إرسال الهرمزان إلى المدينة

ووفد أبو سبرة وفدا فيهم أنس بن مالك، والأحنف بن قيس. فأرسل الهرمزان معهم فقدموا مع أبي موسى البصرة، ثم خرجوا نحو المدينة.
فلما دخلوها هيّأوا الهرمزان في هيأته، وألبسوه كسوته من الديباج الذي فيه الذهب، ووضعوا على رأسه تاجا يدعى ال « آذين » مكلّلا بالياقوت، وعليه حليته كي ما يراه عمر والمسلمون. ثم خرجوا به على الناس يريدون عمر في منزله، فلم يجدوه. فسألوا عنه، فقيل لهم: « جلس في المسجد. » ولم يروه. فلمّا انصرفوا، مرّوا بغلمان من أهل المدينة يلعبون.
فقالوا لهم: « ما تلدّدكم، تريدون أمير المؤمنين؟ فإنّه نائم في ميمنة المسجد، متوسّد برنسه. » وكان عمر جلس لوفد الكوفة في برنس. فلمّا فرغ من كلامهم وارتفعوا عنه وأخلوه، نزع برنسه، ثم توسّده فنام.
فانطلقوا ومعهم النظّارة، حتى إذا رأوه جلسوا دونه، وليس في المسجد نائم ولا يقظان غيره، والدرّة في يده معلّقها.
فقال الهرمزان: « أين عمر؟ » قالوا: « ها هو ذا! » وجعل الوفد يشيرون إلى الناس: أن اسكتوا عنه. وأصغى الهرمزان إلى الوفد.
فقال: « أين حرسه وحجّابه عنه؟ » قالوا: « ليس له حاجب ولا حارس ولا كاتب ولا ديوان. »
قال: « فينبغي أن يكون نبيا. » فقالوا: « لا، ولكنّه يعمل عمل الأنبياء. »
وكثر الناس وكلامهم، فاستيقظ عمر بالجلبة، فاستوى جالسا. ثم نظر إلى الهرمزان، فقال: « الهرمزان؟ » فقالوا: « نعم! » فتأمله، وتأمّل ما عليه، ثم قال: « أعوذ بالله من النار، الحمد لله الذي أذلّ بالإسلام هذا وأشياعه. يا معشر المسلمين! تمسّكوا بهذا الدين، واهتدوا بهدي نبيكم، ولا تبطرنّكم الدنيا، فإنّها غرّارة. » فقال الوفد: « هذا ملك الأهواز، فكلّمه! » قال: « لا، حتى لا يبقى عليه من حليته شيء. »
فرمى عنه بكلّ شيء إلّا ما يستره، فألبسوه ثوبا صفيقا.
فقال عمر: « هي يا هرمزان! كيف رأيت وبال الغدر وعاقبة أمر الله؟ » فقال: « يا عمر! إنّا وإيّاكم في الجاهلية كان الله خلّى بيننا وبينكم، فغلبناكم، إذ لم يكن معنا ولا معكم، فلمّا صار معكم غلبتمونا. » فقال عمر: « إنّما غلبتمونا في الجاهلية باجتماعكم وتفرّقنا. »
ذكر خديعة للهرمزان وحيلة له حتى آمنه عمر

ثم قال عمر: « ما عذرك وما حجّتك في انتقاضك مرّة بعد مرّة؟ » فقال: « أخاف أن تقتلني قبل أن أخبرك. »
قال: « لا تخف ذلك. » واستسقى ماء، فأتى به في قدح. فقال: « لو متّ عطشا لم أستطع الشرب في مثل هذا. » فأتى به في إناء يرضاه. فجعلت يده ترعد، وقال: « إني أخاف أن أقتل وأنا أشرب. » فقال له عمر: « لا تخف، فلا بأس عليك حتى تشربه. » فألقاه. فقال عمر: « أعيدوا عليه، ولا تجمعوا عليه القتل والعطش. » فقال: « لا حاجة لي في الماء، إنّما أردت أن أستأمن به. »! فقال له عمر: « إني قاتلك. » قال: « قد آمنتنى. » فقال: « كذبت. » فقال أنس: « صدق يا أمير المؤمنين »! فقال: « ويحك! أنا أومن قاتل مجزأة والبراء؟ لتأتينّى بمخرج ما قتلت! » قال: « قلت له: لا بأس عليك حتى تخبرني. وقلت: لا بأس عليك حتى تشربه. » وقال جلّة الصحابة ممن حوله مثل ذلك.
فأقبل على الهرمزان وقال: « تكلّم بحجّتك. » قال: « كلام حيّ أم كلام ميّت؟ » قال: « بل كلام حيّ. » قال: « قد آمنتنى ثالثة. »
قال عمر: « خدعتني! لا والله، لا أومنك إلّا أن تسلم. » فقيل له: « أسلم! وإلّا قتلت. » فأسلم، ففرض له على ألفين، وأنزله المدينة.
عمر واللغة الفارسية

وكان المغيرة بن شعبة يترجم بينهما إلى أن حضر الترجمان.
فقال عمر للمغيرة: « سله: من أيّة أرض أنت؟ » فقال المغيرة: « أز كذام أرضيه؟ » فقال: « مهرجانيّ. » وكان المغيرة يفقه شيئا [ من الفارسيّة ].
فقال له عمر: « ما أراك حاذقا بها. ما أحسنها منكم أحد إلّا خبّ، وما خبّ إلّا دقّ. إيّاكم وإيّاها، فإنّها تنقص الإعراب. » وأقبل زيد بعد ذلك، فجعل يترجم بينهما.
ذكر رأي صحيح للأحنف بن قيس

وقال عمر للوفد: « لعلّ المسلمين يفضون إلى أهل الذمّة بأذى، أو بأمور لها ما ينتقضون بكم. » فقالوا: « ما نعلم إلّا حسن ملكة. » قال: « فكيف هذا؟ »
فلم يجد عند أحد ما يشفيه ويبصر به مما يقولون، إلّا ما كان من الأحنف فإنّه قال: « يا أمير المؤمنين، أخبرك أنّك نهيتنا عن الإنسياح في البلاد، وأمرتنا بالاقتصار على ما في أيدينا، وأنّ ملك فارس حيّ بين أظهرهم، وأنّهم لا يزالون يساجلوننا ما دام ملكهم فيهم، ولم يجتمع ملكان حتى يفنى أحدهما صاحبه. وقد رأيت أنّا لم نأخذ شيئا بعد شيء إلّا بانبعاثهم مرّة بعد مرّة، وأنّ ملكهم هو الذي يبعثهم. ولا يزالون هذا دأبهم حتى تأذن لنا فنسيح في بلادهم، حتى نزيله عن بلادهم، ونخرجه من مملكته وعزّ أمّته، فهناك ينقطع رجاء أهل فارس ويضربوا جأشا. » فقال عمر: « صدقتني والله، وشرحت لي الأمر عن حقّه. » فكان هذا سبب إذنه لهم في الإنسياح.
يزدجرد يمضى إلى إصطخر وسياه يشترط للإسلام

ومضى يزدجرد بمشورة الموبذ إلى إصطخر فينزلها، لأنّها دار المملكة ويوجّه الجنود. فلمّا بلغ إصبهان أقام أياما وقدم سياه لينتخب من كلّ بلدة مرّ بها من أحبّ. فمضى سياه واتبعه يزدجرد حتى نزلوا بإصطخر، ووجّه سياه إلى السوس. ولم يزل كذلك حتى قدم عمار بن ياسر وأبو موسى يومئذ بتستر.