ذكر اتفاق حسن اتفق لمسلم بن عقبة في مسيره إلى أهل المدينة وحيلة لأهل المدينة ما تمت

كان بعث أهل المدينة إلى كلّ ماء بينهم وبين أهل الشام، فصبّوا فيه زقّا من قطران، وعوّر، فأرسل الله عليهم السماء حتى لم يحتاجوا أن يستقوا بدلو، حتى وردوا المدينة.
موت مسلم بن عقبة ورمى الكعبة وإحراقها وابن الزبير محاصر فيها

واستخلف مسلم على المدينة روح بن زنباع متوجّها إلى مكّة، يريد ابن الزبير. فلمّا كان ببعض الطريق هلك، وذلك في آخر المحرّم من سنة أربع وستّين.
ولمّا حضره الموت، دعا الحصين بن نمير السلولي، وقال له: « يا برذعة الحمار، والله، لولا أنّ أمير المؤمنين عهد إليّ - إن حدث بي حدث - أن أستخلفك لما ولّيتك، ولكن انظر وصيتي، وإيّاك والمخالفة! خذ عني أربعا: أسرع السير، وعجّل الوقائع، وعمّ الأخبار، ولا تمكّن قريشا من أذنك. » ومات.
وخرج الحصين بن نمير إلى مكّة، وقد بايع أهل مكّة ابن الزبير، وقدم عليه نجدة بن عامر مع الخوارج يمنعون البيت، فحاصرهم الحصين، وأخرج ابن الزبير إليهم أخاه المنذر بن الزبير. فلما اشتدّ القتال، دعوه إلى المبارزة، فخرج وقتل، وقتل معه عدّة من وجوه أصحاب ابن الزبير، ولم يزل القتال دائما بينهم طول صفر. ولمّا مضت ثلاثة أيّام من شهر ربيع الأوّل، نصبوا المجانيق على البيت، ورموه بالحجارة والنار، وأخذوا يرتجزون ويقولون:
خطّارة مثل الفنيق المزبد ** نرمي بها أعواد هذا المسجد
واحترقت الكعبة، وتصدّع منها ثلاثة أمكنة، واحترق ما كان فيها من خشب، وما عليها من كسوة.
وقد قيل: إنما احترقت، لأنّ أصحاب ابن الزبير كانوا يوقدون حولها، فطارت إليها شرره ليلة ريح، فاحترقت.
خلافة معاوية بن يزيد

ولم يزل الحصار والقتال واقعا على ابن الزبير - وهو يصابر - إلى أن ورد نعى يزيد بعد أربعة وستّين يوما من الحصار، وذلك في جمادى الأولى سنة ثلاث وستّين، ويقال: أربع وستّين، وكانت ولايته ثلاث سنين وكسرا، وبايع الناس معاوية بن يزيد بن معاوية بالشام، وبايعوا عبد الله بن الزبير بالحجاز.
ذكر سوء رأي ابن الزبير وضعف تدبيره ومخالفته من أشار عليه بالصواب حتى فاتته الخلافة

