ذكر رأي عبد الله بن يزيد

فنظر عبد الله بن يزيد، فإذا القوم يطلبون غيره بدم الحسين، فكره أن يستحضّهم. فقال لمن أشار عليه بما حكيناه:
« حدّثونى ما يريدون » قال:
« يذكرون أنهم يطلبون بدم الحسين. » فقال:
« أنا قتلت الحسين؟ لعن الله قاتل الحسين. »
وقال:
« الله بيننا وبين هؤلاء القوم، إن تركونا لم نطلبهم. » ثم خطب الناس، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:
« فقد بلغني أنّ طائفة من أهل هذا المصر، أرادوا أن يخرجوا علينا، فسألت عن السبب الذي دعاهم إلى ذلك ما هو؟ فقيل لي: إنّهم يطلبون بدم الحسين بن عليّ. فرحم الله هؤلاء القوم، قد - والله - دللت على أماكنهم، وأمرت بأخذهم، وقيل لي: ابدأ بهم، قبل أن يبدءوك، فأبيت ذلك، وقلت: إن قاتلوني قاتلتهم، وإن تركونى لم أطلبهم. وعلام يقاتلوننى؟ فو الله ما أنا قتلت حسينا، ولا أنا ممّن قاتله. ولقد أصبت بمقتله، رضي الله عنه. هؤلاء القوم آمنون، فليخرجوا، ولينتشروا ظاهرين، ثم ليسيروا إلى قاتل الحسين، فقد أقبل إليهم، وأنا ظهير لهم.
هذا ابن زياد قاتل الحسين، وقاتل أخياركم، وأماثلكم، قد توجّه إليكم عهد العاهد به، على مسيرة ليلة من منبج، فقتاله والاستعداد له أجزى وأرشد من أن يجعلوا بأسكم بينكم، فيسفك بعضكم دماء بعض، فيلقاكم العدوّ غدا وقد رققتم، وتلك أمنيّة عدوّكم، فإنّه قد أقبل إليكم. أعدى خلق الله لكم من ولى عليكم هو وأبوه سبع سنين لا يقلعان عن قتل أهل العفاف والدين، ومن قتل من تبغون دمه قد جاءكم، فاستقبلوه بحدّكم وشوكتكم، واجعلوها به، ولا تجعلوها بأنفسكم، فإني لم آلكم نصحا، جمع الله كلمتنا، وأصلح لنا أئمتنا. » فخرج أصحاب سليمان بن صرد ظاهرين، يشترون السلاح، ويتجهّزون بما يصلحهم.
وأما النفر الذين مع المختار، فإنهم سكتوا، لأنّ المختار كان يريد ألّا يهيج أمرا حتى ينظر: إلى ما يصير أمر سليمان بن صرد. ورجا أن تستجمع له الشيعة، فيكون أقوى على درك ما يطلب.
اجتماع الأمر لسليمان بن صرد

واجتمع لسليمان أمره في سنة خمس وستين، وكان قد واعد أصحابه، وكاتب أهل المدائن وغيرهم لغرّة شهر ربيع الأوّل، فخرج في تلك الليلة إلى المعسكر بالنخيلة، ودار في الناس ووجوه أصحابه، فلم تعجبه عدّة الناس. فبعث حكيم بن منقذ في خيل، وبعث الوليد بن حصين في خيل، وقال:
« اذهبا حتى تدخلا الكوفة، فناديا: يا لثارات الحسين! وابلغا المسجد الأعظم، فناديا بذلك. » فخرجا، فكأنّ خلق الله دعوا: يا لثارات الحسين. وكثر المستجيبون، وكثر البكاء والنحيب. وكان الرجل إذا سمع هذا النداء، فارق أهله وولده، وتركهم يبكون، ووثب إلى سلاحه وودّعهم، ثم خرج.
قال:
فلم يصبح حتى جاءه نحو ممن كان في عسكره حين دخله، ثم دعا بديوانه حين أصبح، فوجد من جاء أربعة آلاف رجل من جملة ستّة عشر ألفا كانوا بايعوه، فقال:
« سبحان الله! أما هؤلاء بمؤمنين؟ أما يخافون الله؟ أما يذكرون ما أعطوا من العهود والمواثيق؟ » وجعل يبعث ثقاته إلى من تخلّف عنه يذكّرهم الله. فخرج إليه نحو من ألف رجل. فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال:
« أيها الناس، إنه ما ينفعنا المكره، وإنما ينفعنا ذو النيّة. فمن كان يريد حرث الدنيا، فو الله ما يأتى فيئا، ولا غنيمة، ما خلا رضوان الله، وما معنا ذهب ولا فضّة، ولا خزّ، ولا حرير، وما هو إلّا سيوفنا في عواتقنا، ورماحنا في أكفّنا، وزاد قدر البلغة إلى لقاء عدوّنا، فمن كان ينوي غير هذا، فلا يصحبنا. » فأجابه الناس:
« إنما خرجنا للَّه، وللتوبة إليه من ذنبنا، والطلب بدم ابن بنت رسول الله، وإنما نقدم على حدّ السيوف، وأطراف الرماح. »
ذكر آراء أشير على سليمان ورأى رءاه وحده

