثم مرج الصفر. فلقى غسّان وعليهم الحارث بن الأيهم، فانتسف عسكرهم وعيالاتهم وبعث بالأخماس إلى أبي بكر، ثم خرج حتى نزل مياه بصرى، فكانت أوّل مدينة فتحها خالد من الشام بمن معه من جنود العراق، فخرج منها فوافى المسلمين بالواقوصة في عشرة آلاف.
ولما تراءى العسكران بعث القيقلار أخو ملك الروم - وهو صاحب الجيش - رجلا عربيّا من قضاعة وقال له: « ادخل في هؤلاء القوم، فأقم فيهم يوما وليلة، ثم ائتني بخبرهم. » فدخل في الناس رجل عربيّ لا ينكر، فأقام فيهم، ثم أتاه.
فقال: « مه، ما وراءك؟ » قال: « هم رهبان بالليل فرسان بالنهار، لو سرق ابن ملكهم قطعوا يده، ولو زنى رجموه إقامة للحدّ. » فقال القيقلار: « لئن كنت صادقا لبطن الأرض خير من لقاء هؤلاء على ظهرها. »
http://mgtrben.net/viewimages/e69639c596.jpg
مطلوب للأنتربول الدولي خرج تسلموني
الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)
مواقع النشر (المفضلة)