مكث أهل الشام مع الحصين بن نمير يقاتلون ابن الزبير، وليس عندهم خبر وقد ضيّقوا على ابن الزبير، فبلغ ابن الزبير موت يزيد، فصاح:
« إنّ طاغيتكم قد هلك، فمن شاء منكم أن يدخل في ما دخل فيه الناس فليفعل، ومن كره فليلحق بالشام. »
فلم يسمع الناس منه.
فدعا ابن الزبير الحصين بن نمير، وقال: « ادن مني! »
فخرج أحدهما إلى الآخر، فطاوله الحديث، إلى أن دعى الذي أخبر ابن الزبير بالخبر، وكان ديّنا فاضلا، وبينه وبين الحصين صهر، فلما سمع الحصين كلامه، عرف صحة الخبر، فقال لابن الزبير: « إن يك هذا الرجل هلك، فأنت أحقّ من أرى بهذا الأمر، هلمّ فلنبايعك، على أن تخرج معي إلى الشام، فإنّ هذا الجند الذي معي، هم وجوه الناس، وفرسانهم، فو الله، لا يختلف عليك اثنان، وتؤمن الناس، وتهدر هذه الدماء التي كانت بيننا وبينك، والتي كانت بيننا وبين أهل الحرّة. » فأبى ابن الزبير أن يخرج إلى الشام، وكان ذلك من جدّ مروان وإقباله، وإدبار ابن الزبير.
وكان من ردّ ابن الزبير على الحصين أن قال: « أنا أهدر تلك الدماء، حتى أقتل بكل رجل عشرة. » فأخذ الحصين يكلّمه سرّا، وهو يجيبه جهرا.
فقال الحصين بن نمير: « قبّح الله من يعدّك بعد هذا داهيا، أو أريبا. قد كنت أظنّ أنّ لك رأيا، ألا، أرانى أكلّمك سرّا وتكلّمنى جهرا، وأدعوك إلى الخلافة، وتوعدني بالقتل، وأبذل لك طاعة في من معي، وتهدّدهم بالهلاك. » ثم خرج من عنده، وصاح في الناس بالرحيل، وخرج إلى المدينة. وقدم ابن الزبير، فأرسل إليه: « أما خروجي إلى الشام، فلا يمكن، فإني أتبرّك بالبيت، ولكن بايعوا لي هناك، فإني بعد ذلك أو منكم، وأقدم عليكم. » فردّ عليه الحصين، وقال: « إن أنت لم تقدم بنفسك، وجدنا من نبايعه هناك. » وأقبل بأصحابه نحو المدينة. فاستقبله عليّ بن الحسين بن عليّ، ، فسلّم عليه، ولم يكد يلتفت إليه أحد، واجترأ أهل المدينة وأهل الحجاز على أهل الشام، وذلّوا حتى كان لا ينفرد منهم رجل إلّا أخذ بلجام دابّته، ونكّس عنها. فكانوا يجتمعون في عسكرهم، ولا يتفرّقون.
فاجتمعت إليهم بنو أميّة، وقالوا: « لا نبرح حتى تحملونا. » ففعلوا. فخرج بنو أميّة بنسائهم وعيالاتهم، ومضى ذلك الجيش، حتى دخل الشام.
ولم يلبث معاوية بن يزيد إلّا ثلاثة أشهر، حتى مات. ويقال: بل مكث أربعين يوما، وكان أقرّ عمّال أبيه.
خطبة ابن زياد بالبصرة بعد انتهاء موت يزيد بن معاوية إليها

وبلغ موت يزيد بن معاوية عبيد الله بن زياد بالبصرة، فصعد المنبر، وخطب الناس، وقال:
« يا أهل البصرة! قد علمتم قيامي بأمركم، وجبايتى الأموال، وتفرقتها، وانسبوني، فو الله، تجدوني مهاجرا إليكم، ووالدي ومولدي فيكم ودارى. ولقد ووليتكم، وما أحصى ديوان مقاتلتكم إلّا سبعين ألفا، ولقد أحصى اليوم ثمانين ألفا، وما كان ديوان عيالكم إلّا سبعين ألفا، وقد أحصى اليوم مائة ألف وأربعين ألفا، وما تركت لكم ذا ظنّة أخافه عليكم، إلّا وهو في سجنكم. وقد توفّى أمير المؤمنين يزيد، واختلف أهل الشام، وأنتم اليوم أكثر الناس عددا، وأوسعهم بلادا. فاختاروا رجلا ترضونه [ و ] تجتمعون عليه، إلى أن يجتمع أهل الشام، فإن اختاروا من ترضونه دخلتم في ما دخلوا فيه، وإن كرهتم ذلك، كنتم على جديلتكم، فما بكم إلى أحد من أهل البلدان حاجة، وما يستغنى الناس عنكم. »