أما أكثر الناس، فأشاروا على سليمان أن يقصدوا الكوفة، وقالوا:
« إنّا خرجنا نطلب بدم الحسين، وقتلة الحسين كلّهم بالكوفة: عمر بن سعد بن أبي وقّاص، ورؤوس الأرباع، وأشراف القبائل، فأين نذهب وندع الأوتاد. والله، ما نلقى، إن مضينا نحو الشام، وهذه الخيل التي أقبلت، إلّا عبيد الله وحده ممن نطلبه، ووراءكم ألدّهم بالكوفة، مثل عبيد الله. » فقال سليمان بن صرد:
« والله، لقد جئتم برأى، فهلمّوا أيها الناس بجميع ما عندكم. » فلمّا سمع هذا وأمثاله، قال:
« لكن أنا لا أرى لكم ذلك. »
ذكر الرأي الذي رءاه سليمان

قال:
« إنّ الذي قتل صاحبكم هو الذي عبّى إليه الجنود فألزم الناس المسير إليه كارهين، وهدّدهم. » ثم قال:
« لا أمان له عندي دون أن يستسلم، فأمضى فيه حكمي، هذا الفاسق، ابن الفاسق، ابن مرجانة، عبيد الله بن زياد. فإن يظهر الله عليه كان من بعده أهون شوكة، ورجونا أن يدين لكم من وراءكم من أهل مصركم، فينظرون من شرك في دم الحسين، فيقتلونه، وإن قاتلتم الآن أهل مصركم، ما عدم الرجل أن يرى رجلا غدا وقد قتل أخاه، أو أباه، أو حميمه، أو رجلا لم يكن يريد قتله، فيكثر أعداؤكم، فاستخيروا الله وسيروا. » فتهيّأ الناس للخروج.
ذكر رأي آخر رءاه أمير الكوفة عبد الله بن يزيد

