« سيروا مع شرحبيل وأطيعوه. » وقال لشرحبيل:
« إذا دخلت المدينة فاكتب إليّ حتى يأتيك أمري. » وهو يريد: إذا دخلوا المدينة أن يبعث عليهم أميرا من قبله، ويأمر ابن ورس أن يمضى إلى مكة حتى يحاصر ابن الزبير، ويقاتله. فخرج يسير قبل المدينة.
وخشي ابن الزبير أن يكون المختار إنما يكيده. فبعث من مكة إلى المدينة عباس بن سهل في ألفين، وأمره أن يستنفر الأعراب، وقال له ابن الزبير:
« إن رأيت القوم في طاعتي، فاقبل منهم، وإلّا فكايدهم حتى تهلكهم. » ففعلوا:
وأقبل عباس بن سهل حتى لقي ابن ورس وقد عبّى ابن ورس أصحابه ميمنة وميسرة. فدعا وسلّم عليه، ونزل هو يمشى في الرجّالة وميمنته وميسرته على الخيول.
وجاء عباس مع أصحابه وهم متقطّعون على غير تعبئة، فيجد ابن ورس على الماء قد عبّى أصحابه تعبئة القتال، فدنا منه، فسلّم عليه، ثم قال له:
« اخل معي. » فخلا به، فقال:
« رحمك الله، ألست في طاعة ابن الزبير؟ » فقال له ابن ورس:
« بلى. » قال:
« فسر بنا إلى عدوّ الله وعدوّه الذي بوادي القرى، فإنّ ابن الزبير حدّثني أنّه إنّما أشخصكم صاحبكم إليه. » قال ابن ورس:
« ما أمرت بطاعتكم. إنما أمرت أن آتى المدينة، فإذا تركتها كاتبت صاحبي. » فقال عباس بن سهل:
« إن كنت في طاعة ابن الزبير، فقد أمرنى أن أسير بك وبأصحابك إلى عدوّنا بوادي القرى. » فقال ابن ورس:
« ما أمرت بطاعتك وما أنا بمتّبعك دون أن أدخل المدينة، ثم أكتب إلى صاحبي، فيأمرنى بأمره. » فلما رأى العباس لجاجه عرف خلافه، وكره أن يعلمه أنّه فطن له، فقال:
« فرأيك أفضل، اعمل بما بدا لك، فأمّا أنا فإني سائر إلى وادي القرى. »
ذكر مكيدة عباس بن سهل بأصحاب المختار

ثم جاء عباس بن سهل، فنزل بالماء، وبعث إلى ابن ورس بجزر كانت معه، فأهداها له مع دقيق وغنم مسلّخة، وكان ابن ورس وأصحابه قد هلكوا جوعا، وبعث عباس إلى كلّ عشرة منهم شاة، فذبحوها واشتغلوا بها، وتركوا تعبئتهم، واختلطوا على الماء.
فلما رأى عباس بن سهل أنهم قد شغلوا، جمع من أصحابه نحوا من ألف رجل من ذوي البأس والنجدة، ثم أقبل نحو فسطاط شرحبيل بن ورس، فلما رءاهم ابن ورس مقبلين إليه، نادى في أصحابه، فلم تتواف إليه مائة رجل. حتى انتهى إليه عباس وهو يقول:
« يا شرطة الله، إليّ إليّ، قاتلوا المحلّين أولياء الشيطان الرجيم، فقد غدروا، وفجروا. » قال: فو الله ما اقتتلنا إلّا شيئا ليس بشيء، حتى قتل ابن ورس في سبعين من أهل الحفاظ، ورفع ابن سهل راية الأمان لأصحاب ابن ورس، فأتوها إلّا نحوا من ثلاثمائة رجل انصرفوا مع سلمان بن حميد الهمدانيّ.
فلما وقعوا في يد عباس بن سهل أمر بهم فقتلوا إلّا نحوا من مائة رجل كره ناس ممن دفعوا إليهم قتلهم، فخلّوا سبيلهم، فرجعوا، فمات أكثرهم في الطريق.
وبلغ المختار أمرهم، فخطب الناس وقال:
« ألا، إنّ الفجّار الأشرار قتلوا الأبرار الأخيار. »
ثم كتب إلى محمد بن الحنفيّة مع صالح بن مسعود الخثعمي:
« بسم الله الرحمن الرحيم» « أما بعد، فإني كنت بعثت إليك جندا ليذلّوا لك الأعداء، وليحوزوا لك البلاد، فساروا حتى إذا أظلّوا على طيبة، لقيهم جند الملحد، فخدعوهم بالله، وغرّوهم، فلما اطمأنّوا إليهم وثبوا بهم فقتلوهم، فإن رأيت أن أبعث إلى المدينة من قبلي جندا كثيفا وتبعث إليهم من قبلك رسلا حتى يعلم أهل المدينة أنّى في طاعتك، وإنما بعثت الجند عن أمرك، فافعل، فإنّك ستجدهم أعرف بحقّكم أهل البيت، وأرأف بكم منهم بآل الزبير والملحدين، والسلام. » فكتب إليه محمد بن الحنفيّة:
« أما بعد، فإنّ كتابك لمّا بلغني قرأته وفهمته، وعرفت تعظيمك لحقّى وما تنوي به من سروري، وإنّ أحبّ الأمور إليّ ما أطيع الله فيه، فأطع الله ما استطعت في ما أعلنت وأسررت. واعلم أنّى لو أردت القتال لوجدت الناس إليّ سراعا، والأعوان لي كبيرا، ولكني أعتزلهم وأصبر حتى يحكم الله لي وهو خير الحاكمين. » فأقبل صالح بن مسعود إلى ابن الحنفيّة، فودّعه، وسلّم عليه، وهو كان حامل كتاب المختار، فأعطاه جواب الكتاب، وقال:
« قل له: فليتّق الله، وليكفف عن الدماء. » قال: فقلت له:
« أصلحك الله، أو لم تكتب إليه بهذا؟ » قال ابن الحنفيّة:
« قد أمرته بطاعة الله، وطاعة الله تجمع الخير كلّه، وتنهى عن الشرّ كلّه. » فلما قدم كتابه على المختار، أظهر للناس:
« إني قد أمرت بأمر يجمع البرّ واليسر، ويضرح الكفر والغدر. »
ذكر رأي رءاه ابن الزبير بعد حبسه محمد بن الحنفية ومن معه بزمزم

ثم إنّ عبد الله بن الزبير حبس محمد بن الحنفيّة ومن معه من أهل بيته وسبعة عشر رجلا من أهل الكوفة بزمزم كرهوا البيعة لمن لم تجتمع عليه الأمّة وهربوا إلى الحرم، وتوعّدهم القتل والإحراق، وأعطى الله عهدا - إن لم يبايعوا أن ينفذ فيهم ما توعّدهم به، وضرب لهم في ذلك أجلا.
فأشار بعض من كان مع ابن الحنفيّة عليه أن يبعث إلى المختار وإلى من كان بالكوفة رسولا يعلمهم حالهم وحال من معهم وما توعّدهم به ابن الزبير، فوجّه ثلاثة نفر من الكوفة حين نام الحرس على باب زمزم، وكتب معهم إلى المختار وأهل الكوفة يعلمهم حاله وحال من معه وما توعّدهم به ابن الزبير من القتل والحرق بالنار، ويسألهم ألّا يخذلوه كما خذلوا الحسين وأهل بيته.
فقدموا على المختار، ودفعوا إليه الكتاب. فلما قرأه قال:
« هذا كتاب مهديّكم وصريخ أهل بيت نبيكم! قد حظر عليهم كما يحظر على الغنم، ينتظرون القتل والتحريق بالنار في آناء الليل وتارات النهار، ولست أبا إسحاق إن لم أنصرهم نصرا مؤزّرا. » ووجّه أبا عبد الله الجدليّ في سبعين رجلا من أهل القوة، ووجّه ظبيان بن عثمان التميمي في أربعمائة، وأبا المعتمر في مائة، وهانئ بن قيس في مائة وعمير بن طارق في أربعين، ويونس بن عمران في أربعين، وكتب إلى محمد بن عليّ بتوجيه الجنود إليه، فخرج الناس بعضهم في أثر بعض.
وجاء أبو عبد الله الجدليّ في سبعين راكبا حتى نزل ذات عرق ولحقه عقبة في أربعين، ويونس في أربعين، فتمّوا مائة وخمسين فارسا. فسار بهم حتى دخلوا مسجد الحرام ومعهم الكافر كوبات وهم ينادون:
« يا لثارات الحسين. » حتى انتهوا إلى زمزم وقد أعدّ ابن الزبير الحطب ليحرقهم وقد كان بقي من الأجل يومان.
فطردوا الحرس، وكسروا أعواد زمزم، ودخلوا على محمد بن الحنفيّة، فقالوا له:
« خلّ بيننا وبين عدوّ الله ابن الزبير! » فقال لهم:
« إني لا أستحلّ القتال في حرم الله. » فقال ابن الزبير:
« أتحسبون أنّى مخلّ سبيلهم دون أن يبايع وتبايعوا؟ » فقال أبو عبد الله الجدليّ:
« إى وربّ الركن والمقام، لتخلّينّ سبيله أو لنجالدنّك بأسيافنا جلادا يرتاب منه المبطلون. » فقال ابن الزبير:
« ما هؤلاء إلّا أكلة رأس، والله لو أذنت لأصحابي لقطفت رؤوسهم في ساعة. » فقال له قيس بن مالك: « إن رمت ذلك، رجوت أن يوصل إليك قبل أن ترى ما تحبّ. » فكفّ ابن الحنفيّة أصحابه وحذّرهم الفتنة.
ثم قدم أبو المعتمر وبقيّة الناس ومعه المال حتى دخلوا المسجد فكبّروا:
« يا لثارات الحسين. » فلما رءاهم ابن الزبير خافهم، وخرج محمد بن الحنفيّة ومن معه إلى شعب عليّ وهم يسبّون ابن الزبير، ويستأذنون محمد بن الحنفيّة فيه، ويأبى عليهم.
واجتمع في الشعب مع محمد بن عليّ أربعة آلاف رجل، فقسم بينهم ذلك المال.