لمّا بلغ عبد الله بن يزيد وإبراهيم بن محمد بن طلحة أنّ سليمان خارج بأصحابه نحو عبيد الله بن زياد، رأيا أن يأتياهم، فيعرضا عليهم الإقامة، وأن تكون أيديهم واحدة، فإن أبوا إلّا الشخوص، سألوهم النظر حتى يجهّزوا معهم جيشا، فيقاتلوا عدوّهم بكتف وحدّ.
فراسلا سليمان بن صرد وقالا:
« إنّا نريد أن نجيئك لأمر عسى الله أن يجعل لنا ولك فيه صلاحا. » فقال سليمان للرسول:
« قل لهما، فليأتيانا. » وأحسن سليمان تعبئة الناس، وجاء عبد الله بن يزيد، في أشراف أهل الكوفة، وجاء إبراهيم في جماعة من أصحابه. وكان عبد الله بن يزيد قال لكلّ رجل معروف علم أنّه شرك في دم الحسين: لا تصحبنى، مخافة أن ينظروا إليه، فيعدوا عليه.
وكان عمرو بن سعد طول تلك الأيام التي كان سليمان فيها معسكرا بالنخيلة، لا يبيت إلّا في قصر الإمارة مع عبد الله بن يزيد مخافة أن يأتيه القوم وهو غافل، فيقتل.
ولما دخل عبد الله بن يزيد إلى سليمان، حمد الله، وأثنى عليه، ثم قال:
« إنّ المسلم أخو المسلم، لا يخونه، ولا يغشّه، وأنتم أهل مصرنا، وأحبّ الناس إلينا، فلا تفجعونا بأنفسكم، ولا تستبدّوا علينا برأيكم، ولا تنقصوا عددنا بخروجكم، وأقيموا معنا حتى نتيسّر ونتهيّأ، فإذا علمتم أنّ عدوّنا قد شارف بلادنا خرجنا إليهم بجماعتنا، فقاتلناهم. » وتكلّم إبراهيم بنحو من هذا.
فتكلّم سليمان، وحمد الله، وأثنى عليه، وقال:
« قد علمت أنّكما قد محضتمانى النصيحة، واجتهدتما في المشورة، ونحن فقد خرجنا على نيّة، ولن ننقضها، ونسأل الله العزيمة، والتشديد. » فقالا:
« فأقيموا حتى نجهّز معكم جيشا كثيفا، فتلقوا عدوّكم بكتف وجمع وحدّ. » فقال سليمان:
« تنصرفون ونرى رأينا. » فعرضا عليه الصبر عليهما، حتى يجعلا له ولأصحابه خراج جوخى دون الناس.
فأبى سليمان وقال:
« ما خرجنا للدنيا. » وإنما فعلا ذلك، لما داخلهم من إقبال عبيد الله بن زياد نحو العراق.
وأبطأ على سليمان أصحابه من أهل البصرة والمدائن، فخرج من عسكره بالنخيلة، ومرّ نحو الأقساس، وتخلّف عنه ناس كثير.
فقال سليمان:
« لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ ما زادُوكُمْ إِلَّا خَبالًا، لأنّ الله كره انبعاثهم، فثبّطهم. » ثم خرج حتى صبّح قبر الحسين. فلما انتهى الناس إليه، صاحوا صيحة واحدة، وبكوا. فما روى يوم كان أكثر باكيا منه، وجعلوا يدعون الله، ويسألونه أن يتوب عليهم، وأحسن الناس بالمنطق، وزادهم ذلك بصيرة، وشحذ رأيهم، ووطّنوا أنفسهم على الجهاد، وحبّ الشهادة.
كتاب عبد الله بن يزيد إلى سليمان بن صرد وما كان من جوابه

ثم ساروا، فلحقهم كتاب من عبد الله بن يزيد، وهم بالقيّارة، مع المحلّ بن خليفة الطائيّ.
قال المحلّ:
فلقيته، وأبلغته السلام والكتاب، فاستقدم أصحابه حتى ظنّ أن قد سبقهم.
فوقف، وأشار إلى الناس، فوقفوا، ثم قرأ الكتاب، فإذا فيه:
« بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله بن يزيد إلى سليمان بن صرد ومن معه من المسلمين. سلام عليكم، أما بعد، فإنّ كتابي هذا كتاب ناصح، وكم من ناصح مستغشّ، ومن غاشّ مستنصح. إنّه قد بلغني أن قد أقبل من الشام، جموع عظيمة، وأنتم تريدون أن تلقوهم بالعدد اليسير، وإنّه من يرد أن ينقل الجبال عن مراتبها، تكلّ معاوله، وينزع، وهو مذموم الفعل والعقل. يا قومنا، لا تطمعوا عدوّكم في أهل بلادكم، فأنتم خيار كلّكم، ومتى يصبكم عدوّكم، أطمعهم ذلك في من وراءكم من أهل مصركم. يا قومنا، إنّهم إن يظهروا عليكم، يرجموكم، ويعيدوكم في ملّتهم، ولن تفلحوا إذا أبدا، يا قومنا، إنّ أيدينا وأيديكم واحدة وعدوّنا وعدوّكم واحد، ومتى تجتمع كلمتنا نظهر على عدوّنا، ومتى تختلف تهن شوكتنا. يا قومنا، لا تستغشّوا نصحى، ولا تخالفوا أمري، وأقبلوا حين يقرأ عليكم كتابي، أقبل الله بكم إلى طاعته، والسلام. » فلما قرأ الكتاب، قال ابن صرد للناس:
« ما ذا ترون؟ » قالوا: